حوار| منصورة عزالدين: الكتابة في أساسها محاولة منا لخلق العالم الذي نريد أن نحيا فيه - بوابة الشروق
الإثنين 11 مايو 2026 3:19 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

حوار| منصورة عزالدين: الكتابة في أساسها محاولة منا لخلق العالم الذي نريد أن نحيا فيه

محررة الشروق تحاور الكاتبة منصورة عز الدين- تصوير: إسلام صفوت
محررة الشروق تحاور الكاتبة منصورة عز الدين- تصوير: إسلام صفوت
حوار- شيماء شناوي تصوير: إسلام صفوت
نشر في: السبت 9 مايو 2026 - 5:50 م | آخر تحديث: السبت 9 مايو 2026 - 5:50 م

- الكتابة رفيقتي الأوفى.. والنصوص غير المكتملة أشباح لا تختفي تمامًا
- الكتابة محاولة للنجاة.. والرواية قد تكمل التاريخ حين تنحاز للمهمشين
-خيالي تشكل مبكرًا من الحكايات الشعبية...و الجنة بالنسبة لي فضاء لا يعرف الحدود
- أدخل إلى الكتابة دون يقينيات.. والكاتب إذا لم يكتشف شيئا جديدا فلن يكتشف القارئ

تؤمن الكاتبة والروائية منصورة عز الدين أن الكتابة في جوهرها اقتراحٌ آخر للعالم، أو هى محاولة منا لخلق عالمنا الذي نريده لا المفروض علينا؛ ربما لذلك تعد "الميتافيزيقا" عنصرًا أساسيًا ضمن أعمالها، التي تحرص على إبقاء مسافةٍ كافيةٍ بينها وبين الواقع، عبر التخييل، وتوظيف الأحلام وتداخل الأزمنة والعوالم وألاعيب الذاكرة والإدراك، بما يستلزمه ذلك من أدوات وتقنيات وحيل فنية ومرونة في التجريب؛ تسهم في وقعنة المتخيل ومَنطقته ضمن العمل الأدبي.

وبالنظر إلى أن الحيرة أو السؤال الإنساني هما هاجسها وحافز الكتابة لديها، تصبح هذه الأدوات الفنية خيارًا أمثل، لتطويع كل تلك الفوضى واللامعقولية والغموض الذي يكتنف الكون، لشروط وأدوات الإبداع والعكس صحيح. وكأن الكاتبة قد احتفظت على الدوام بتلك الطفلة التي كانتها في إحدى قرى الدلتا، حيث تنتشر الحكايات الشعبية المتكئة على الخيال، وتموه الفواصل بينها وبين الواقع، مغريةً إياها بإعادة تحرير تلك الحكايات وإعادة تركيبها والنفخ فيها من روحها ووعيها وتجربتها.

وفي هذا الحوار الذي يزامن صدور مجموعتها القصصية الرابعة "متحف الأخطاء"، بعد 25 عامًا من صدور أولى مجموعتها القصصية وأولى أعمالها الأدبية "ضوء مهتز"، نتوقف مع منصورة عند ملامح تجربتها الأدبية، ومكانة فن القصة ضمنها، في ظل إغراء الفن الروائي عمومًا، ورواياتها التي حققت نجاحًا كبيرًا بشكلٍ خاص.

وإلى نص الحوار:


• في أحد نصوص «متحف الأخطاء» ترد عبارة: «راقها أن يصوغ الإنسان عالمه»؛ إلى أي مدى تؤمنين بقدرة الإنسان على أن يشكل عالمه من خلال ما يفكر فيه وما ينطقه؟

الكتابة في أساسها هى محاولة منا لخلق العالم الذي نريد أن نحيا فيه، وأنا بدأت الكتابة معي بهذه الصورة، لأنني كنت طفلة صغيرة ترفض واقعًا فرض عليها؛ فكانت تهرب بمحاولات التخيل وأحلام اليقظة، واختراع عالم بديل، يرضيني عن العالم الذي أعيش فيه.

