محنة لوكاش.. محنة المفكّر - مواقع عربية - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 يوليه 2026 8:16 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل المونديال؟

محنة لوكاش.. محنة المفكّر

نشر فى : الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:20 م

نشر موقع 180 مقالًا للكاتب عبدالحسين شعبان، يوضح فيه المسيرة الفكرية للمفكر المجرى جورج لوكاش، ومحاولة لوكاش تقديم قراءة تجديدية، إنسانية، ومنفتحة للماركسية بعيدًا عن البيروقراطية السوفيتية.. نعرض من المقال ما يلى:

يوم توفّى المفكّر المجرى جورج لوكاش فى عام 1971، لم أكن قد قرأت له أى شيء، سوى بعض النُتف السلبية التى وردت فى المطبوعات السوفيتية، لكن ما لفت انتباهى لاحقًا هو كتاب «ثلاثة وجوه للثورة» للمؤلف الفرنسى - البرازيلى ميشيل لوى، الذى ترجمه جورج طرابيشى فى عام 1980.

استعدت فى ذاكرتى ما كُتب عنه باعتباره تحريفيًا، وانحاز إلى الثورة المضادة فى عام 1956، وأصبح وزيرًا للثقافة فى ظلّ الحركة التى قادها إمرى ناج، والتى سحقتها الدبابات السوفيتية، وأُعدم عدد من قادتها. واضطر لوكاش للهرب إلى يوغوسلافيا، وبعد فترة قضاها فى المنفى، عاد بصدور عفو عنه مراعاة لمكانته الفكرية، ولكنه التزم الصمت حتى وفاته، واستمرّ خارج دائرة الضوء.

حاول لوكاش منذ وقت مبكّر، أن يُقدّم قراءات توليدية تأويلية للماركسية، خارج سياق التيّار الحزبوى؛ وقد ظلّ كتابه «التاريخ والوعى الطبقى» الذى صدر فى عام 1923 شبه مفقود أو غير معروف لنا عربيًا، على أقل تقدير، حتى ترجمه د. حنّا الشاعر فى عام 1979 بعد ترجمة أولى سبقته.

تناول لوكاش ما أسماه «الماركسية الأصيلة»، أى «زبدة» المنهج الماركسى وقوانينه الأساسية، كما بحث استنادًا إلى ماركس الترابط بين الوعى والواقع، وبين النظرية والممارسة، إذْ لا يكفى أن يتّجه الفكر نحو الحقيقة، بل إن الحقيقة ينبغى أن تتجه إلى الفكر أيضًا. ومن مساهمات لوكاش الأساسية دراساته النقدية الخاصة ﺑ«علم الجمال الماركسى»، كما قدّم مساهمات جليلة لدراسة الواقعية والواقعية المعاصرة، والعلاقة بين الوجودية والماركسية، مبتعدًا عن تنظيرات جدانوف والجدانوفية الأوامرية البيروقراطية، تلك التى قامت على ما سمّى ﺑ«الواقعية الاشتراكية»، والتى سادت فى الفترة الستالينية بشكل خاص، والتى ظلّت تُبسط ظلالها على الكثير من النتاجات الفكريّة والثقافية.

وقد ترجم لنا إلياس مرقص كتابه «تحطيم العقل» فى عام 1980 - 1981، كما ترجم لنا بديع عمر نظمى كتابه «التاريخ والوعى الطبقى» فى عام 1984، وقام جورج طرابيشى بترجمة كتابه «ماركسية أم وجودية» فى عام 1998، وبذلك اكتملت، إلى حدّ ما، صورة لوكاش المفكّر، بعيدًا عن الأغراض الحزبوى.

وفى كتابه «أنطولوجيا الكائن الاجتماعى» أعاد لوكاش تركيب المفاهيم الماركسية، حيث مثّل جهدًا لإضفاء نزعة إنسانية وجمالية عليها من خلال الأدب السياسى والفلسفى الكلاسيكى، لا سيّما فى ميدان الثقافة والفن والأدب. وحاول لوكاش أن ينفض الغبار الذى علق بالفكر الماركسى فى روسيا، التى شهدت تخبطات فكرية بعد وفاة لينين، حيث أطلق ستالين على اللينينية، وهى نظرية الثورة الروسية «ماركسية عصرنا» فى محاولة لتعميم النموذج، فى حين كان لوكاش يُشدّد على الخصوصية والتنوّع وعدم وجود موديل واحد، ففى الاختلاف تنبجس الحقيقة. وانطلاقًا من ذلك ابتدع فكرة «الماركسية الأوروبية»، بتأكيده أن المعرفة لا تنضب، مثلما هو الواقع لا ينتهى، وإنّ الأمر يحتاج إلى ملاءمة.

ويبدو أن مصطلح الماركسية الأوروبية الذى نحته لوكاش وجد صداه لاحقًا، خصوصًا فى فترة احتدام الخلافات بين الحزب الشيوعى السوفيتى والأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية التى برزت فى ستينيات القرن المنصرم، تلك التى رفضت البراديجم السوفيتى، وقد سبقها انتفاضة المجر فى عام 1956، التى تشبّثت بالخصوصية، وانتفاضة تشيكوسلوفاكيا فى عام 1968، التى عُرفت بـ«ربيع براج»، والتى دعت إلى اشتراكية ذات وجه إنسانى بقيادة ألكسندر دوبشيك. لقد طوّرت الأحزاب الشيوعية الأوروبية نظرية التحوّل الاجتماعى الأكثر مناسبة لأوروبا الغربية، والأساس النظرى لها كتابات أنطونيو جرامشى، التى انتقدت فئوية اليسار وشجّعته على تشكيل تحالفات اجتماعية لتحقيق إصلاحات من خلال التدرّج والطريق السلمى عبر المؤسسات الديمقراطية القائمة، أى رفض الطريق العُنفى للوصول إلى الاشتراكية، وذلك فى نزوع استقلالى عن المركز الأممى السوفيتى، ولم يكن ذلك بعيدًا عن أفكار لوكاش.

كما تأثّرت مدرسة فرانكفورت بلوكاش، لا سيّما كتابه المهم «التاريخ والوعى الطبقى»، حيث لقيتْ مناظراته مع جان بول سارتر اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا إزاء النزعة الإنسانية، وأضفت تلك المناظرات بشأن الوجودية نزعة انفتاحية على آرائه.

ولعلّ من المستحيل حسب جورج لوكاش معالجة معضلة المادية التاريخية دون دراسة مؤسس الديالكتيك، ويعنى به هيجل وعلاقة ماركس بفلسفته، وبهذا المعنى لا يمكن وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعنى إيقاف نقد التاريخ أو نقده بأدوات تجاوزها الزمن، وهو ما كان ماركس شديد الانتباه له، لا سيّما بتحالقاته التى جعلت الجدل أساسًا للتطوّر، فما بالك اليوم ونحن فى الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعى، ذلك أن مهمة التنظير تقتضى نقد الفكر السائد والكشف عن عيوبه ومثالبه فى إطار فهم حيوى، فلم يعد الاستشهاد بماركس أو إنجلز وفيما بعد لينين كافيًا، خصوصًا حين يُساق لأهداف أخرى وفى مجال غير مجاله فى أحيان ثانية.

تلك هى محنة لوكاش.. تلك هى محنة المفكّر

 

النص الأصلى:

https://tinyurl.com/3f7yx2u6

التعليقات