وسعت السوشيال ميديا من دائرة المعارف، وجعلتنا نطّلع على حياة الآخرين بشكل أقرب، وأصبحت تمتلئ بصور النجاح السريع والثروة والإنجازات المتلاحقة، مما جعل كثيرًا من الشباب يشعرون بثقل المقارنة المستمرة، حتى وإن كانوا يحققون نجاحات حقيقية في حياتهم.
لكن متابعة نجاحات الآخرين قد تتحول إلى مصدر دائم للضغط والقلق وعدم الرضا، مما يوسع الفجوة النفسية بين الطموح الصحي والمقارنة المؤذية، وهذا ما نوضحه خلال هذا التقرير من خلال الاستعانة بالدكتور هشام عبد الله، استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان.
التربية تحدد طريقة استقبال الإنسان لنجاح غيره
يوضح الدكتور هشام، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أن التأثر بإنجازات الآخرين يُعد أمرًا طبيعيًا في حدوده المعقولة، لكنه يرى أن الأمر أصبح مبالغًا فيه لدى كثير من الشباب حاليًا مع التأثير المستمر لوسائل التواصل الاجتماعي.
ويشير إلى أن الإنسان يتعلم منذ طفولته مراقبة الآخرين ومقارنة نفسه بهم، حيث يتربى كثير من الأطفال على عبارات مثل: "شوف ابن خالتك وصل لفين" أو "شوف ابن عمك"، وبالتالي يكبر الشخص وهو معتاد على وضع نفسه في مقارنة دائمة مع الآخرين، مؤكدًا أن وجود بيئة إيجابية ومحفزة يمكن أن يساعد الإنسان على تطوير نفسه بشكل صحي.
لكنه يرى أن المشكلة تبدأ حين تتحول المقارنة إلى دائرة مفتوحة لا تنتهي، وأن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الإنسان يقارن نفسه يوميًا بأعداد ضخمة من الأشخاص، يعرض كثير منهم صورة غير واقعية عن حياتهم، ويقدمون نجاحات مبالغًا فيها أو غير حقيقية، وأحيانًا يتم تصوير الأمر وكأنهم بدأوا من الصفر ووصلوا فجأة إلى الثراء أو الشهرة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا، وهذا التزييف يجعل البعض يشعر بالنقص أو الفشل، رغم أن المقارنة نفسها غير عادلة.
السوشيال ميديا وسعت دائرة المقارنة
ويؤكد استشاري الصحة النفسية أن الفارق بين التأثر الطبيعي بنجاح الآخرين والتأثر المبالغ فيه يعود غالبًا إلى طريقة التربية والبرمجة النفسية التي يتعرض لها الطفل منذ الصغر، وأن المقارنة المستمرة داخل الأسرة تترك أثرًا طويل المدى على تقدير الإنسان لذاته.
ويقول: "زمان، قبل السوشيال ميديا، كانت دائرة المقارنة محدودة في الجيران أو الأقارب أو المحيط القريب، وكنا نشاهد أيضًا حجم التعب والمجهود الذي بذله الشخص الناجح، أما الآن فالمشهد مختلف، لأن المنصات تعرض النتيجة فقط من دون إظهار الضغوط أو التضحيات أو حتى حقيقة ما يتم عرضه".
النفسية كالطفل الرضيع
كما يرى أن التعرض اليومي لنجاحات الآخرين قد يخلق بالفعل شعورًا دائمًا بالفشل، وقد يصل إلى الفقر النفسي لدى أشخاص يحققون تقدمًا حقيقيًا في حياتهم، لأن البعض أصبح يقيس نفسه دائمًا بما ينقصه لا بما حققه، مشيرًا إلى أن الشخص قد يكون تطور ماديًا أو مهنيًا مقارنة بنفسه قبل سنوات، لكنه لا يرى ذلك لأنه يقارن نفسه بغيره باستمرار، لذلك يفقد الشعور بالرضا.
ويؤكد أن التربية والبيئة النفسية لهما دور كبير في تشكيل قدرة الإنسان على مواجهة صعوبات وضغوط الحياة، وأن الحرمان العاطفي والكلام السلبي والتقليل المستمر من الطفل قد ينتج عنه شخص هش نفسيًا في المستقبل.
ويتابع بأن النفسية مثل الطفل الصغير، تتشكل بالطريقة التي نربيها بها، فإذا تربى الإنسان على أنه فاشل أو غير كافٍ، أو عاش في بيئة يغيب عنها الدعم والاحتواء، فقد يكبر وهو يعاني من تحقير الذات أو يسعى بشكل مرضي لإثبات نفسه بأي طريقة.
كيفية الاستفادة من نجاح الآخرين دون تحقير الذات؟
ويوضح أن هناك فرقًا بين الطموح الصحي والمقارنة المرضية، فالطموح الصحي يكون دافعًا داخليًا يدفع الإنسان للعمل والتطور، بينما تقوم المقارنة المرضية على الشعور الدائم بالنقص والاستياء مما يملكه الآخرون، مشيرًا إلى أن الأشخاص الناجحين في الواقع لا يعيشون حياة مثالية كما تبدو على المنصات، ويواجهون ضغوطًا ومخاوف ومشكلات مثل غيرهم، لكن الفرق أنهم يمتلكون قدرًا من الرضا والقدرة على الاستمرار والسعي.
ويشير إلى إمكانية الاستفادة من نجاح الآخرين دون تحقير الذات، من خلال النظر إلى النجاح بشكل كامل وعدم الاكتفاء بالنتيجة الظاهرة فقط، لأن كل نجاح له فاتورة وتضحيات، سواء في الراحة أو الوقت أو العلاقات أو الضغوط النفسية.
كما ينصح بضرورة تنظيم الوقت، والاهتمام بالصحة النفسية، والتمسك بالرضا والسعي دون جلد الذات، مؤكدًا أن النجاح لا يقتصر فقط على المال أو الشهرة.
ويختتم حديثه بجملة يرددها دائمًا، وهي أن "رحلة الوصول إلى الهدف أهم من الوصول للهدف نفسه"، لأن الرحلة أثناء السعي لتحقيق الأهداف هي التي تعلم الإنسان وتبنيه نفسيًا وإنسانيًا.