تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الداخل الأمريكى - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 1 يوليه 2026 9:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الداخل الأمريكى

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:05 م

إذا أردنا تناول تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الدول الأطراف مباشرة فى تلك الحرب، فربما يكون من الأنسب البدء بالتأثيرات على الولايات المتحدة الأمريكية، سواء تلك التأثيرات التى رأيناها قد حدثت بالفعل على أرض الواقع، أو تلك المرجح أو المتوقع حدوثها فى المستقبل، باعتبار أن واشنطن هى الطرف الأكبر والأكثر أهمية ودورًا فى التحالف الأمريكى الإسرائيلى فى تلك الحرب، إلا أنه يتعين علينا أن نقوم بتقسيم هذه التأثيرات ما بين تأثيرات على المشهد الداخلى الأمريكى بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلك المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية، سواء على الصعيد العالمى فى عمومه، أو فيما يتعلق إقليميًا بمنطقة الشرق الأوسط والخليج على وجه الخصوص. 

وحتى اللحظة الراهنة تغلب على التقديرات والتوقعات المستقبلية بشأن تأثيرات الحرب على إيران على الداخل الأمريكى النظرة السلبية، سواء على الأصعدة السياسية، الرمزية والفعلية، أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، خاصة أن التأثيرات على الداخل الأمريكى التى رأيناها حتى الآن تميل إلى تعاظم الجوانب السلبية.

ونبدأ بمسألة مصداقية الرئيس الأمريكى والإدارة الأمريكية أمام الرأى العام داخل بلاده؛ حيث إن تلك الخاصية تعرضت، ولا تزال، لاختبار شديد الصعوبة، سواء خلال الحرب، أى منذ اليوم الأول لشنها، أو منذ توقف العمليات العسكرية، خاصة من حيث تذبذب تصريحات الرئيس الأمريكى وكبار مسئولى إدارته، ليس فقط بشأن الأمور التكتيكية أو الثانوية أو الفرعية المتصلة بالحرب، بل حتى فيما يتعلق بأمور رئيسية وجوهرية وأساسية فى هذا المجال.

فحتى فيما يتعلق بالأهداف المتوخاة من شن الحرب فى المقام الأول فقد فوجئ المواطن الأمريكى بتحولات جذرية وعلى فترات زمنية قصيرة للغاية فيما أعلنه الرئيس الأمريكى وكبار مسئولى إدارته فى هذا الشأن، وكان من ضمن المعلن من تلك الأهداف ما يتراوح بين العمل من أجل إسقاط الحكم الإيرانى، أو تغييره، من الداخل أو من الخارج، أو تدمير القدرات النووية الإيرانية برمتها وترسانة إيران من الصواريخ الباليستية ومختلف أسلحة الجيش الإيرانى، ما بين القوات الجوية والبحرية والبرية والدفاع الجوى، أو تدمير البنية التحتية الإيرانية، أو ضرب قطاع الطاقة الإيرانى، أو حتى القيام بعملية غزو برى أو عمليات إسقاط جوى داخل إيران، أو السيطرة على جزر إيرانية بعينها فى منطقة الخليج.

أما الأمر الثانى الذى أثر سلبًا بشكل كبير على مصداقية الرئيس الأمريكى وإدارته فهو عدم التقدير أو التحسب الدقيق أو القريب من الدقة بشأن الفترة التى سوف تستغرقها الحرب أو التى تتطلبها مهمة تحقيق الأهداف الأمريكية من وراء شن الحرب. فما بين الإعلان فى بداية الحرب عن أنها سوف تستغرق أيامًا معدودة، إلى تمديد الفترة لتكون فجأة ما بين أسبوع وأسبوعين من الزمان، إلى الحديث عن أربعة أسابيع من العمليات العسكرية إلى امتداد الفترة المتوقعة لتكون ستة أسابيع إلى الإعلان من جانب الإدارة الأمريكية وبشكل مفاجئ وغير متوقع وبدون تمهيد عن وقف لإطلاق النار بعد 40 يومًا من الحرب. وعقب هذا الإعلان تراوح الحديث من جانب الرئيس الأمريكى وكبار مسئولى إدارته ما بين اعتبار أن الحرب انتهت وما بين إمكانية استئنافها فى أى وقت، بمعنى حالة من اللا سلم واللا حرب، وما بين شن عمليات عسكرية متفرقة ومتقطعة تشبه حرب الاستنزاف.

