- حياتنا بدت وكأنها دائرة من النزوح المتكرر
- في النكبة الأولى تفرق أهلنا وأقاربنا.. واليوم أيضا تفرق أولادي وأحفادي
- كنا نعتقد أن أولادنا وأحفادنا لن يعيشوا ما عشناه لكن يبدو أن النكبة ما زالت مستمرة حتى اليوم
-آخر محطة لنا كانت مخيم جنين.. تعبنا كثيرا حتى أسسنا حياتنا فيه
لم تكن الفلسطينية رحمة عبد الرازق حماد (83 عاما) تتخيل أن تعيش النكبة مرتين؛ الأولى طفلة حين هُجّرت من قريتها السنديانة قضاء حيفا عام 1948، والثانية بعد 78 عاما وهي تغادر منزلها في مخيم جنين هربا من العدوان الإسرائيلي.
ومن داخل غرفة صغيرة نزحت إليها في بلدة الزبابدة جنوب شرقي جنين، تستعيد حماد تفاصيل رحلتي تهجير يفصل بينهما عمر كامل، لكنهما تتشابهان في الخوف والفقد وتشتت العائلة.
وتقول المسنة حماد، في حديثها للأناضول بمناسبة الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية، إن حياتها بدت وكأنها "دائرة من النزوح المتكرر"، بدأت من قرية السنديانة قضاء حيفا، ولم تنته بعد، مع استمرار تهجير العائلات الفلسطينية من مخيم جنين.
ومنذ 21 يناير 2025، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على شمالي الضفة الغربية، الذي بدأه بمخيم جنين قبل أن يمتد إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، ما أسفر عن تدمير مئات المنازل وتهجير أكثر من 50 ألف فلسطيني.
و"النكبة" هو المصطلح الذي يطلقه الفلسطينيون على اليوم الذي أُعلن فيه قيام إسرائيل على معظم أراضيهم بتاريخ 15 مايو 1948 بعد أن ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر بحقهم وهجرتهم من ديارهم.
وفي 15 مايو من كل عام يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة عبر مسيرات وفعاليات ومعارض داخل الأراضي الفلسطينية وفي أنحاء العالم، للمطالبة بحقوقهم وبينها حق عودة ملايين اللاجئين.
السنديانة.. بداية رحلة اللجوء
وتقول حماد إن أصولها تعود إلى قرية السنديانة قضاء حيفا، التي هُجّرت منها مع عائلتها خلال نكبة عام 1948، حين كانت طفلة لم يتجاوز عمرها خمس سنوات.
وتستعيد تفاصيل رحلة النزوح الأولى، حين غادرت عائلتها القرية سيرا على الأقدام وسط حالة من الخوف والفوضى، متنقلة بين القرى والمناطق حتى وصلت إلى مخيم جنين.
وتروي حماد كيف تنقلت مع عائلتها بين القرى والمناطق بعد التهجير، حتى استقرت في خيام بمنطقة جنزور جنوبي جنين، بينما تفرقت العائلات الفلسطينية بين أماكن اللجوء المختلفة.
ورغم مرور العقود، بقيت قريتها حاضرة في ذاكرتها، قبل أن تتمكن بعد حرب عام 1967 من زيارتها للمرة الأولى منذ التهجير.
وأضافت: "بعد عام 67 صرنا ندخل ونزور البلد، وعندما نزلت من السيارة أخذت 3 ورقات من نبات اللوف من الأرض، شعرت وقتها وكأنني أحمل البلد كلها بيدي".
لكن الزيارة انتهت سريعا، وفق روايتها، بعدما أجبرهم جندي إسرائيلي على مغادرة المكان، مضيفة: "قلنا له هذه بلدنا وجئنا لنراها بعد سنوات طويلة، فأجبرنا على رمي الأوراق ومغادرة المكان".
مخيم جنين.. وطن بديل مؤقت
وبعد سنوات من التنقل، استقرت حماد مع عائلتها في مخيم جنين، حيث بنت منزلها وعاشت إلى جانب أبنائها وأحفادها، معتبرة أن المخيم أصبح "الوطن البديل المؤقت" بعد ضياع القرية الأصلية.
وقالت: "تعبنا كثيرا حتى أسسنا حياتنا في المخيم، بنينا بيوتنا وعشنا مع أولادنا وأحفادنا، وكنا نظن أننا استقرينا أخيرا".
لكن ذلك الاستقرار انتهى، وفق روايتها، مع العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في يناير 2025 في مخيم جنين، وتسببت بنزوح واسع للسكان ودمار كبير في البنية التحتية والمنازل.
وأضافت: "لم نكن نتوقع أن يحدث لنا هذا مرة ثانية، كنا نظن أن النكبة انتهت، لكننا عشنا نكبة جديدة".
وتصف حماد الأيام الأولى للعملية العسكرية بأنها كانت "الأصعب"، مع اضطرار العائلات لمغادرة منازلها بشكل متكرر تحت أصوات القصف والطائرات.
وقالت: "كنا نحمل الأطفال وهم نائمون ونخرج من البيت، بعض الناس كانوا ينامون في السيارات، وآخرون عند الأقارب".
وأضافت: "الجيش والطائرات وإطلاق النار أخافوا الأطفال كثيرا، فالطفل عندما يسمع صوت القصف يرتعب".
نكبة جديدة
وتعيش حماد اليوم بمفردها في غرفة صغيرة داخل إسكان خصص للنازحين من مخيم جنين، بينما توزع أبناؤها وبناتها على مناطق مختلفة بعد تهجيرهم.
وقالت: "لدي 8 أبناء و4 بنات، وكل واحد يعيش في مكان، بعدما كنا مجتمعين في المخيم".
وتشير إلى أن حالة التشتت التي تعيشها العائلة اليوم أعادت إليها مشاهد التهجير الأول عام 1948، عندما فقدت العائلات الفلسطينية تواصلها ببعضها البعض خلال النزوح.
وأضافت: "في النكبة الأولى تفرق أهلنا وأقاربنا، واليوم أيضا تفرق أولادي وأحفادي".
وترى حماد أن ما يحدث في مخيم جنين يمثل امتدادا للنكبة الفلسطينية المستمرة منذ عقود.
وأضافت أن سكان المخيم بذلوا سنوات طويلة لبناء حياتهم واستقرارهم، قبل أن يفقدوا كل شيء خلال أشهر قليلة.
وقالت: "آخر محطة لنا كانت مخيم جنين، تعبنا كثيرا حتى أسسنا حياتنا فيه".
ورغم تقدمها في العمر وظروف النزوح الحالية، تؤكد حماد أنها ما تزال تتمسك بالأمل في العودة إلى منزلها في المخيم، كما تتمسك بحقها في العودة إلى قريتها الأصلية السنديانة.
وأضافت: "نريد أن نعود إلى المخيم، نصلحه ونعيد بناءه، وكل واحد يعود إلى عائلته وأهله".
وتتابع: "المخيم على الرأس والعين، لكن أصلنا السنديانة، ونأمل من الله أن نرجع إلى أرض جدودنا يوما ما".
وختمت حماد حديثها للأناضول قائلة: "كنا نعتقد أن أولادنا وأحفادنا لن يعيشوا ما عشناه، لكن يبدو أن النكبة ما زالت مستمرة حتى اليوم".