تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان التشكيلي حلمي التوني، صاحب التجربة الفنية الفريدة التي استطاعت أن تحجز لنفسها موقعًا مميزًا في الوجدان البصري المصري والعربي، برؤية تجاوزت حدود الشكل وأسست لمعنى ثقافي وإنساني عميق وممتد؛ إذ لم تكن تجربته يومًا حبيسة إطار اللوحة وجدران المعارض الفنية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة بكل ما تحمله من رموز ووجوه وإيقاعات، وصاغت عالمًا بصريًا متفرّدًا لا يشبه غيره.
آمن التوني خلال مسيرته الممتدة بأن الجمال ليس ترفًا بصريًا، بل ضرورة وجودية، وأن الفن الحقيقي هو ما يظل قادرًا على ملامسة الإنسان وإدهاشه، وإعادة تشكيل علاقته بالعالم من حوله. لذلك جاءت أعماله مشبعة بالبهجة، تنبض بإيقاع قريب من «المواويل»، حيث تمتزج الأصالة والبساطة بالعمق، وتتحول التفاصيل اليومية إلى نغمات بصرية تحمل روحًا شعبية وإنسانية دافئة، قادرة على الوصول إلى المتلقي دون وسائط أو تعقيد.
في التقرير التالي، ترصد «الشروق» أبرز محطات وملامح التجربة الفنية لـ حلمي التوني، التي شكلت عبر مسيرته الممتدة قراءة بصرية خاصة للواقع والذاكرة والثقافة المصرية، وقدّمت حضورًا فنيًا متفرّدًا يجمع بين الرؤية والرمز والهوية.

وُلد «التوني» في محافظة بني سويف عام 1934، في بيئة مشبعة بالتفاصيل الشعبية والبصرية، وهو ما انعكس مبكرًا على وعيه الفني، حيث تشرب منذ نعومة أظفاره حب الفن وتذوق الجمال، ليصبح هذا الشغف لاحقًا حجر الأساس لمسيرته الممتدة.
_ روح معاصرة قادرة على مخاطبة أجيال مختلفة
شكلت دراسة التوني للديكور المسرحي في كلية الفنون الجميلة نقطة تحول محورية، إذ لم تكن مجرد دراسة أكاديمية بقدر ما كانت مدخلًا لفهم أعمق للعلاقة بين الشكل والمضمون، وبين الفراغ والتكوين، وهو ما منحه قدرة خاصة على بناء صورة متكاملة العناصر، ومن هذا المنطلق، استطاع أن يمزج بين فنون الزخرفة والتصميم والتصوير الزيتي، في صياغة لغة بصرية مميزة، تحمل ملامح التراث الشعبي، لكنها تقدم بروح معاصرة قادرة على مخاطبة أجيال مختلفة.

_ الرسالة يجب أن تصل إلى الناس ببساطة وصدق
ما يميز تجربة «التوني» ليس فقط تنوع وسائطها، بل ذلك الخيط الواضح الذي يربط بينها جميعًا: إيمان عميق بأن لكل عمل فني رسالة، وأن هذه الرسالة يجب أن تصل إلى الناس ببساطة وصدق، سواء كان يعمل على لوحة تشكيلية، أو غلاف كتاب، أو مشروع بصري موجه للأطفال، يظل هاجسه الأساسي هو كيف يمكن للفن أن يكون قريبًا من المتلقي، حاضرًا في حياته اليومية، وقادرًا على التأثير فيه دون تعقيد أو عزلة.
في هذا السياق يتضح تعامل «التوني» مع أغلفة الكتب بوصفها مساحة تعبير مكتملة، لا تقل أهمية عن النص نفسه، بل قد تكون بوابة الدخول إليه. فالغلاف بالنسبة له ليس مجرد عنصر جمالي، وإنما وسيلة لنقل فكرة، أو إثارة سؤال، أو خلق حالة بصرية تترك أثرًا لدى القارئ، ومن هنا تنبع قناعته بأن غلاف الكتاب يمكن أن يؤدي دورًا تثقيفيًا، خاصة في ظل حقيقة أن كثيرين قد لا يذهبون إلى المتاحف، بينما يمرون يوميًا على عشرات الكتب، في المكتبات أو المعارض أو حتى عبر الشاشات.
ويمتد هذا الإيمان إلى أعماله في كتب الأطفال، حيث راهن على الصورة كمدخل أول لعلاقة الطفل بالفن، فيصمم عوالم بصرية ثرية تشد الانتباه وتغذي الخيال في الوقت نفسه. وتشير التقديرات إلى أنه صمّم ما يزيد على ثلاثة آلاف غلاف كتاب، لكل منها بصمته الخاصة، في تأكيد مستمر على قدرته على التنويع دون فقدان هويته، وعلى تحويل كل وسيط فني مهما بدا بسيطًا إلى مساحة تحمل رسالة واضحة، تعكس رؤيته لدور الفن بوصفه جزءًا حيًا من حياة الناس.

