- النساء في العصور القديمة كان لهن حضور في عالم الكتب والفِكر أكبر بكثير مما كنتُ أتصور
- أكتب حاليًا كتابًا عن رعاية المرضى وهو نابع من تجربة شخصية لي حيث وُلد ابني بمشاكل صحية خطيرة واضطررتُ لتكريس سنوات عديدة من حياتي لرعايته
- دُمّرت العديد من الكتب والمكتبات والمتاحف على مرّ القرون.. وكان ذلك محاولة لطمس ذاكرة وإرث الشعوب
- التاريخ سبيل لفهم الحاضر بشكل أفضل.. ويجعلنا نعرف من أين أتينا ومن نحن
تظل الكتب شاهدة على قدرة الإنسان على البقاء والتذكر، في عالم تتغير فيه أشكال المعرفة بسرعة. وتعد الكاتبة الإسبانية إيريني باييخو من الأصوات الأدبية التي أعادت الاعتبار لتاريخ الكتاب وسحره، إذ نجحت في تحويل رحلة الورق والحبر إلى حكاية إنسانية آسرة، وحقق كتابها الأبرز «اختراع الكتب.. اللامتناهي في بردية»، نجاحا عالميا كبيرا، حيث تُرجم إلى أكثر من 40 لغة، منها اللغة العربية وصدر عن دار الآداب بترجمة مارك جمال.
التقينا بـ«باييخو»، خلال زيارتها الأولى لمصر، لنقترب من عوالمها وتكشف عن رؤيتها لمستقبل الكتاب في عالم رقمي سريع، وتشاركنا جانبًا من تجربتها الشخصية التي انعكست في مشاريعها الجديدة.
وإلى نص الحوار:
• كتابك "اختراع الكتب.. اللامتناهي في بردية" يتتبع تاريخ الكتاب وتطوره عبر العصور، ما الذي أردتِ إنقاذه أو تذكيرنا به من خلال هذا العمل؟
- عندما بدأتُ في كتابة "اللامتناهي في بردية"، أردتُ أن أروي قصة الكتب كمغامرة، لأنني أعتقد أننا اليوم نسينا كل الصراعات والجهود والمحاولات والمساعي التي كانت ضرورية لخلق الكتب والكتابة والمكتبات. اليوم، يبدو كل شيء مألوفًا لنا؛ لقد اعتدنا عليه ونسينا مدى صعوبة بناء عالم الكلمات.
أردتُ استعادة دور العديد من الأشخاص المجهولين -المعلمين، وأمناء المكتبات، والمترجمين، والناسخين، والقراء- على مدى آلاف السنين، وكيف صنعوا هذه الملحمة الصامتة لحفظ أفضل أفكارنا وأفضل قصصنا.

• ما الذي أدهشكِ شخصيًا أثناء رحلة البحث في تاريخ الكتب؟
- كان دور المرأة في التاريخ الفكري جانبًا بالغ الأهمية بالنسبة لي في هذا البحث، حيث إنني درستُ التاريخ القديم، ولم أجد إلا القليل من الإشارات إلى الشخصيات النسائية، لذا بدأتُ البحث في المصادر والوثائق والآثار لأرى أين برزت النساء، ووجدتُ، لدهشتي، أن حضورهن كان أكبر بكثير مما كنتُ أتوقع.
اكتشفتُ خلال رحلة بحثي أن النساء في العصور القديمة كان لهن حضور في عالم الكتب والفِكر أكبر بكثير مما كنتُ أتصور. فعلى سبيل المثال، كنا نسمع دائمًا عن الكُتّاب وكأنهم رجال فقط، ولكن كان هناك أيضًا كاتبات. في مصر القديمة، كانت هناك نساء حكيمات للغاية، كان هناك كاتبات وطبيبات وموظفات، ومنهن، على سبيل المثال، الملكة كليوباترا الشهيرة، التي كانت تجيد لغات عديدة، وكان لديها استراتيجية سياسية بارعة.
• الآن، في ظل ما نشهده من حروب وصراعات -خاصة في منطقة الشرق الأوسط- وتدمير الآلاف من الكتب والمباني التراثية والتاريخية، ما رأيك بما يحدث اليوم؟ وماذا تتوقعين بشأن مستقبل الكتب في عصر ما بعد الحرب؟
- على مرّ القرون، دُمّرت العديد من الكتب والمكتبات والمتاحف، وكان ذلك بمثابة محاولة لطمس ذاكرة وإرث شعوب أخرى. ومن المحزن للغاية أننا نتحدث في هذه الأوقات عن تدمير شعوب بأكملها، وجودها المادي وثقافتها أيضا. لذا، أعتقد أنه يجب علينا، من خلال الكلمات، أن نحفظ شهادة ما يحدث وتقديم الحقائق. علينا رفض هذه المحاولات التدميرية ومعارضتها أيضا. الأهم دائما هو الناس وأرواحهم، لكنني أؤمن بأن الثقافة والذاكرة جزء لا يتجزأ من هذا البقاء، لأن القصص هي التي تُضفي معنى على التجربة، تجربتنا كبشر.
عندما نحمي الكتب، نسعى لحفظ تلك الذاكرة، ونسعى أيضا للدفاع عن كرامة الحياة البشرية، جميع الأرواح البشرية. لذا، نسعى لرفع مستوى الوعي وتوثيق ما حدث سواء للناس أو الثقافة أو الكتب أيضا، لتجنب الروايات المُنمقة والمزيفة لما حدث، ولتجنب طمس الحقائق المُرّة لما يحدث الآن.
