تقف فترة الطفولة خلف كثير من القرارات الفردية أو الشخصية التي يتخذها الفرد خلال فترات حياته المختلفة، وهي متخفية في ثوب ممزق بالخوف أو الإهانة والتحقير أو المقارنة أو القسوة، وغيرها من أشكال التربية السامة؛ فيهرب منها الإنسان وهو يكبر في صورة مهزوزة يكونها عن نفسه والعالم، بينما تظل الطفولة تراقب النتائج من بعيد، مصوبة النظر بعيون ضبابية تحتبس فيها الدموع.
ونوضح خلال هذا التقرير عواقب طرق التربية القاسية وتأثيراتها، من خلال الاستعانة بالدكتورة هناء زغلول مطه، أخصائي تعديل سلوك واستشاري العلاقات الأسرية.
شهادات صادمة
تقول الدكتورة هناء زغلول، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إن معظم الحالات التي تواجهها من الشباب هي حالات متضررة من أسرهم، ومجروحين من الطفولة نتيجة المرور بأزمات وطرق سامة في التربية، امتد تأثيرها إلى قرارات مصيرية تتعلق بالدراسة والعمل والعلاقات واختيار شريك الحياة.
وتشير إلى كثير من العبارات المؤلمة التي يرددها هؤلاء الشباب خلال الجلسات: "أنا ماستحقش علاقة كويسة"، "بخاف أتكلم مع الناس"، "بقبل الإهانة علشان حد يفضل معايا"، "حاسس إني قليل مهما أنجزت"، "قيمتي كلها في شغلي وإنجازاتي وأنا أصلا مش عارف قيمتي في إيه".
وتلاحظ خلال جلساتها مع شباب في مراحل عمرية مختلفة أن كثيرا من مشكلاتهم الحالية تعود إلى صورة مشوهة عن الذات تكونت منذ الطفولة نتيجة للمقارنة المستمرة أو التقليل منهم أو غياب الدعم النفسي داخل الأسرة، مشيرة إلى أن بعض الشباب يدخلون سوق العمل أو العلاقات العاطفية وهم مقتنعون داخليا بأنهم أقل من الآخرين، لذلك قد يقبلون بوظائف لا تناسب قدراتهم، أو يستمرون في علاقات مؤذية خوفا من الرفض أو الوحدة.
كيف تؤثر الجروح القديمة على اختيارات الدراسة والعمل؟
وتتفق هذه الملاحظات والشهادات مع ما توصلت إليه دراسة نوعية حديثة منشورة في مجلة قضايا الأسرة حول أساليب التربية السامة، تناول فيها باحثون في الهند تأثير التربية السامة على الشباب، حيث رصدت آثارا واضحة لهذا النمط من التربية على تقدير الذات والثقة بالنفس، من خلال حديث المشاركين عن شعور دائم بالدونية والخوف والعجز يتكون لديهم، وكذلك صعوبة تكوين علاقات صحية.
وتوصلت الدراسة إلى أن أنماط التربية القائمة على الإهانة والتحكم الزائد والتقليل من المشاعر تترك آثارا طويلة المدى على الصحة النفسية والثقة بالنفس والقدرة على بناء علاقات سليمة واتخاذ قرارات مستقلة.
كما أشارت الدراسة إلى أن كثيرا من المشاركين عاشوا تحت سيطرة ومنع لاتخاذ القرار بشكل مفرط وعنيف، وبعضهم تحدث عن عدم امتلاك حق التعليق على قرارات الأسرة أو حتى حرية الاختيار الشخصي، ونتج عن ذلك أن الطفل نشأ في بيئة ترفض استقلاله أو تسخر من قراراته.
وبحسب الدكتورة هناء، فإن هذا النمط يؤدي إلى أن يكبر الشاب وهو غير قادر على معرفة ما يريده فعلا، فيختار تخصصا دراسيا أو وظيفة لإرضاء الأسرة أو لتجنب الانتقاد، كذلك شباب يخافون من الفشل بشكل مبالغ فيه، ويترددون في اتخاذ أي قرار، ويعتمدون دائما على موافقة الآخرين ويربطون قيمتهم بالإنجاز فقط.
الحب أيضا تحكمه الجروح
وتتابع أخصائية تعديل السلوك بأن تأثير الطفولة يمتد حتى إلى العلاقات العاطفية واختيار شريك الحياة؛ فالإنسان الذي نشأ وسط الإهانة أو التجاهل قد يعتاد العلاقات غير الآمنة ويعتبر القسوة أو التقليل أمرا طبيعيا، لأنه لم يتعلم منذ البداية معنى العلاقة الصحية.
ومن بين الشهادات التي ظهرت في الجلسات أيضا فيما يتعلق بهذا الأمر: "أضطر ألبس أقنعة علشان أداري نفسي الحقيقية"، "ماعنديش شبكة علاقات ناجحة"، "مهارات التواصل عندي شبه منعدمة".
كما تحدث بعض الشباب عن خوف دائم من الرفض أو الهجر يدفعهم إلى التعلق الزائد أو التنازل المستمر حفاظا على أي علاقة.
وتحدث المشاركون في الدراسة كذلك عن خوف اجتماعي وعُزلة وفقدان الثقة أثناء التعامل مع الآخرين، بالإضافة إلى صعوبة تكوين صداقات أو علاقات مستقرة نتيجة ما تعرضوا له في الطفولة.
غضب مكبوت وانفجار في الوقت الخطأ
وتشير استشارية العلاقات الأسرية إلى أن بعض الشباب الذين تربوا في بيئات قائمة على القسوة والقمع أو التخويف يكبرون وهم يحملون غضبا مكبوتا لسنوات قد يظهر لاحقا بصورة عدوانية أو اندفاع أو توتر دائم، ومن بين ما تكرر في الجلسات: "غضب مكبوت طول الوقت بيخرج في الوقت الغلط"، "ممكن أكون شخصا انتقاميا وعدوانيا".
وكذلك توضح الدراسة أن بعض المشاركين لجأوا إلى ردود فعل غاضبة أو سلوكيات مؤذية أو حتى تعاطي مواد مختلفة كوسيلة للهروب من الضغط النفسي الناتج عن التربية السامة.
هل يمكن التعافي؟
توصي الدراسة بأهمية زيادة الوعي المجتمعي بخطورة التربية السامة مع توفير دعم نفسي مبكر، وتشجيع أساليب تربية تقوم على الاحترام والحوار لا التخويف والإهانة.
كما تؤكد الأخصائية النفسية أن العلاج والدعم النفسي يمكنه أن يساعد كثيرا من الشباب على فهم جذور مشاعرهم، وبناء صورة صحية عن الذات، وتعلم الحدود الصحية في العلاقات، فضلا عن استعادة الثقة بالنفس وتحفيز اتخاذ قرارات نابعة من رغباتهم الحقيقية، وليس بناء على خوف قديم يسكنهم منذ الطفولة.