وأظن أن الكاتب أو الفنان عمومًا هو شخص غير راضٍ عن العالم، يعيش حالة من الغضب أو عدم الاكتفاء، فيلجأ للفن لتوسيع الحياة ومنحها عمقًا أكبر، والقراء كذلك؛ فالقارئ يلجأ للفن بحثًا عن إمكانات أخرى للعالم وفهمٍ أعمق له.

 

• متى يشعر الكاتب أن الشخص الذي يلتقيه أو الفكرة الطارئة على ذهنه صالحة للكتابة؟

بالنسبة لي لا أتعامل مع الفكرة باعتبارها شيئًا مكتملًا أبدأ به الكتابة، وكثيرًا لا تكون هناك فكرة بالمعنى التقليدي، بل أبدأ من صورة، أو ذكرى، أو جملة مبهمة أسمعها وأدونها وأمشي وراءها وقد أكتب صفحات لا تقود إلى نتيجة واضحة، لكن في لحظة ما يحدث ما أسميه "لحظة إنارة"، وهي اللحظة التي تبدأ فيها ملامح الفكرة في التشكل تدريجيًا، ومن هنا فقط يمكن أن نقول إن فكرة بدأت تتبلور، وهذا التدوين يساعدني لاحقًا أثناء الكتابة، لأنه يصبح مخزونًا أعود إليه واستدعى منه ما أحتاجه.

ويمكن رؤية ذلك في تجربة جابرييل جارسيا ماركيز مع روايته "مائة عام من العزلة"، التي بدأت من صورة في ذاكرته حين أخذه جده لرؤية السيرك لأول مرة ومشاهدة الثلج، ومن هذه الذاكرة البسيطة تشكل عالم الرواية لاحقًا.

• في قصة «نجمة الصباح» تبدو الشخصية وكأنها وُلدت من مجرد رؤيتها في الشارع.. هل يحدث ذلك معك؟

أنا أحب أن أكتب عن الكتابة. وفكرة "الميتافيزيقا" تمثل عنصرًا أساسيًا جدًا في "شغلي"، ففي رواية «أخيلة الظل» مثلًا، تتجلى هذه النزعة بوضوح من خلال لعبة من الافتراضات والتخيلات، حيث تتداخل أصوات كاتبتين تكتبان عن بعضهما البعض، دون يقين كامل حول من تكتب الأخرى، في مزج بين الكتابة والحلم والخيال.

أما قصة «نجمة الصباح»، فقد كُتبت في بدايتها بعيدًا عن هذا المنحى، من خلال شخصية "بروين"، لكنني شعرت أن إدخال البعد الميتافيزيقي سيمنحها حيوية وعمقًا أكبر، لذلك بدأت أوظف فكرة أن الشخصية تتخيل ذاتها وتُكتب أمام القارئ، وهو ما أضفى على العمل طاقة سردية أكثر كثافة، وقد مر النص بثلاث مراحل حتى استقر على الصيغة التي ملتُ لها، وأنا عمومًا أحب تعدد الصيغ والتجريب، وأبحث دومًا عن تنوع في الأساليب والتقنيات داخل الأعمال المختلفة، وليس شكلًا واحدًا ثابتًا للكتابة.

 

• هل تعتمدين في بناء شخصياتك الروائية على نماذج حقيقية أم على الخيال وإعادة التشكيل؟

أنا لا أكتب عن شخصيات حقيقية بشكل مباشر، بل أعتمد على دمج تفاصيل صغيرة من شخصيات مختلفة، وأحيانًا من ذاتي. تفاصيل دقيقة لكنها لافتة، فالكاتب يكون في كثير من الأحيان أكثر وعيًا بنفسه، ويستثمر هذا الوعي ليخلق شخصيةً أكثر إقناعًا، حتى وإن بدت بعيدة عنه.

وهذا لا يعني أنني أكتب عن نفسي بالمعنى المباشر، لكن كما قال جوستاف فلوبير: «مدام بوفاري هي أنا»، فكل شخصية تحمل جزءًا مني، ليس من حيث التشابه، بل من خلال التقمص أثناء الكتابة، أحيانًا أعيش وعي الشخصية نفسها، حتى لو كانت مختلفة تمامًا عني.