• هل تعتقدين أن القراءة يمكن أن تغيّر مصير الأفراد أو المجتمعات؟
- أعتقد أن الكتب لا تجعلنا بالضرورة أشخاصًا أفضل. في الواقع، كان هناك حُكام دكتاتوريون، ومع ذلك كانوا قرّاء نهمين، ارتكبوا فظائعَ عظيمة، مثل أدولف هتلر وجوزيف ستالين على سبيل المثال. لكنني أؤمن بأن للكتب تأثيرًا على قرائها وعلى مشاعرهم. وبقدر ما تُغيّر الكُتب، الأشخاص، فإنها قادرة أيضًا على تغيير الأحداث والتاريخ. وبعض الأفكار التي فشلت في اكتساب زخم في عصرها، بفضل الكُتب، نجت وبقيت حية وكان لها تأثيرات عميقة بعد قرون، مما أدى إلى تحولات كبيرة.
• ما الفرق بين كاتب يكتب للتأثير وآخر يكتب للحفاظ على الذاكرة؟
- أعتقد أننا جميعًا ككُتاب، في أعماقنا، نرغب في التأثير، أو على الأقل أن نشعر بأننا نساهم في بناء المجتمعات. بالنسبة لي، التاريخ هو دراسة وسبيل لفهم الحاضر بشكل أفضل، يجعلنا نعرف من أين أتينا ومن نحن، وبهذه الطريقة نفهم كل ما حدث أو يحدث. إنه يساعدنا على بناء مدن المستقبل الفاضلة.
المعرفة تترك دائمًا بصمة علينا وتغير منظورنا للأشياء. وفوق كل ذلك، فهي تُمكّننا من فهم الآخرين الذين يُصوَّرون لنا أحيانًا كأعداء أو كأشخاص مختلفين تمامًا. ومن خلال الكتب، ندرك أن لديهم نفس مشاعرنا: المخاوف، والحب، والشغف، والحزن، وأهداف الحياة.
• كيف تحافظين على التوازن بين البحث الأكاديمي والسرد الأدبي في كتاباتك؟
- لطالما حاولتُ إبقاء كتاب "اختراع الكتب.. اللامتناهي في بردية" على الحد الفاصل بين البحث وجمع البيانات والسرد كرواية جماعية عظيمة. أحاول أن أكتب تاريخًا يُقرأ بمتعة الرواية. عندما لا تتوفر حقائق أو وثائق، أُشير في الكتاب إلى أنني سأتخيل كيف كانت الأمور. لذا، أحاول سدّ الثغرات.
هناك فيلسوفة إسبانية تُدعى "ماريا ثامبرانو"، ابتكرت مفهومًا أُحبه كثيرًا، وهو "العقل الشعري"، فكرة أن العواطف والعقل ليسا منفصلين، بل يعملان معًا، وأن الشعر قادر أيضًا على تجسيد بعض الحقائق، والقارئ يستطيع استيعاب حقائق قد تغفلها الأبحاث الأكاديمية أحيانًا.
• هل هناك فكرة تخشين الكتابة عنها؟ ولماذا؟
- في الحقيقة، كتابة كتاب أمر مُخيف دائمًا مهما كانت فكرته، ولو لم أشعر بالخوف أثناء الكتابة، يجب أن أقلق. الكتابة دائمًا ما تتضمن استكشافًا للعواطف وتجارب شخصية للغاية، وهي أيضًا وسيلة للتواصل مع الهواجس والجراح والأحاسيس؛ لذلك يكون الكاتب حريصًا على إخراج عمله في أحسن صورة وأن ينقل للقارئ ما يشعر به.
• هل هناك مشروع كتاب جديد تعملين عليه في الفترة الحالية؟
- أكتب حاليًا كتاب "هواجس" عن رعاية المرضى وهو نابع من تجربة شخصية لي، حيث وُلد ابني بمشاكل صحية خطيرة، واضطررتُ لتكريس سنوات عديدة من حياتي لرعايته. ظننتُ أن ذلك سيقضي على حلمي بأن أصبح كاتبة، لكنني أدركتُ وجود العديد من الصعوبات المحيطة برعاية المرضى، سواء كانت رعاية أحد أفراد الأسرة، والوالدين، والأطفال المرضى، ومدى التقليل من شأنها في بعض الأحيان، لذلك أردتُ الحديث عنها وتسليط الضوء عليها.
على سبيل المثال، كم من النساء يهاجرن لرعاية كبار السن أو الأطفال في بلدان أخرى، تاركاتٍ عائلاتهن وراءهن! أعتقد أننا بحاجة إلى التحدث عن هذا الأمر وعن هذه الحيوات، لأنها أساس استمرار العالم، والنساء هنّ من يقمن بذلك بانتظام.
• في عصر السرعة والمحتوى الرقمي، هل ما زال للكتاب الورقي نفس القوة؟
- في الواقع، لطالما اقتصرت قراءة الكتب على فئة قليلة من الناس عبر التاريخ. في البداية، كان الملوك والكهنة هم من يملكون القدرة على اقتناء المكتبات، وكان امتلاك الكتب رمزًا على المكانة والسلطة. ومع ازدياد سهولة الوصول إلى الكتب، قد يتبادر إلى أذهاننا أنها تفقد بريقها وتأثيرها، لكنني أعتقد أن من الأفضل أن يتمكن الكثيرون من الوصول إلى الكتب. أجد من الرائع أن نرى هذا العدد الكبير من الأشخاص يتعرفون على الكتب في أماكن مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب مثلا، حيث أتابع توافد أعداد كبيرة من القراء عليه واهتمامهم بالكتب والقراءة.
