حرب ترامب فى أسبوعها السادس.. رحلة البحث عن «نصر مفقود»! - مواقع عربية - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2026 9:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

حرب ترامب فى أسبوعها السادس.. رحلة البحث عن «نصر مفقود»!

نشر فى : الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 6:15 م

 

عندما لمس وزير الخارجية الأمريكى الراحل هنرى كينسجر، عناد رئيس الوفد الفيتنامى إلى مفاوضات باريس للسلام لى دوك ثو، فى ديسمبر 1972، عمد الرئيس الأمريكى عامذاك ريتشارد نيكسون إلى حملة جوية غير مسبوقة بواسطة 200 قاذفة «بى ــ 52» على البنى التحتية العسكرية والاقتصادية فى هانوى وهايفونج من «أجل هزّ الفيتناميين فى صميمهم»، كما دوّن كيسنجر فى مذكراته لاحقًا. لكن الحملة الجوية لم تُحقّق هدفها برغم الخسائر التى أسفرت عنها، واضطرت واشنطن لإبرام اتفاق سلام مع هانوى، لينسحب آخر جندى أمريكى من فيتنام فى مارس 1973.

لا يُعرف عن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب شغفه بالتاريخ أو إعجابه بنيكسون أو كيسنجر. على العكس، لم يتوانَ الرجل عن ازدرائهما فى كثير من الأحاييين. لكن الرئيس الأمريكى الآن، يسير على خطاهما، بتوسل تصعيد عسكرى بلغ حد التلويح مُجددًا بـ«الجحيم»، سعيًا إلى مخرج من الحرب المتهورة التى قاده إليها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، منذ خمسة أسابيع.

بعد ساعات من تهديد ترامب فى خطابه الذى وجّهه إلى الأمريكيين، يوم الأربعاء الماضى، بشن ضربات أعنف ضد الإيرانيين «تُعيدهم إلى العصر الحجرى»، قصفت القاذفات الأمريكية جسر «بى. 1» قيد الإنشاء بين العاصمة طهران ومدينة كرج إلى الغرب منها. واحتفل ترامب بـ«انهيار الجسر»، متوعدًا بأن هذه بداية حملة ضد الجسور الأخرى على أن تليها محطات الكهرباء، إذا لم تبرم طهران اتفاقًا «قبل فوات الأوان».

ما هى إلا ساعات قليلة، حتى أثبتت الحرب الدائرة أنها أكثر تعقيدًا من التبسيط الذى يسبغه ترامب عليها. هذا ما تؤكده مفاجأة إسقاط إيران الجمعة مقاتلة «إف ــ 15» أمريكية فوق جنوب غرب إيران، ومقاتلة أخرى من طراز «إى ــ 10» فوق مضيق هرمز، علاوة على إصابة مروحيتين من طراز «بلاك هوك».

صدمة إسقاط الطائرتين الأمريكيتين وإصابة المروحيتين، دفعت ترامب، وللمرة الأولى منذ بدء الحرب فى 28 فبراير، إلى الاعتراف بأن «أمريكا فى حالة حرب»، ليُقلع عن الاستخفاف الذى درج عليه، من خلال وصفه عملية «الغضب الملحمى» بأنها «نزهة قصيرة»، أو بأنه قادر على التحكم بالسقف الزمنى للحرب التى تشعل ضفتى الخليج، وتخلف تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمى، بعدما جعلت إيران من مضيق هرمز رهينة استراتيجية.

وكأن هرمز لا يكفى!

لطالما ردّد ترامب أن العمليات العسكرية الأمريكية، حقّقت سيادة جوية مطلقة لأمريكا وإسرائيل فى أجواء إيران. ما جرى الجمعة الماضية، يُثبت أن ما من سيادة مطلقة، وبأنه من غير الممكن التحكم بمسارات الحرب، وهذا يُعيدنا إلى حسابات الرئيس الأمريكى بأن النظام الإيرانى سينهار فى أربعة أيام، تحت تأثير الضربات الافتتاحية للحرب التى أسفرت عن اغتيال المرشد على خامنئى و50 من كبار القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين فى أولى ساعات المواجهة.

هذا التطور المتمثل فى فقدان أمريكا عددًا من المقاتلات المأهولة (سبع منذ 28 فبراير)، يُعتبر نجاحًا تكتيكيًا لإيران فى نزاع غير متكافئ مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويُضاعف من الضغوط التى يتعرض لها ترامب فى الداخل الأمريكى بسبب ذهابه إلى حرب تعارضها غالبية ساحقة من الرأى العام.

وأصاب كاتب العمود فى صحيفة «واشنطن بوست» ديفيد إجناثيوس، عندما كتب أن «تمتع القوات الأمريكية والإسرائيلية بالتفوق الجوى وضرب الأهداف متى شاءت.. لا يشكل معادلاً للنصر. لم تؤد الهيمنة التكتيكية إلى استسلام إيرانى سريع، بل إلى حرب أطول أمدًا مكلفة لترامب سياسيًا واقتصاديًا.. قد يعلن ترامب فوزه، لكن أى شخص عاقل سيعلم أن هذا قد هزّ رئاسته».

وكأن هرمز لا يكفى، حتى تتكدس المتاعب فى وجه ترامب. هو الآن تمامًا فى الوضع الذى رأته فيه صحيفة «لوموند» الفرنسية «سيتعرض للإهانة إذا رحل، وسيغوص فى مستنقع إذا بقى». وتعبيرًا عن هذا المأزق، كتبت نائبة رئيس معهد بروكينجز سوزان مالونى فى مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، أنه «بدلاً من الحرب القصيرة والانهيار السريع للنظام الذى توقعته الولايات المتحدة وإسرائيل، كان ما حدث عبارة عن معركة دموية ومكلفة، فى ظروف سمحت لإيران، بإملاء متى سينتهى الصراع».