_مواويل حلمي التوني
لا تبدو اللوحة في تجربة حلمي التوني مجرد مساحة للتشكيل، بل أقرب إلى فضاء سمعي تتحول فيه الألوان إلى إيقاعات، والصورة إلى نغمات. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في معرضه «مواويل»، حيث حملت لوحاته روحًا غنائية خاصة. وكان التوني يصف نفسه بأنه «مغنى بالفرشاة والألوان»، في تعبير دال على تصوره للفن كحالة اندماج بين البصري والموسيقي، تتلاشى فيها الحدود الفاصلة بين الحواس.

_بين النص والصورة
أعطى حلمي التوني للشعر العربي أولوية خاصة في أعماله حيث تجلى اهتمامه هذا في اختياراته الدقيقة للنصوص التي كان يضمنها عناوين أعماله أو ينسجها داخل اللوحة ذاتها، حيث لا تحضر الكلمات بوصفها عنصرًا زخرفيًا عابرًا، بل كجزء أصيل من نسيج اللوحة وبنيته التعبيرية، فكان كان يتعامل مع البيت الشعري كما يتعامل مع اللون والخط، يمنحه وزنًا بصريًا وإيقاعيًا يوازي حضوره اللغوي، فتتحول الحروف إلى عناصر تشكيلية نابضة بالحياة، تحمل في طياتها دلالات ثقافية ووجدانية عميقة.
ومن خلال هذا التداخل، تنشأ علاقة حوارية بين النص والصورة، حيث يفتح كل منهما أفقًا لتأويل الآخر، وتغدو اللوحة مساحة تتجاور فيها الفنون لا في توازٍ منفصل، بل في اندماج حي يثري التجربة ويضاعف أثرها.

_«الكتب.. وجهات نظر»
في واحدة من المحطات البارزة في مسيرة حلمي التوني، يتجلى مشروع مجلة «الكتب.. وجهات نظر» الصادرة عن دار الشروق بوصفه تجربة فارقة جمعت بين الفن التشكيلي والرؤية الصحفية، وأسست لمساحة ثقافية وبصرية متكاملة تعكس فهمه للفن كأداة تفكير وإنتاج للمعنى.
وقد كشف التوني في حديث سابق مع «الشروق» أن فكرة المجلة بدأت كحلم شخصي سعى من خلاله إلى الجمع بين الإبداع والوظيفة الإعلامية، موضحًا: «بذلت فيها مجهودًا كبيرًا في البداية منذ مرحلة التخيل والإنشاء، وكنت أصممها وكأنني أتوج بها مسيرتي»، في إشارة إلى حجم الرهان الذي وضعه في هذا المشروع منذ لحظاته الأولى. وأضاف أن التجربة لم تكن مجرد إصدار ثقافي، بل محاولة لصياغة رؤية بصرية وفكرية متكاملة تعكس شخصيته كفنان ومخرج صحفي في آن واحد.
وفي سياق التحضير لإطلاق المجلة، أشار التوني إلى أنه عمل مع المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة الشروق، حيث طُرحت أمامه نماذج عالمية لمجلات أدبية وفكرية مثل «London Review of Books» و«New York Review of Books»، لكنه فضل عدم الاكتفاء بها أو محاكاتها، انطلاقًا من قناعته بأن هناك إمكانية لتقديم نموذج مختلف يعبر عن الذات الثقافية المصرية، وقال في هذا السياق: «أنا إنسان لديه اعتزاز طوال عمره بفكرة أننا لدينا ما نقدمه للعالم ونساهم به في الثقافة العالمية».
وانطلق بعدها في تصميم تصور متكامل للمجلة، مستفيدًا من خبرته الطويلة كفنان تشكيلي ومخرج صحفي، ومتأثرًا في الوقت نفسه بمدارس صحفية مصرية رائدة ويكشف هذا المشروع عن رؤية تعتبر أن الفن ليس مجرد ممارسة جمالية، بل بناء معرفي وثقافي قادر على تقديم خطاب مستقل يوازن بين الصورة والفكرة في إطار واحد.