وفي النهاية هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبني النص؛ كما أشار بورخيس ذات مرة إلى أن عوالم كاملة يمكن أن تُشيَّد من تفصيلة دقيقة، وكما كان يؤكد نجيب محفوظ أن الشخصية الروائية قد تنطلق من نموذج واقعي، لكنها تُعاد صياغتها وتكثيفها وتغييرها إلى حد قد لا يتعرف فيه صاحبها الأصلي عليها، وبالنسبة لي، هذا هو جوهر الكتابة: ليست نقلًا للواقع، بل إعادة تركيبه وتوسيعه وتخيّله، حتى يصبح واقعًا آخر مستقلًا بذاته.

• هل تتطلب صناعة الشخصية الأدبية أحيانًا قدرًا من المبالغة لتجاوز حدود الواقع؟

نعم، إلى حدٍّ ما، لكن ليست المبالغة التي تفقد النص إقناعه أو تجعله كاريكاتيريًا، بل المبالغة المدروسة التي تدفع الفكرة إلى أقصى حدودها الممكنة، لاختبار طاقتها وما يمكن أن تولده من عوالم ومعان، وهذا يظهر بوضوح في الكتابة التخمينية أو عوالم الديستوبيا، حيث لا يكون الهدف الهروب من الواقع، بل إعادة تفكيكه والنظر إليه من زوايا مختلفة عبر احتمالات قصوى ذهنيًا.

وتظهر هذه المبالغة من خلال تقنيات مثل "ماذا لو" أو قلب الفكرة رأسًا على عقب، حيث ننطلق من فرضية بسيطة ونبني عليها عوالم كاملة. فمثلًا، يمكن الانطلاق من تجربة جائحة كورونا بوصفها مدخلًا واقعيًا، ثم دفعها تخييليًا إلى أقصاها: ماذا لو مُنعنا تمامًا من الخروج من البيوت دون استثناء، أو على العكس ماذا لو مُنع الدخول إلى البيوت أصلًا!، بهذه الطريقة تُعاد صياغة التجربة الواقعية وتكثيفها حتى تصبح عالمًا تخييليًا قائمًا على قلب الواقع وتضخيم احتمالاته.

وهناك مثال أخر حدث مع قصة «ليل قوطي»، والتي نُشرت 2015 في أنطولوجيا في أمريكا لأهم قصص غرائبية من الربع الأول من القرن الـ19، وقد انطلقت من بذرتين أساسيتين: كابوس رأيته عن شخصية عملاقة ترتدي الأسود، دونت تفاصيله فور الاستيقاظ ولاحقًا، أثناء الكتابة، تذكرت تفصيلة من رحلة إلى إشبيلية حين قرأت في مجلة على الطائرة معلومة عن امتداد الغروب في إقليم الأندلس حتى ساعات متأخرة بشكلٍ غير مألوف، وعند الوصول ليلًا، كان الإحساس بالوقت مختلفًا، لم أجد ليلًا واضحًا، بل حالة ممتدة من المساء، وهو ما خلق لدي شعورًا غير معتاد بالزمن، ومن دمج هذا الإحساس مع الكابوس، تشكّلت فكرة "مدينة بلا ليل" في "ليل قوطي".

• الوحدة والبحث عن الحب حاضران بقوة في قصص المجموعة.. هل يمكن اعتبار ذلك نوعًا من المناجاة الأدبية لهما؟

لا يشغلني في الكتابة أن أقدم موقفًا جاهزًا أو رسالة مباشرة للقارئ، بقدر ما يشغلني محاولة الفهم أو إعلان الحيرة أمام التجربة الإنسانية، فحين أكتب عن شيء يكون من موقع التساؤل لا التفسير؛ أحاول فهم معنى الوحدة وكيف تُشعر الإنسان بأنه غير مرئي أو مُثقل بها.

