التغول الإسرائيلى.. والمسئولية العربية عن لبنان - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الأربعاء 1 يوليه 2026 9:30 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

التغول الإسرائيلى.. والمسئولية العربية عن لبنان

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:00 م

يخطئ كثيرًا من يتصور أن ما تقوم به إسرائيل نحو لبنان من عدوان مستمر وغزو عسكرى إنما يندرج تحت مسمى ردود الأفعال على قصف حزب الله للمستعمرات الإسرائيلية فى شمال فلسطين، لأن المسألة أخطر وأعمق من ذلك بكثير كون إسرائيل تضع لبنان نفسه كهدف قائم وثابت لأطماعها منذ نشأة المخططات الصهيونية وإلى اليوم.

كان تيودور هرتزل هو من صاغ عقيدة الأرض والمياه فى المؤتمر الصهيونى عام 1898، وهو نفسه من كتب فى عام 1903 للسلطان العثمانى عبدالحميد عارضًا مبلغ مليون ليرة تركيّة مُقابل موافقة السلطات العثمانيّة على إقامة اليهود فى جنوب لبنان على مقربة من أنهاره ومناطقه الخصبه الوفيرة المياه.

ثم قَدّمَ حاييم وايزمان رئيس المنظّمة الصهيونية إلى مؤتمر الصلح فى باريس عام 1919 مذكّرة تضمّنت مطلب المنظمة بضم جنوب لبنان ومنابع ومجرى نهر الليطانى وضفتيه إلى فلسطين التى كانت آنذاك تحت الإنتداب البريطانى، بحيث تُنقَل السيادة على تلك المنطقة بعد ذلك من بريطانيا للكيان الصهيونى المخطط قيامه لاحقًا على أرض فلسطين.

وأشارت المذكرة صراحة إلى أنّ جبل الشيخ هو مصدر المياه الحقيقى لفلسطين والمغذى لأنشطتها الزراعية والحياتية، وبناء عليه أكدت المذكرة أهمية التوصّل لاتفاق دولى تُحمى بموجبه حقوق المياه لمن سيعيشون جنوب نهر الليطانى، أى المستعمرين الصهاينة المقرر نقلهم وتوطينهم هناك، وأرفق وايزمان بالمذكرة خرائط تبين حدود الكيان الصهيونى المخططة ممتدة إلى مَصَبّ نهر الزهرانى صعودًا إلى وادى التيم وحاصبيا ومرجعيون، وكذلك نهرا الوزانى والحصبانى.

لذلك وعلى الدوام كان جنوب لبنان هدفًا لإسرائيل لتأمين أطماعها المائية والاستيلاء على الأراضى الزراعية الخصبة، إضافة إلى البعد الاستراتيجى والعسكرى المتمثل فى جعل التضاريس الجغرافية ممثلة فى نهر الليطانى بمثابة خط فاصل للحدود بينها وبين بقية الأراضى اللبنانية وبما يتفق وعقيدة الأرض والمياه الصهيونية.

• • •

من أجل ذلك لا تتوانى إسرائيل اليوم عن استغلال كل موقف لإيجاد ذريعة لغزو جنوب لبنان واحتلاله، وبدأ ذلك منذ الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1978 والغزو التالى عام 1982، والذى دخلت خلاله قوات العدو الإسرائيلى بيروت وحاصرت القصر الجمهورى، وهيأت لمذبحة صابرا وشاتيلا، ثم إنشائها لجيش لبنان الجنوبى العميل وتمركزه فى الشريط الحدودى، ثم انسحابها منه تحت وطأة ضربات المقاومة.

وطوال الأعوام السابقة، وإلى اليوم، بات لبنان مستباحًا لإسرائيل التى ترسم فيه خطوط عدوانها وتوغلاتها فيه بألوان مختلفة تغيرها وفق الأوضاع الإقليمية والدولية، منذ الخط الأخضر وهو خط الهدنة لعام 1949، مرورًا بالخط الأزرق فى عام 2000 الذى وضعته الأمم المتحدة لتأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، ويمتد من رأس الناقورة غربًا وحتى مزارع شبعا شرقًا.

اليوم رسمت إسرائيل خطًا جديدًا لنطاق عدوانها وتوغلها هو الخط الأصفر بعمق من 10 إلى 18 كم ممتدًا من رأس الناقورة إلى سلسلة جبال لبنان الشرقية، بحيث فصلت فيه إسرائيل 55 قرية حدودية لبنانية عن باقى الأراضى اللبنانية، ومنعت المدنيين من الاقتراب منه أو اجتيازه، وإلا بات أى شخص يفعل ذلك هدفًا للجيش الإسرائيلى، الأمر الذى ترتب عليه ترحيل ما يزيد على مليون مواطن لبنانى عن أراضيهم وبيوتهم وقراهم.

إذن فإسرائيل، وفى خضم الأحداث الراهنة فى منطقة الشرق الأوسط، تسعى لفرض واقع احتلال جديد للأراضى اللبنانية، ويؤكد ذلك عمليات القصف الجوى العنيف والتدمير الممنهج التى طالت مناطق تمتد من صور إلى النبطية وصيدا، مع تعمدها تدمير البنية التحية للبلدات والقرى ونسف المبانى وإصدار أوامر الإخلاء للسكان المدنيين بالمغادرة وتحذيرهم من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.

اليوم تبين الخرائط أن إسرائيل احتلت قرابة 15% من الأراضى اللبنانية، رغم ما تزعمه التصريحات الإسرائيلية كذبًا بأن هذا الخط الأصفر هو مجرد حزام أمنى يهدف إلى منع مقاتلى حزب الله من الاقتراب من الحدود فى إطار تأمين المستعمرات الإسرائيلية فى شمال فلسطين، وتحقيق التكامل مع العمليات الإسرائيلية فى الجنوب السورى التى احتلت فيها إسرائيل مرتفعات جبل الشيخ وهضبة الجولان، والتوغلات والتمركزات الإسرائيلية فى مناطق ريف دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء، وهى كارثة استراتيجية وأمنية خطيرة.

الحالة اللبنانية كما هى الحالة السورية، حالتين يرثى لهما فى ظل التغول الإسرائيلى عليهما واستباحتهما بصورة بشعة ومهينة لا يمكن القبول بها.

• • •

الاتفاق الإطارى الإسرائيلى اللبنانى الأخير برعاية أمريكية، وهو اتفاق أقل ما يوصف بأنه خطير، مع احتوائه على بنود لا تتضمن أى إلتزام إسرائيلى بالانسحاب من جنوب لبنان، واشتراطها أن يكون ذلك متلازمًا مع تجريد حزب الله والمقاومة اللبنانية من سلاحها، وهو شرط ملغوم يمكن أن يتسبب فى تفجير الأوضاع فى لبنان واندلاع حرب أهلية، ولعلم إسرائيل بصعوبة تحققه، فإنه يتيح لها الحجة والذريعة المشروعة للبقاء فى جنوب لبنان واحتلال أراضيه تحقيقًا لأطماعها ومخططاتها الاستراتيجية بشأنه.

الاتفاق الإطارى الملغوم حقق لإسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالحرب، لذلك رفضته الغالبية العظمى من المكونات الوطنية اللبنانية من السنة والشيعة والدروز والقوميين والناصريين وتيار المردة، وعبرت عن رأيها فيه بمظاهرات رافضة حاشدة كاتفاق استسلام بشروط مجحفة ومهينة، فى مقابل قبول تلقائى للاتفاق من حزب الكتائب والقوات اللبنانية بحكم توجهاتها المتماهية مع الرؤية الإسرائيلية للبنان الرقيق الضعيف.

نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل فى استدراج الحكومة اللبنانية لحقل ألغام محضر بعناية، ووافقت عليه إسرائيل لأنها تعلم تمام العلم أن ربطها الانسحاب من الأراضى اللبنانية واشتراطها نزع سلاح حزب الله وحذف المكون الشيعى اللبنانى من المشهد السياسى اللبنانى، هو أمر سيستدعى حتمًا الحرب الأهلية، ووقتها ستكون إسرائيل قد كسبت خراب لبنان وتشرذمه، كما تكون قد كسبت الأراضى اللبنانية التى تحتلها فى جنوب لبنان لتحقق بها مخططاتها السياسية والحدودية والهيدرولوجية ولتبقى بها إلى أبد الآبدين.

• • •

اليوم يجب أن نطرح سؤالًا مباشرًا عن المسئولية العربية عن لبنان، ولماذا هى غير حاضرة فى تلك اللحظات العصيبة؟ وإلى أى مدى يمكن أن تمتد المسئولية العربية لتحافظ على كيان الدولة اللبنانية والشعب اللبنانى وحياته ومقدراته ومستقبله، فى ظل ما يتعرض له من عدوان إسرائيلى مجرم يستحل لبنان ويضعه فى دائرة أطماعه ومخططاته، وهو ما لن يستطيع لبنان بمفرده الوقوف له دون دعم ومساندة سياسية واقتصادية عربية.

المسئولية العربية عن لبنان تقتضى صياغة رؤية استراتيجية واضحة لمستقبل لبنان وشعبه فى إطار الأمن القومى العربى، يكون هدفها الأول الحفاظ على لبنان من الأطماع الإسرائيلية، وهى مسئولية لا يمكن التنصل منها أى تكن الأسباب ومهما تكن الذرائع.

 

أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات

 

 

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات