القوة الأمريكية الغاشمة والحرب فى الخليج العربى - أيمن النحراوى - بوابة الشروق
الأربعاء 8 أبريل 2026 8:32 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

القوة الأمريكية الغاشمة والحرب فى الخليج العربى

نشر فى : الأحد 5 أبريل 2026 - 5:50 م | آخر تحديث : الأحد 5 أبريل 2026 - 5:50 م

يخطئ كثيرا من يعتقد أن الحرب الأمريكية الحالية على إيران هى نزوة عابرة من الرئيس ترامب لإضافة إنجاز إلى تاريخه السياسى كمُخضعٍ للدولة الفارسية ومقوِّضٍ لنظامها السياسى الذى يناصب الولايات المتحدة العداء منذ قرابة الخمسين عاما، فأجهزة صنع القرار فى الولايات المتحدة تدرك تماما أهمية وخطورة الموقع الجيوسياسى والاستراتيجى لإيران، ودورها وثقلها الإقليمى، كما تعلم بمواردها الاقتصادية الضخمة كثالث أكبر مصدر للنفط فى منظمة الأوبك، واحتياطياتها الهائلة من النفط والغاز والمعادن.

لذلك فالحرب الأمريكية الحالية إنما تهدف إلى تحقيق حزمة من الأهداف على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية، حتى لو كانت حربا عدوانية متكاملة الأركان بموجب العلاقات السياسية الدولية وقواعد القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، التى لا يعترف بها الرئيس ترامب ولا يقيم لها وزنا ولا اعتبارا.

الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية لا تستهدف فقط تدمير القدرات العسكرية الإيرانية واغتيال قيادات الدولة الإيرانية، بل تستهدف أيضا إحداث حالة اضطراب وانهيار داخلى يمكن أن تؤدى إلى إسقاط النظام الإيرانى، وإحلاله بنظام بديل يكون خاضعا للهيمنة الأمريكية ومتماهيا مع استراتيجياتها وتوجهاتها، وأولها على الأقل أن يكون نظاما غير معادٍ لإسرائيل، وأن يكون لاحقا على علاقة طيبة بها أو حليفا لها.

إسقاط النظام الحالى فى إيران سيعنى الكثير من المكاسب لإسرائيل، فهو سيزيل عن عاتقها العداء مع دولة قوية وغنية طالما ناصبتها العداء، ودعمت محور المقاومة ضدها فى سوريا ولبنان وقطاع غزة واليمن، وأذاقتها الأمرَّين بتوجيه صواريخها تجاهها وضرب مدنها وبلداتها ضربا غير مسبوق منذ إنشاء الكيان الصهيونى فى فلسطين.

البعد الآخر للحرب يتمثل فى إزالة التهديد النووى الإيرانى المحتمل لإسرائيل حاليا ومستقبلا بالإصرار على تحجيم البرنامج النووى الإيرانى، إن لم يكن تدميره والقضاء عليه، وهو أمر سيتيح لإسرائيل إلى حد كبير الانفراد بامتياز امتلاك الأسلحة النووية فى الشرق الأوسط، وهى هيمنة تؤكدها العديد من التقارير التى تشير إلى امتلاك إسرائيل تلك الأسلحة، مع عدم نفى أو تأكيد إسرائيل، وإصرارها على عدم الانضمام لمعاهدة حظر الأسلحة النووية.

وما من شك فى أن الولايات المتحدة تستحضر اليوم فى ذهنها نظام الشاه محمد رضا بهلوى الذى اتسمت علاقته بالتبعية المطلقة لها طوال خمسة وعشرين عاما منذ إطاحة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بحكومة الدكتور محمد مصدق عام 1953، وقد اعتبر الشاه منذ وقتها أنه مدين بعرشه لهاتين الدولتين، وقام بناء على ذلك بدور الحليف الموثوق والذراع القوية لهما فى الخليج العربى، مع منح الولايات المتحدة امتيازات عسكرية وسياسية واقتصادية ونفطية ضخمة استمرت حتى سقوطه عام 1979.

• • •

من جهة أخرى، وعلى أثر العمليات العسكرية الأمريكية الحالية، جاءت ردود أفعال إيرانية عنيفة بتوجيه الصواريخ والمسيرات الإيرانية نحو الدول الخليجية، الأمر الذى تسبب فى خسائر سياسية واقتصادية جسيمة، وقوَّض العلاقات الإيرانية الهشة بدول الخليج، وأحدث صدعا كبيرا فيها سيستغرق جهودا وسنوات طويلة لإصلاحه.

الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيون فى هذا الإطار لم يتركوا تداعيات الأزمة الخليجية الإيرانية الحالية تمر دون تحقيق استفادة براجماتية قصوى منها، فسارع الجميع لعرض ما لديهم من أسلحة وأنظمة الإنذار والدفاعات الجوية على الدول الخليجية لإبرام صفقات بعشرات المليارات من الدولارات التى ستتدفق إلى الحكومات وشركات السلاح الغربية لإنعاش مبيعاتها وإيراداتها.

ولضمان الاستحواذ على نصيب الأسد من تلك المبيعات، سارع وزير الخارجية الأمريكى بتقديم تبرير للكونجرس بوجود حالة طوارئ تتطلب البيع الفورى للأسلحة للدول الخليجية حتى يتم تجاوز موافقة الكونجرس على تلك الصفقات، التى تتضمن صواريخ جو-جو متوسطة المدى، وذخائر طائرات إف-16، وأنظمة التصدى المتكامل للمسيرات والطائرات بدون طيار، ورادارات الرصد والإنذار، وأنظمة الدفاع الجوى.

وفى ذات الإطار، منحت الولايات المتحدة وألمانيا لإسرائيل، ودون مقابل، شحنات عسكرية ضخمة تضمنت 15 ألف قنبلة متوسطة وثقيلة، وقرابة 20 ألف طن من الأسلحة والذخائر عبر الجسر الجوى إلى إسرائيل، التى استقبلت 200 رحلة طيران قامت بها طائرات النقل العسكرية العملاقة، فضلا عن الإمدادات من خلال سفن الأساطيل البحرية.

• • •

من المؤكد أن إدارة الرئيس ترامب قد وضعت فى حسبانها أن الحرب على إيران، إن لم تسفر عن استسلامها، فعلى الأقل ستجعلها فى وضع أكثر ضعفا وخضوعا على مائدة المفاوضات، ولا سيما أن القدرات الإيرانية سوف يتم تقويضها إن عاجلا أم آجلا، مع مقارنة دولة محاصرة كإيران لا تتجاوز ميزانيتها العسكرية 10 مليارات دولار بدولة كالولايات المتحدة التى تبلغ ميزانيتها العسكرية قرابة التريليون دولار.

هذه الاعتبارات تتضح جليا من البنود الخمسة عشر التى حددتها الولايات المتحدة لإيقاف حربها على إيران، والتى يتضح فيها ارتفاع سقف مطالبها بدرجة تقترب فيها تلك الشروط من أن تكون بنود استسلام دولة أقرب منها لأن تكون شروطا تفاوضية.

الشروط تضمنت حظر تخصيب اليورانيوم نهائيا على الأراضى الإيرانية، وتفكيك المفاعلات النووية الإيرانية فى منشآت ناطنز وأصفهان وفوردو، وتسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% للوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمنى محدد، ومنح الوكالة وصولا كاملا وشفافية تامة فى مراقبة إنتاج واستخدام أجهزة الطرد المركزى والمعدات المرتبطة بها.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتضمن تحجيم برنامج الصواريخ الإيرانية بعدم تطوير أى برنامج صاروخى لمدة خمس سنوات، والالتزام بحد أقصى لمدى الصواريخ لا يتجاوز ألف كيلومتر، أى بما لا يصل لحدود إسرائيل.

بعد إعلان الشروط الأمريكية، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض بأنه إذا لم تدرك إيران أنها مُنيت بالهزيمة العسكرية، فإن الرئيس ترامب سيعمل على ضمان أن تُوجَّه إليها ضربات أشد من أى ضربات سابقة، وفى اليوم التالى تمت زيادة الضربات وتوسيع نطاق الأهداف التى شملت تدمير أكبر جسر فى إيران.

فى خضم كل ذلك، شهدت واشنطن مؤخرا قيام الرئيس ترامب بعزل رئيس هيئة الأركان الأمريكية وعدد من كبار مساعديه، فى مؤشر خطير على تباين وجهات النظر بين ترامب والقادة العسكريين الأمريكيين بشأن مجريات الحرب، وعما قد يكون الرئيس ترامب قد طلبه منهم لإنهاء الحرب بانتصار الولايات المتحدة.

وهذا يقودنا إلى التفكير فى احتمال أن يكون الرئيس ترامب قد طلب منهم الإعداد للقيام بالسيناريو الياباني، بتنفيذ ضربات بقنابل نووية تكتيكية على إيران، وهو سيناريو رهيب لا نستبعد لجوء الرئيس ترامب إليه كرئيس أمريكى يؤمن باستخدام القوة الغاشمة على الساحة الدولية، دون رادع أو اعتبار.

 

أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات

 

أيمن النحراوى  خبير اقتصاد النقل والتجارة الدولية واللوجيستيات
التعليقات