وصلت رواية «الليالى هادئة فى طهران» للكاتبة الألمانية ذات الأصول الإيرانية شيدا بازيار، بترجمة روث مارتن إلى الإنجليزية، إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية لعام 2026، وهى عمل روائى متعدد الأصوات السردية يمتد عبر أربعة عقود، من عام 1979 حتى 2009، ويتتبع مصير عائلة إيرانية بين الثورة والمنفى والعودة والتحولات السياسية والاجتماعية.
وتدور الرواية عبر أربع مراحل زمنية متعاقبة تكشف تحولات هذه العائلة؛ ففى عام 1979، يظهر «بهزاد»، الشاب الشيوعى الثورى، الذى يشارك أصدقاءه فى النضال من أجل نظام جديد بعد سقوط الشاه الإيرانى، ويعيش لحظة ولادة الأمل الثورى، وفى الوقت نفسه يقع فى حب «نهيد»، المرأة الجريئة والذكية. وبعد زواجهما فى عام 1989، تنتقل «نهيد» إلى غرب ألمانيا مع «بهزاد» وأطفالهما، حيث يعيشون فى حالة انتظار وقلق دائم، متابعين الأخبار عبر الراديو عن أولئك الذين اختفوا بعد وصول الحكم الدينى فى إيران. ثم فى عام 1999 تعود الابنة «لاله» مع والدتها «نهيد» إلى طهران، فتواجه مدينة لا تشبه ذكرياتها القديمة، بين طقوس الجمال والأسرار العائلية، حيث تتبدل صورة الوطن فى الذاكرة. وفى عام 2009 ينشغل الابن «مو» بحياة شخصية فى ألمانيا بعيدًا عن السياسة، قبل أن تعيد حركة الاحتجاج (الثورة الخضراء) فى إيران فتح الأسئلة الكبرى حول مفاهيم السياسة والانتماء والعودة إلى الوطن.
ووُلدت الكاتبة شيدا بازيار عام 1988، ودرست الكتابة فى مدينة هيلدسهايم شمال ألمانيا، وعملت لسنوات عدة فى مجال التربية الشبابية، وهى مؤلفة روايتين: «الليالى هادئة فى طهران» و «أخوات فى السلاح»، وقد حصدت روايتها الأولى عدة جوائز أدبية منها جائزة المدونات الأدبية، كما فازت بعدد من الجوائز الأدبية الألمانية، من بينها جائزة «أولا هان» المخصصة لدعم الكتّاب الشباب، وجائزة «أوفه جونسون» التى تُمنح للأعمال المنخرطة فى قضايا التاريخ والتحولات السياسية. كما تُرجمت إلى الهولندية والفارسية والفرنسية والتركية. أما الترجمة الإنجليزية التى قامت بها روث مارتن فقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر الدولية 2026.
وقد وصفت لجنة جائزة البوكر الدولية الرواية بأنها «”عمل تنبض صفحاته بعلاقات التضامن والخيانة، وبمشاعر الألم والفكاهة فى آن واحد»، مؤكدة أنها تقدم تجربة إنسانية عميقة لكل من يعيش المنفى أو الهجرة أو يحمل فى داخله روح الثائر الدائم. كما أشارت اللجنة إلى أن الرواية، من خلال تتبعها لدورات المنفى والعودة عبر أربعة عقود، تكشف ما يعنيه أن يعيش الإنسان فى حالة أمل دائم، بين وطن مفقود ووطن يُعاد تشكيله باستمرار.
وأضافت اللجنة أيضًا أن الرواية تطرح سؤالًا مركزيًا؛ ألا وهو: ماذا حدث بعد الثورة الإيرانية فعلًا؟ موضحة أن المؤلفة تأخذ القارئ عبر حياة عائلة إيرانية يعيش أفرادها بين المنفى فى ألمانيا ومحاولات العودة إلى إيران، حيث تختلف مصائر الأجيال بين من يشتاق للوطن، ومن يبدأ حياة جديدة، ومن يجد العودة مؤلمة أو مستحيلة.
أما النقاد، فقد أشارت الناقدة الأسترالية رودهه كوان فى صحيفة «ذا ساترداى بيبر» إلى أن الترجمة الإنجليزية لروث مارتن تكشف حساسية عالية تجاه الألم المستمر المرتبط بالحنين إلى الوطن، ووصفت الرواية بأنها استكشاف هادئ ومؤلم فى آن واحد لصدمة فقدان الوطن تحت الحكم القمعى، كما أكدت أن العمل يظهر كيف يستمر الأمل والروح الثورية رغم القمع، وكيف لا يمكن القضاء على الشجاعة بشكل كامل، مشيرة إلى أن اللغة تتسم بنبرة شاعرية رقيقة تعكس عمق التجربة الإنسانية.
وتعتمد الرواية فى بنيتها على التعدد الصوتى، حيث لا تُروى من منظور واحد، بل من خلال أجيال مختلفة داخل العائلة، ما يمنحها طابعًا فسيفسائيًا يعكس تداخل التجربة الفردية بالتاريخ السياسى، كما تطرح أسئلة عن الهوية والانتماء والذاكرة، وعن العلاقة بين الوطن والمنفى، وبين ما يُروى وما يُصمت عنه داخل العائلة.
وفى النهاية، فقد قدمت «الليالى هادئة فى طهران» رؤية أدبية ممتدة عبر الزمن حول الثورة وما بعدها، وحول حياة الإنسان بين فقدان المكان وإعادة اكتشافه، لتصبح الرواية شهادة على استمرار الأمل رغم الانكسار، وعلى قدرة الأدب على التقاط التجربة الإنسانية فى لحظاتها الأكثر هشاشة وتعقيدًا.