وفيما يخص الحب، أراه من أكثر التيمات صعوبة، لأنه غالبًا ما يُكتب بطريقة رومانسية أو غنائية مبالغ فيها، لذلك أحاول الاقتراب منه من زاوية مختلفة، عبر النظر إلى جوانبه المظلمة وأسئلته المعقدة: كيف يمكن لعاطفة غير قابلة للسيطرة أن تُربك حياة الإنسان، أو تدفعه لإعادة تعريف نفسه بالكامل، أو حتى تولد الوحدة والألم بدل الاكتمال.

فمثلًا في قصص "إلغاء المحبوب"، يظهر الحب كقوة تعيد تشكيل حياة الشخصية دون إدانة لأي طرف، سواء الزوج أو الحبيبة أو الآخر الغائب عن المعرفة، فالفن لا يقوم على الحكم الأخلاقي بقدر ما يقوم على الفهم، لأن الإدانة المسبقة تغلق باب الاكتشاف، لذلك أدخل إلى الكتابة دون يقينيات نهائية، لأن الكاتب إذا لم يكتشف شيئًا جديدًا أثناء الكتابة، فلن يكتشف القارئ شيئًا أيضًا.

 

• على ذكر أبطال «إلغاء المحبوب». لماذا اخترتِ وضعهم ضمن المجموعة القصصية وليس كرواية منفصلة؟

الرابط بين شخصيات «إلغاء المحبوب» كان لحظة واحدة تمسك بهم؛ فالشخصيات الثلاث شيماء في القاهرة، إدريس في آيوا، وآن ماري في باريس، كأنها تتحرك داخل زمن واحد، تتجاور فيه الأصوات وتتقاطع، مع اختلافات طفيفة يفرضها فرق التوقيت والحركة..

الشخصيات الثلاث جاءت بطريقة تراكمية وغير مخططة بالكامل من البداية، كتبت قصة شيماء في القاهرة، ومع الدخول في نصوص أخرى داخل المجموعة، تولّد لدي نوع من الفضول تجاه هذه الشخصية: من هو الشخص الذي تتحدث عنه؟ خاصة أنها في البداية كانت تشير إليه دون أن تسميه لأنه لم يكن قد تشكل بعد داخل النص، ومن هنا بدأت كتابة هذا "الشخص" نفسه، ومع ظهوره في علاقة زوجية، نشأ سؤال جديد عن الطرف الآخر: أين صوت الزوجة؟ كيف ترى هي العلاقة من زاويتها؟

وهكذا لم تكن الشخصيات الثلاث مخططة كهيكل مسبق، بل تشكلت عبر فضول الكتابة نفسها، كل شخصية تفتح سؤالًا يقود إلى الأخرى، حتى اكتملت الدائرة على هذا النحو.

• مرت 25 عامًا على صدور مجموعتك الأولى «ضوء مهتز»، بالتزامن مع طرح «متحف الأخطاء».. ماذا تعني لك هذه المصادفة، وكيف تنظرين اليوم إلى رحلتك مع الكتابة بعد ربع قرن من النشر؟

حدث هذا دون تخطيط أو قصد مسبق، وربما لو كنت أريد أن أرتبه على هذا النحو لما جاء هكذا، اللافت أنني انتبهت لهذه المصادفة الزمنية قبل صدور «متحف الأخطاء» بقليل، رغم أن الكتاب كان قد وصل بالفعل إلى دار الشروق، وكأن إدراكي لها جاء متأخرًا عن لحظة الكتابة نفسها، بخاصة أنني بعد نجاح «وراء الفردوس» ووصولها إلى القائمة القصيرة للبوكر وترجمتها إلى لغات أخرى، كان لدي إحساس بأن علاقتي بالقصة القصيرة ربما وصلت إلى نهايتها، وأنني سأتجه أكثر إلى الرواية، على الرغم من حبي لفن القصة القصيرة وهو فن شديد الذكاء، لا يعتمد فقط على الإيجاز، بل على إدراك اللحظة المناسبة للكتابة، وتحديد أين تبدأ الحكاية وأين تتوقف. هي فن قائم على الاختيار الدقيق لما يُقال وما يُستبعد، أكثر مما هو قائم على التوسع.