إطالة أمد الحرب وزيادة كلفتها

هل الحل فى تصعيد القصف ضد البنى التحتية الاقتصادية والحياتية للإيرانيين العاديين، على أمل تحفيزهم مجددًا للانتفاض فى وجه النظام؟

على الأرجح هذا ما يهمس به رئيس الوزراء الإسرائيلى فى أذن ترامب، لأن الناس لن تجد مصانع أو شركات أو جامعات أو مدارس أو مستشفيات أو أى مقومات أساسية للعيش، بعد أن تتوقف العمليات العسكرية، وتالياً سينحون باللائمة فى ذلك على النظام. وهذا ما يقصده نتنياهو عند الحديث عن تهيئة الظروف لعودة الشارع الإيرانى للتحرك. نتنياهو يستدل بذلك على تجربة نظام سلوبودان ميلوسيفيتش فى صربيا الذى أسقطته احتجاجات شعبية بعد أقل من عام على انتهاء الحرب الأطلسية عليه فى 1999.

من بين أهداف كثيرة، تدل حملة التصعيد الجديدة التى بدأها ترامب ضد البنى التحتية المدنية فى إيران، على أن الولايات المتحدة لم تعد تجد أمامها أهدافًا عسكرية استراتيجية، يمكن أن تطالها من الجو، وأن ما تبقى من مواقع عسكرية تحتاج إلى تدخل برى، الأمر الذى لم يحسمه ترامب بعد. هل يكون الهدف، جزيرة خرج وجهته، أم السواحل المطلة على هرمز، أم مواقع أخرى على غرار الـ450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 فى المائة المدفونة تحت منشأة أصفهان النووية؟ كلها خيارات ستترتب عليها إطالة مدة وخسائر بشرية ومادية كبيرة من الجانبين.

الحرب الطويلة، هى ما يريد ترامب تجنبه بأى ثمن مع تعاظم الانتقادات الداخلية للحرب، حتى من قبل تيار «ماجا» اليمينى المتطرف ومن الاستراتيجيين فى حزبه الجمهورى، وهؤلاء يلاحظون كيف يهوى ارتفاع أسعار البنزين والديزل، بشعبية ترامب ويُهدّد بامكان احتفاظ الحزب الجمهورى بالغالبية فى مجلسى الكونجرس فى الانتخابات النصفية المقررة فى نوفمبر المقبل. ليس هذا فحسب، وإنما بات الديموقراطيون فى موقع الهجوم على ترامب، بعد الارتباك الذى أصابهم فى هزيمتهم بالانتخابات الرئاسية فى 2024.

وإذا نجح الديمقراطيون فى السيطرة على الكونجرس، فى ما تبقى من نصف الولاية الثانية، فإن ذلك سيُعيد شبح محاكمة ترامب للمرة الثالثة، وذلك بتهمة سوء استخدامه للسلطة وبتعريض أمن الولايات المتحدة للخطر، من خلال ذهابه إلى الحرب مع إيران تحت ضغط من نتنياهو. وإسرائيل، هى محل تشكيك واتهام من قبل الكثيرين من الديمقراطيين، وامتدت العدوى إلى شخصيات يمينية متطرفة بينها ستيف بانون.

النصر المفقود

إن احتمال تكبد أمريكا مزيدًا من الخسائر البشرية والمادية، سيزيد من علامات الاستفهام حول جدوى الذهاب إلى «حرب بلا نهاية»، وفق توصيف صحيفة «تايمز» البريطانية، التى تستغرب كيف تمكنت إيران فى حرب غير متكافئة من إصابة 13 قاعدة عسكرية أمريكية فى الشرق الأوسط. والأدهى، هو اعتراف كبيرة موظفى البيت الأبيض سوزان وايلز فى مقابلة مع مجلة «تايم» الأمريكية، بأن مساعدى ترامب يُقدّمون له «تقارير وردية» لمسار الحرب، بخلاف الواقع.

وتنقل صحيفة «النيويورك تايمز» تقريرًا للاستخبارات الأمريكية مفاده أن القوات الإيرانية تُرمّم بسرعة مخازن الصواريخ التى تتعرض للقصف، بما يضعف الراوية عن نجاح أمريكا وإسرائيل فى القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، كهدف من الأهداف الرئيسية للحرب. ومثلما تعانى السياسة الخارجية لترامب من الفوضى فى خضم الحرب المتعثرة على إيران، تسود الفوضى فى الداخل.

للمرة الأولى يذهب رئيس أمريكى إلى المحكمة الفيدرالية العليا ليدافع عن قراره بحظر منح الجنسية للأطفال الذين يولدون فى الولايات المتحدة. ويعود إلى البيت الأبيض ليتخلص من وزيرة العدل بام كوندى، على خلفية تعاملها مع فضائح جيفرى إبستين ولأنها لم تنفذ أوامره فيما يتعلق بالإدعاء على خصومه السياسيين. وفى البنتاجون، لا تقل قرارات وزير الحرب بيت هيجسيث ارتجالية وكيدية ضد من لا يقدّمون الولاء على الكفاءة، وآخر من سقط على يديه رئيس أركان القوات البرية الجنرال راندى جورج.

وفى نهاية المطاف، لا أحد يستطيع التكهن بالمدة التى ستستغرقها رحلة ترامب فى البحث عن «النصر المفقود» فى إيران!

 

سميح صعب

موقع 180

النص الأصلى: 

التعليقات