_إعلاء قيمة البهجة في الفن
قامت فلسفة حلمي التوني على إعلاء قيمة البهجة في الفن ورفض تحويله إلى مساحة للكآبة أو العبوس، إذ كان يرى أن اللوحة امتداد للغة الحياة نفسها، وما دامت الحياة قادرة على التعبير بالجمال، فإن الفن لا ينبغي أن ينفصل عن هذا الإحساس. ومن هذا المنطلق قدم رؤيته التي تلخص موقفه من طبيعة العمل الفني وعلاقته بالمتلقي.
وعن ذلك قال التوني في تصريحات خاصة لـ"الشروق": «أنا بتكلم عربي ولوحاتي بتتكلم عربي، وكما أن فني يتكلم عربي، فأنا أكره فكرة أن يكون الفن متجهّمًا أو عابسًا، فطالما كانت أعمالي مبتسمة وتحمل السرور. للأسف الشديد قد يكون المجتمع حزينًا وغاضبًا، مما ينتج عنه بعض الفن القبيح، وهذا ما لا أنتهجه في فني». ويضيف أنه يلاحظ في بعض الأعمال الفنية المعاصرة ميلًا إلى القبح أو الغضب، مرجعًا ذلك إلى أسباب نفسية أو ما يُسمى بادعاء الثقافة، معتبرًا أن الصورة النمطية للفنان الغاضب أو المعذب ليست قاعدة حقيقية أو ضرورية للإبداع.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، بني التوني عالمه التشكيلي على عناصر البهجة والخيال، حيث تتجاور الزخارف المستمدة من التراث الشعبي مع حضور أنثوي مشحون بالجمال، في فضاء بصري يتكئ على التفاؤل والسردية البصرية. وتتحول لوحاته إلى مشاهد رمزية تتنقل بين موضوعات مستوحاة من الذاكرة المصرية مثل «التخت الشرقي»، و«النيل»، و«السمكة»، و«البلح والقمح»، و«سحر الأبيض والأسود»، و«أغاني الحب»، لتشكّل في مجموعها عالمًا فنيًا قائمًا على الاحتفاء بالحياة لا مساءلتها من زاوية القسوة.

_ الفن كمساحة للانحياز الواعي
وتتبلور فلسفة التوني بوصفها رؤية ترى أن الفنان لا يعمل في فراغ، بل هو جزء من نسيج اجتماعي وثقافي حي، لا يمكن فصله عن محيطه أو إعفاؤه من التفاعل معه، ومن ثم، لا تُقرأ أعماله بوصفها إنتاجًا بصريًا خالصًا، بقدر ما تُفهم باعتبارها امتدادًا لموقف فكري وإنساني يرى أن الشهرة والمكانة الفنية تحملان قدرًا من المسؤولية تجاه المجتمع، وأن الفنان، حين يمتلك أدوات التأثير، يصبح مطالبًا بأن يضعها في سياقها الأخلاقي والإنساني. وبهذا المعنى، يتحول الفن لديه إلى مساحة للانحياز الواعي، حيث تتقاطع القيمة الجمالية مع الموقف، ويصبح العمل الفني حاملًا لرؤية تتجاوز الشكل إلى المعنى.
ويعبر حلمي التوني عن مواقفه بالكثير من الفن في مواجهة العنف والحروب وما تخلفه من قسوة إنسانية، دون أن يلجأ إلى المباشرة، إذ يفضل أن يترك لأعماله قدرتها على التعبير بطريقتها الخاصة، عبر لغة بصرية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بالدلالات، فالتوني لا يتعامل مع الفن بوصفه أداة للزينة أو التوثيق، بل كوسيط حي يحمل رؤية، ويعكس موقفًا، ويطرح أسئلة تتجاوز اللحظة إلى ما هو أعمق وأكثر امتدادًا.