هذه العودة جعلتني أرى المسار كله بشكل مختلف: أربع مجموعات قصصية، ست روايات، أعمال في أدب الرحلة، وكتب أخرى ما زالت قيد الانتظار أو شبه جاهزة للنشر.

 

• تقولين إنك عشتِ «في الخيال وبه» وإن الكتابة «رفيقتك الأوفى».. كيف شكل هذا علاقتك بالعالم الحقيقي وبالكتابة نفسها؟

كما قلت سابقًا أنا لجأت إلى الخيال ليس كاختيار واعٍ، بل كامتداد طبيعي لتكويني الأول، منذ الطفولة كنت أستمع إلى حكايات فلكلورية وشعبية في بيئة ريفية صغيرة في دلتا النيل، حيث كانت الحكايات لا تفصل بوضوح بين الواقع والخيال، بل تسمح بامتزاجهما، وأنا نشأت وسط رواة مهرة داخل العائلة، وكان سماع الحكايات يفتح لي أفقًا لا يعترف بحدود ثابتة بين ما هو واقعي وما هو متخيَّل، ولم أكن أميز تمامًا أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال، بل كانا يتجاوران بشكل طبيعي.

وحتى قبل تعلم القراءة والكتابة، كنت أشارك بشكل ما في هذه الحكايات، أعدل فيها أو أضيف عليها، كما لو أنني أواصلها بطريقتي الخاصة، دون وعي بأن هذا يمكن أن يكون شكلًا من أشكال السرد.

ومع تعلم القراءة لاحقًا، اتسع هذا العالم أكثر، وأصبحت القراءة نفسها بوابة لاكتشاف العالم، بالتوازي مع خيالات شخصية وأحلام يقظة شكلت مبكرًا علاقتي باللغة، ولهذا اعتبر الكتابة هي الدائمة مع تغيرات الحياة، والملجأ الذي أعود إليه، فتصبح نوعًا من الرفقة والأمان والبيت في آن واحد.

• تصفين المسودات غير المكتملة بأنها «أشباح تطارد الكاتب» في أحلامه وكوابيسه.. كيف تتعاملين مع هذه النصوص التي تُترك في منتصف الطريق؟

أي كاتب لديه عدد كبير من "الأشباح"، أي النصوص غير المكتملة التي تبقى معلقة في منطقة بين الحياة والغياب. بعضها يمكن العودة إليه لاحقًا، كأنك تدخلين بيتًا مهجورًا تعرفين ملامحه رغم الغبار، فتقررين إما إكماله أو إعادة إحيائه من جديد. وهناك نصوص أخرى تشعرين أنها ليست في توقيتها المناسب، أو أنها لم تعد قادرة على الاستمرار الآن، فتترك جانبًا دون حسم. لكن رغم ذلك، تظل حاضرة بشكل ما، كوجود خفي يرافقك.

لذلك يمكن القول إن التعامل مع هذه النصوص يشبه التعامل مع الأشباح: بعضها يمكن مواجهته وإعادة فتحه، وبعضها يُترك في الظل، وبعضها يُختار تجاهله مؤقتًا، لكنها جميعًا تظل جزءًا من ذاكرة الكتابة نفسها، حتى لو لم تكتمل.

• في قصة «عيون المها» طُرح سؤال لماذا يتحول بعضنا مع الوقت إلى نسخة من أشخاص كنا نرفضهم أو لا نحبهم؟ برأيك كيف يحدث ذلك؟

هذا التحول يحدث غالبًا عبر ما يمكن تسميته بدورات الحياة وإعادة إنتاج الأدوار داخل المجتمع، ففي حالة نجلاء في «عيون المها»، مثلًا، نراها في البداية شخصية متمردة أو رافضة لنمط معين، لكنها مع الوقت، ومع ضغوط الواقع الاجتماعي وتكرار القوالب الجاهزة، تدخل تدريجيًا في أنماط سلوك جديدة تُعيد تشكيلها.

هذا التشكل لا يحدث دائمًا بالإكراه المباشر، بل أحيانًا عبر التكيف أو الاستسلام الهادئ أو حتى القبول غير الواعي بالدور المفروض، ومع مرور الزمن، يبدأ الإنسان في إعادة إنتاج ما كان يرفضه، سواء في موقع الأمومة أو الأبوة أو العلاقات الاجتماعية عمومًا.

لذلك نجد أن كثيرًا من التحولات ليست انقلابًا فجائيًا، بل تراكمات بطيئة تجعل الشخص، دون أن يشعر، أقرب إلى النموذج الذي كان يعترض عليه سابقًا، لأن الحياة نفسها تعيد تدوير الأدوار عبر الزمن.

• كتبتِ في رواية أخيلة الظل أن الكتابة هى "حرفة الحب المقصودة.. هل لازلت تؤمنين بهذا؟

الكتابة في جوهرها لا يمكن أن تقوم دون حب عميق لها، لأنها فعل يقوم على قدر من "التعري" الفكري؛ فحتى في الكتابة التخيلية، يكشف الكاتب عن طريق تفكيره وهواجسه وأسئلته، أي عن عقله وهو يعمل أمام القارئ. لذلك فهي تحتاج إلى محبة، ودرجة من الكرم الداخلي، وإيمان بأن ما يُكتب يمكن أن يحمل معنى أو أثرًا لقارئ ما.

وفي المقابل، هناك دائمًا أمل في هذا التبادل غير المباشر: أن يقرأ القارئ نصًا فيشعر بأنه اكتشف كاتبًا لم يكن يعرفه، أو أن يعيد اكتشاف ذاته من خلال ما يقرأه، كما أن الكاتب نفسه قد يقرأ نصًا آخر فيشعر بأنه أدرك شيئًا كان غائبًا عنه، فبهذا المعنى تصبح الكتابة شكلًا من “مهنة الحب”، قائمة على هذا اللقاء الخفي بين الكاتب والقارئ، في الفهم أو الإدراك أو الاكتشاف.

• «متاهة مريم» و«وراء الفردوس» و«جبل الزمرد» و«ضوء مهتز» ماذا أعطتك أو أخذت منك كل من هذه الأعمال؟

الكتابة جميعها تأخذ منكِ الوقت والاهتمام والقلق بدرجات مختلفة، لكن كل عمل يترك أثرًا مختلفًا بقدر ما يضيفه أو يسحبه من التجربة، ففي «متاهة مريم» مثلًا جاءت بعد فترة توقف وظروف شخصية صعبة، فكانت بمثابة عودة للكتابة بعد انقطاع، وفي الوقت نفسه فتحت بابًا جديدًا من القراءة والتلقي لم أكن أتوقعه؛ إذ وسّعت دائرة القراء بشكل مفاجئ، وعرّفتني على جمهور لم أكن أعرفه من قبل، وحققت حضورًا سريعًا على مستوى النشر والترجمة.

أما «وراء الفردوس» فكانت أكثر عمل أخذ وقتًا وجهدًا وقلقًا، لكنها في المقابل وسّعت اسمي وتجربتي بشكل أعمق على المستوى العربي، ووصلت إلى مسارات مختلفة من التقدير النقدي والترجمة، وهو ما منحها امتدادًا واسعًا خارج النص نفسه.

بشكل عام، كل عمل يأخذ من الكاتب جزءًا من وقته وطاقته وقلقه، لكنه في المقابل يمنحه شيئًا مختلفًا: أحيانًا حضورًا، وأحيانًا قراءة جديدة، وأحيانًا مسارًا لم يكن متوقعًا للكتابة نفسها.

• الرواية مكمل مهم للتاريخ» إلى أى مدى تتفقين مع تلك المقولة؟

يمكن أن تكون الرواية مكملًا للتاريخ، لكن ليس بشكل مطلق، بل حين تنحاز إلى ما غفله التاريخ المكتوب من الأعلى؛ أي حين تمنح صوتًا للمهمشين والمغيبين، لا للأصوات الرسمية أو النخبوية فقط.