وإذا انتقلنا إلى الصورة العامة التى خلفتها الحرب فى الداخل الأمريكى، فتشير غالبية تقديرات الخبراء المعنيين والاستبيانات واستطلاعات الرأى التى تمت حتى الآن فى الداخل الأمريكى إلى أن غالبية المواطنين الأمريكيين يرون أن الإدارة الجمهورية الحالية لم تحقق أيًا من أهدافها الرئيسية المعلنة فى تلك الحرب، وبالمقابل فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد دفعت ثمنًا باهظًا للعمليات العسكرية التى قامت بها، سواء من حيث التكلفة المالية أو التعبئة العسكرية أو أنشطة الإمداد والتموين أو نقل قوات وقطع بحرية وناقلات طائرات وأسلحة أخرى من قواعد عسكرية أمريكية فى أماكن مختلفة إلى المناطق المحيطة بإيران، وخسارة جزء لا يستهان به من مخزون الأسلحة والذخائر، وذلك بالإضافة بالطبع إلى توقع تحميل المواطن الأمريكى العادى عبء سداد جزء من تكلفة تلك الحرب على أقل تقدير فى المستقبل القريب والبعيد.

وبالرغم من أن الرئيس الأمريكى وعدد من كبار مسئولى إدارته قد أعلنوا أكثر من مرة خلال الحرب وفى الفترة التى تلتها وشهدت تحكم إيرانى كبير فى مرور السفن والناقلات فى مضيق هرمز أن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت فى الحصول على كميات كبيرة من نفط رخيص تدفق من فنزويلا بأسعار متدنية بعد تغير نظام الحكم هناك فى أعقاب اختطاف القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلى السابق مادورو والسيدة قرينته من القصر الرئاسى فى كراكاس فى مطلع يناير من العام الجارى، وكذلك على الرغم من تكرار إعلان الرئيس الأمريكى وعدد من كبار مسئولى إدارته أن الإغلاق الانتقائى الإيرانى لمضيق هرمز لم يؤثر على إمدادات النفط للكثير من دول العالم بل زاد من مبيعات النفط الأمريكى لعدد من دول العالم وكذلك سمحت واشنطن لبعض دول العالم مثل الهند باستئناف استيراد النفط من روسيا على سبيل المثال، فإن الحقيقة أن زيادة مبيعات النفط الأمريكى لم تكن دائمًا أمرًا مثاليًا بالنسبة لسياسة أمن الطاقة التى اتبعتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ حرب أكتوبر 1973 بين الدول العربية وإسرائيل وما صاحبها وأعقبها من حظر نفطى عربى انتقائى على الولايات المتحدة الأمريكية وعدد محدود من الدول الغربية الأخرى المؤيدة لإسرائيل فى ذلك الوقت، وهى سياسة بنيت على أساس الاحتفاظ دائمًا باحتياطى استراتيجى يكفى الولايات المتحدة الأمريكية لفترات زمنية طويلة المدى من حيث الاستهلاك المدنى أو العسكرى، وذلك تحسبًا لأى ظروف طارئة.

وإذا انتقلنا من تقييم موقف المواطنين الأمريكيين إلى مواقف القطاعات الفاعلة سياسيًا والجماعات والأحزاب المؤثرة، بشكل أو بآخر، فى عمليات صنع القرار فى واشنطن إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإزاء ما تلاها من تطورات، نجد أن المحصلة أيضًا تميل إلى التقييم السلبى.

فبالإضافة إلى معارضة الحزب الديمقراطى للحرب ومطالبة الرئيس الأمريكى بتحديد أهداف الحرب من المنظور الأمريكى وكيفية ارتباطها بالأمن القومى أو المصالح الوطنية والاستراتيجية العليا للولايات المتحدة الأمريكية، فإنه بمرور الوقت وإطالة أمد الحرب وعدم ظهور أى أفق لتحقيق الأهداف الأمريكية، أو حتى بعضها، المتوخاة من وراء شنها، فإن قطاعًا من القاعدة السياسية للرئيس الأمريكية، بما فى ذلك شخصيات لها وزنها وثقلها من داخل الحزب الجمهورى ذاته، قد بدأت إما فى سحب تأييدها المطلق واللا مشروط لحرب الرئيس وإدارته على إيران أو للصمت أو حتى لانتقاد قرار الحرب ثم انتقاد قرارات لاحقة للرئيس، خاصة فيما يتعلق بالتفاوض غير المباشر عبر الوسيط الباكستانى مع إيران وما تم تسريبه من عناصر قبل بها الرئيس الأمريكى فى اتفاق وقف إنهاء الحرب الأمريكى الإيرانى، بل قبوله بالاتفاق برمته الذى لم يجسد من وجهة نظر هؤلاء أى ناتج إيجابى لواشنطن مقابل ما كلفتها الحرب من أعباء باهظة.

وفى الاتجاه نفسه، فإن معظم استطلاعات الرأى أشارت إلى التأثير السلبى المتوقع للحرب على النتائج التى قد يحققها الحزب الجمهورى فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس بمجلسيه والتى ستجرى فى بدايات شهر نوفمبر 2026، وذلك ما لم يحدث تحول جذرى ودراماتيكى فى سياسات الرئيس الأمريكى وإدارته الجمهورية يؤدى إلى ارتفاع فى شعبية الحزب الجمهورى من جديد، ويعزو بعض المحللين سخط بعض قيادات الحزب الجمهورى، بما فى ذلك بعض أعضاء الكونجرس من أبناء الحزب الجمهورى، على الرئيس وعلى الإدارة إلى هذا التأثير على وجه التحديد، كما أن هذه النتيجة، فى حالة حدوثها، ستمثل إشكالية للرئيس نفسه لأن عدم حصول حزبه فى الانتخابات القادمة على الأغلبية فى مجلسى الكونجرس، سوف يؤدى إلى تقييد حريته فى إصدار القرارات وفى إجراء التحركات وتبنى السياسات التى يراها إزاء العديد من القضايا والمسائل الداخلية والخارجية على حد سواء.

ونذكر هنا أن المظاهرات الحاشدة التى خرجت أثناء الحرب ضد الرئيس الأمريكى وضد الحرب فى عشرات من المدن الأمريكية الكبرى والأعداد الضخمة للمشاركين فيها تمثل مؤشرًا على أن مكونات هامة من القطاع النشيط سياسيًا فى المجتمع الأمريكى غير راضية عن سياسات الرئيس وإدارته فيما يتعلق بالحرب، وبغيره من مجالات داخلية وخارجية. كما تكمن أهمية هذه التظاهرات وتتابعها فى أنها عبرت عن مجمل الرفض من جانب مكونات هامة من المسيسين فى المجتمع الأمريكى لثقافة سياسية عكست نهجًا توسعيًا شمل الدعوة لضم جرينلاند ثم كندا للولايات المتحدة الأمريكية، ثم اختطاف الرئيس الفنزويلى وزوجته ثم شن الحرب، بالشراكة الكاملة مع إسرائيل، على إيران.

وعلى الصعيدين الاقتصادى والاجتماعى أيضًا، فقد بدأ عدد من مراكز الفكر والأبحاث الأمريكية فى إعداد دراسات حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب، بدا من النتائج الأولية والجزئية التى ظهرت لبعضها أن الأمر سوف يستغرق عدة أشهر بعد انتهاء الحرب والعمليات العسكرية المرتبطة بها بشكل كامل حتى يشعر المواطن الأمريكى بالآثار الاجتماعية فى حياته اليومية لتللك الحرب ولنتائجها الاقتصادية ولتكلفتها.

وبالتالى، فمن الواضح أن الأمر سوف يستغرق بعض الوقت بعد انتهاء كل الأمور العالقة والمرتبطة بالحرب حتى يمكن التوصل إلى تقييم نهائى وشامل لآثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الداخل الأمريكى على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أن المؤشرات الأولى، وكما أوضحنا فى هذا المقال، تشير إلى غلبة الطابع السلبى لهذه الآثار حتى الآن.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات