فى تناقضات الذات - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 25 أبريل 2026 2:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

فى تناقضات الذات

نشر فى : الجمعة 24 أبريل 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : الجمعة 24 أبريل 2026 - 5:50 م

أثناء لقاءٍ دوريّ لطيف؛ أطلعتنى صديقة مُحبَّة للعمل اليدويّ على بعض منتجاتها: أغراض بسيطة للمناسبات الشخصية والأعياد. حافظات صغيرة من القماش السّميك، سلاسل مفاتيح، أكواب ودفاتر؛ فيها ما يحمل أيقونات الميلاد ورمضان وشمّ النسيم وعيد الأضحى، وفيها أيضًا ما هو مزدان بعبارات ساخرة ورسوم خفيفة الظل. العادة أن ترى العينُ الصورةَ قبل الكلمة وأن تلحظ اللونَ قبل تفصيلات النقش، وقد انتقيت رسمة مبهجة جذبت انتباهى ثم التفت إلى المكتوب فإذا به: "قد أقول شيئًا وأفعل شيئًا آخر.. لماذا؟ لأنه براحتي". توقفت لحظة ثم طلبت أن أقتنيها إذ مسَّت فى نفسى أمرًا. رأيتها -رغم الضحكة التى أفلتت مني- توصيفًا صادقًا للواقع المخزى الذى نعيش؛ واقع مَحكوم برطانة لغوية جوفاء وكثيفة، عبارات رنانة صارخة؛ لا ترتبط بالأفعال بل تعاكسها جملة وتفصيلًا، ولا يؤاخذ قائلها بما أنتج من تناقض؛ بل يُمجَّد ويُثاب.

• • •
يقع أغلبنا فى تناقضات ذاتية متعددة؛ مردُّها الرئيس غياب القدرة على النظر فى المرآة، وقد جرت العادة بأن ننتقد سلوكيات الآخرين ولا نفطن لكوننا نفعل مثلهم؛ نرميهم بالنقصان ولا نرى فى أنفسنا سوى الكمال. تناقضاتنا مفضوحة لا تتوارى أو تتجمل فى أغلب الأحايين؛ حتى ليشيع على ألسنتنا ذاك المثل الشعبيّ البليغ: "اسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب". بعض الكلام يبدو لفرط إحكامه حقيقة، بينما الحقيقة الملموسة المجردة من المنطوق؛ عكسية أو مغايرة.
• • •
من تناقضات البشر ما هو صارخ؛ تجسده الحكمةُ الشهيرة: "اللى تحسبه موسى يطلع فرعون". موسى فى الموروث الدينى هو الطرف الصالح، أما فرعون فتجسيد للجبروت والطغيان. المحكوم فى غالب الأحوال مستضعف والسلطة فى ضوء استسلامه باطشة مستأسدة. نسبة لا بأس بها من الناخبين يدفعها حسن الظن بمرشح إلى التصويت له، وإذا بها تفاجأ لاحقًا بما لم يكن فى الحسبان؛ تصطدم بكلمات الودّ وقد استحالت عنفًا.
• • •
تثبت الطبيعة مرارًا وتكرارًا أنها عَصِيَّة على الترويض، متجاوزة بعنفوانها وثوراتها أدوات العلم الحديث ومنجزاته، والحال أنها كثيرًا ما تربك الخطط وتعقد المسارات المقررة، وفى أفعالها المتضادة المتنافرة يمكن الاستعانة بالأمثولة الراسخة: "الاسم طوبة والفعل أمشير". يشير كلٌّ من طوبة وأمشير فى التقويم المصرى القديم إلى شهريّ يناير وفبراير الميلاديين على التوالي؛ الأول قارس البرودة والثانى حافل بالرياح والزعابيب، ولإن تداخلت الأوصاف واقترض أحدهما من الآخر بعض سماته، وبدل خصالة التى عُرف بها واشتهر على مرّ الحقاب؛ لاستحق عن جدارة أمثولات التعجُّب والاستنكار.
• • •
إذا أبدى الواحد ما تيسَّر من اللطف والظرف والبشاشة فى وجه آخر، وأغدق عليه من حسن النوايا وأفاض الود، ثم تحدث فى غيابه بما يسوء؛ تكشفت حقيقته على عكس ما أظهر، وبان معدنه الصدئ المتآكل، وهجاه المخدوع بالقولة الأثيرة: "فى الوش مراية وفى القفا سلاية". المرآة لمعان وصفاء وصدق؛ لا تضيف إلى الواقع شيئًا ولا تبخسه أيضًا ميزاته، أما السّلاية فهى الشوكة فى الظهر، تؤرق الواحد وتحرمه السكينة، ولا شك أن التناقض فى هذه الحال مؤذ ومخيف، يربك من يتعرض له ويورثه الحيرة، وقد ينقض دعائم الثقة التى بناها فى الآخر ويذهب بها أدراج الرياح.
• • •
بعض المرات يحمل الشخص فى ذاته وتصرفاته تناقضات فادحة لا معقولة، يدهش لها الناس ويستعصى عليهم التعامل معها أو حتى قبولها، وقد رأينا من عجائب الخطاب والأفعال فى هذا الإطار ما يضحك وما يبكى، ووقفنا ذاهلين أمام سلوك أقل ما يوصف به أنه غير سوي؛ مفتقر إلى أدنى درجات التناسق. الأمثلة الدالة كثيرة، ولا أوضح هنا من مسلك الرئيس الأمريكى الذى يدلى بالتصريح وعكسه، ويدون العبارة ونقيضتها، يؤكد ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، والحال أنه يدعم أعمال القتل والإبادة والتنكيل، فى حين يدعى السعى نحو تحقيق السلام ويتباكى على وقوع ضحايا ويطلب الجوائز على حسن الأداء، وفى مثل هذا الموقف العبثى يقال: "يقتل القتيل ويمشى فى جنازته".

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات