بإذن الله وإرادته قاربتُ منتصف العقد الثامن من العمر، وكثيرًا ما أتذكر مواقف ومشاهدات وأشخاصًا تسببوا فى سعادتى، أسجل بعضًا منها.
أتذكر أول ثمرة تفاح رأتها عيناى، وكانت كبيرة ولونها أحمر براق. كان عمرى وقتها ثلاث سنوات، عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين. كنت أرافق والدى وشقيقى الرضيع أثناء رحلة عودتنا إلى مصر بعد ثمانى سنوات من حرمان الوالد من العودة الإجباريّة للوطن بسبب جحيم الحرب العالمية الثانية، حيث كانت إقامتنا بمدينة لندن بعد حصول الوالد على الدكتوراه بمرتبة الشرف من كلية لندن للاقتصاد، ومحاولاته المرفوضة للعودة بسبب تكريس النقل الجوى والبحرى للمجهود الحربى فقط. وأخيرًا، وتحت إشراف أمنى صارم، صدر قرار عام 1945 بالسماح لنا بمغادرة بريطانيا بحرًا ضمن أسطول حربى، على أن نغادر فورًا.
وتم تخصيص مساحة للركاب المدنيين بقاع إحدى هذه السفن، ومعنا كانت هناك سيدة بريطانية متزوجة من مصرى، أخذت تداعبنى طوال هذه الرحلة المرعبة (بسبب هجمات الغواصات الألمانية المدمرة لسفن الحلفاء)، ثم قامت بإهدائى هذه التفاحة، ويعلم الله مدى سعادتى وانبهارى بهذه الهدية النادرة وقتها.
• • •
أنتقل لعدة سنوات بعد ذلك، عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين. عشنا بشقة بالطابق الثانى بحى عابدين، حيث كنت أشاهد من الشرفة مؤذن المسجد المجاور لنا وهو يؤذن من مئذنة المسجد، فيدور داخل شرفة مئذنته بشكل دائرى ليصل صوته لجميع سكان الحى، فلم تكن للميكروفونات وجود وقتها. كما كنت أشاهد صباح كل يوم عاملًا يحمل ذراعًا طويلة بقمع معدنى فتحته لأسفل، يمر على أعمدة إضاءة الشوارع بمصابيح الغاز، حيث كان يطفئ شعلة كل مصباح، وكانت إضاءة الشوارع ليلًا خافتة.
وخلال شهر رمضان كنت أستمتع بمراقبة أطفال الحى حاملى فوانيس رمضان الصغيرة المضيئة بالشموع، وهم يلهون فى الشارع أسفلنا، ونظرًا لأن إضاءة الشارع خافتة، يتخيل للمرء أنه يشاهد نجومًا تتحرك هنا وهناك مع أغانى رمضان السعيدة التى كان يرددها الأطفال، مثل: «وحوى يا وحوى». وكل حين وآخر يمر حامل صندوق الدنيا، لنتسابق إليه، حيث نسدد نصف قرش، ونجلس على دكة خشبية، ليغطينا بقماشة تحجب الضوء، ويبدأ فى لف ذراع يحرك رسومات مع موسيقى، لنتابع هذه الرسوم المتحركة بانبهار وسعادة.
• • •
وفى عام ألف وتسعمائة وخمسين انتقلنا من شقة عابدين إلى فيلا بحى المعادى، يعلم الله مدى سعادتنا بالحديقة المزدهرة التى كانت تحيط بالفيلا، والأشجار ذات التيجان المزينة بالزهور فى أنحاء حى المعادي: تيجان من الزهور الحمراء أو الصفراء أو الزرقاء، المنتشرة بكثافة كبيرة بالحى، ووقوع الفيلا فى موقع قريب من ترعة وقرية ربطنا بمعاملات يومية مع سكانها.
ففى صباح كل يوم كانت تدخل حديقتنا فلاحة تجر جاموسة، نسلمها مقعدًا صغيرًا وحلة، فتجلس وتقوم بحلب الجاموسة حتى تمتلئ الحلة باللبن، فنسلم لها المقابل المادى لتغادر الحديقة عائدة إلى القرية. أما نحن الأطفال فكنا نقوم بنقل الحلة الممتلئة باللبن إلى مطبخ المنزل، لتقوم والدتى بغليه، ثم فصل طبقة القشطة ووضعها بطبق، لنجلس جميعًا حوله، ونسكب على القشطة عسلًا أسود، وفى دقائق نلتهم هذه الوجبة المحببة لنا جميعًا.
وكثيرًا ما كنا نسمع موسيقى فرقة حسب الله وهى تعزف أثناء سيرها الاستعراضى بشوارع المعادى مرة أسبوعيًا، فنجد أطفال القرية والكبار يسيرون خلفها بسعادة ومرح لمسافات طويلة، ويصفقون كلما انتهت وصلة.
كما كنا نشاهد الفلاحات أثناء مرورهن أمام الفيلا، وهن يرتدين البرقع المزركش بالقروش أو المطرز بخيوط ملونة جميلة، وكذلك الشابات وهن يرتدين حول شعر الرأس المناديل البدوية ذات الأطراف على هيئة أشكال زخرفية ملونة. وأكثر ما كان يبهرنا مرور موكب العروس أمام منزلنا، حيث نشاهد جملًا وعليه الهودج المصنوع من القماش الملون الجميل، الذى يضم العروس، وخلف الجمل حوالى خمس عربات كارو تجرها الحمير، محملة بعفش العروس، وعلى العفش أطفال وسيدات يصفقن ويغنين أغانى مرتبطة بالفرح والزواج، والكل متجه إلى القرية، حيث ينتظرهم العريس بمنزل الزوجية.
كما كنا نتابع عدة نشاطات داخل نادى المعادى العريق. فكل يوم أحد كانت تتجمع الجاليات الأجنبية والمصرية لمتابعة مباريات البيسبول الأمريكية، أو مسابقات نماذج الطائرات المروحية، التى كان الشباب يصنعونها بفن وبأحجام مختلفة. فيقف الصانع وسط ملعب كرة القدم، ليضع الطائرة على الحشائش، ويقوم بأصابعه بتفعيل دوران المروحة، ثم يبتعد حوالى خمسة عشر مترًا، وهو متصل بالطائرة بأسلاك، فتنطلق الطائرة إلى ارتفاع حوالى عشرة أمتار، وتبدأ فى الدوران، وصاحبها يقف مكانه ليدور معها وهو مسيطر عليها، حتى ينفد وقودها وتهبط.
• • •
كانت الإذاعة بالغة الثراء وتنوع البرامج لتناسب جميع المستمعين؛ فصباحًا كانت برامج الأطفال، ومقدمها بابا شارو، حيث نستمتع بالأغانى والحواديت، مثل قصص طرزان بالأدغال. يلى ذلك حلقات «ألف ليلة وليلة» الرائعة، وتنوع آخر من الحلقات المثيرة مثل «الدوامة» و«سمارة». أما الكبار فكانوا بكل الشوق والحب ينتظرون غناء كوكب الشرق الشهرى، فيعدّون المجلس حول الراديو وكامل ملحقات الجلسة من معدات القهوة التركى، مثل الكنكة والسبرتاية والفناجيل، والقهوة التى يتم تحميصها وطحنها بالمنزل لتنبعث منها رائحة مميزة ومحببة، وزجاجات المياه؛ كلها استعدادات متكاملة للتركيز والاستمتاع بصوت محبوبة مصر والعالم العربى، رحمها الله.
• • •
أخيرًا، كان لى الشرف التعامل مع عمالقة مصريين، أمثال الرئيس جمال عبدالناصر والسيدة قرينته، والدكتور محمود فوزى نائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية الأسبق، والمهندس العبقرى حسن فتحى، والشيخ عبدالحليم محمود شيخ الأزهر، والشيخ محمد متولى الشعراوى، والدكتور حامد جوهر عالم البحار، وسعيد سنبل الكاتب الصحفى، والفريق محمد فوزى صاحب الفضل فى إعداد وتجهيز الجيش طوال السنين التى تلت النكسة ليخوض بنجاح مذهل حرب أكتوبر، والفريق سعد الشاذلى مخطط حرب أكتوبر 1973، والمشير محمد الجمسى، ذكريات بالغة الثراء لن تُمحى، والحمد لله.