فالتاريخ في الغالب يُكتب من موقع السلطة أو النخبة، بينما تأتي الرواية لتكشف ما لم يُر أو لم يُسمح له بأن يُقال، فتستحضر التجارب الفردية والقصص التي سقطت من السرد الرسمي، وتضع التهميش نفسه موضع مساءلة، وبهذا المعنى، لا تُكمل الرواية التاريخ من زاوية السلطة، لكنها تعيد ترميم الصورة الناقصة عبر منح صوت للضحايا والخاسرين والمسكوت عنهم، وكأنها تعيد بناء ما لم يكتبه التاريخ أصلًا.

• كتبت كحيلة للتعافي من وفاة والدك المفاجئ.. ثم كانت العودة للكتابة أثناء مرض والدتك كحيلة لطمأنتها.. إلى أي مدى نستطيع القول أن في الكتابة نجاة لمنصورة عز الدين؟

يمكن القول إن الكتابة لم تكن فقط وسيلة تعبير عندي، بل كانت في لحظات كثيرة شكلًا من أشكال النجاة أو التوازن النفسي أمام الفقد، ففي حالة وفاة والدي، كنت صغيرة جدًا، فكان التعامل مع الغياب أقرب إلى الخيال والأحلام، ومحاولة استعادته ذهنيًا أكثر من إدراك الفقد نفسه، أما مع مرض والدتي، فكانت الكتابة مرتبطة بمحاولة إدخال نوع من الطمأنة إليها، ومع الوقت اكتشفت أن العودة إلى النص لم تكن فقط من أجلها، بل أيضًا من أجلي أنا.

لكن مع ذلك، لا أراها "نجاة" بالمعنى المباشر أو الشعاري، بقدر ما هي مساحة للتعايش مع الفقد، وإعادة ترتيب العالم داخليًا عبر الكتابة، بحيث يصبح الألم جزءًا من التجربة لا شيء خارجها.

• للكاتب الأرجنتيني بورخيس مقولة «لطالما تخيلت الجنة على شكل مكتبة.. ما أهم ما يميز جنة منصورة عز الدين؟

يمكن القول إن "الجنة" بالنسبة لي ليست مكتبة بالمعنى المادي فقط، بقدر ما هي فضاء يسمح للمخيلة أن تعمل بلا حدود، وأن تظل في حالة اتساع دائم، ولكن بالحديث عن المكتبة كجنة فنجد أهم ما يميزها: نصوص الجاحظ، والتوحيدي، و«لسان العرب»، و«ألف ليلة وليلة» وغيرها، لكن ما هو أهم من قائمة الكتب نفسها هو الحالة التي تخلقها هذه الكتب: حالة من التحفيز المستمر للخيال، وإبقاء العقل في وضع الاكتشاف والدهشة.

فالجنة في تصوري لا تكتمل بالقراءة وحدها، بل بالكتابة أيضًا، وبالقدرة على تخيل عوالم جديدة باستمرار، فهي ليست مكانًا مغلقًا على نصوص بعينها، بل فضاءً مفتوحًا تتجاور فيه القراءة مع الحلم والاختراع، حيث لا تنتهي المخيلة ولا تتوقف.

• على طريقة الأعمال المنقحة.. هل فكرت بعد كل هذه السنوات إعادة الاشتغال على أحد مؤلفاتك السابقة؟

أميل إلى النظر إلى النص المنشور باعتباره أصبح جزءًا من تاريخه الخاص، مرتبطًا بلحظة كتابته وظروفها، وبالتالي له وجود مستقل لا يُعاد تشكيله بالكامل، في المقابل، قد تبقى هناك أفكار أو عوالم قصصية تشعرين بأنها لم تُستنفد بعد، وهنا يمكن أن تتحول إلى عمل جديد تمامًا أو تتوسع في اتجاه آخر، مثل رواية مستلهمة من بذرة قصة سابقة، لكن بشكل عام، تركيزي يكون على ما هو قادم من الكتابة أكثر من إعادة تدوير ما تم إنجازه، ما لم تكن هناك ضرورة واضحة ومعلنة لإعادة الكتابة من البداية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك