الكتابة عن الشخصيات الاستثنائية مأزقٌ خطير. يخشى المرء ألّا يوفيهم حقهم، وأن تتضاءل الكلمات فلا تعبّر عن حق قدرهم، لاسيما أولئك الذين التزموا محرابَ العلم، ولم يخرجوا إلى المجال السياسي أو الإعلامي، طوعًا أو كرهًا، فوهبوا أعمارهم بوعي كامل للبحث والدراسة ونقل الخبرات، عبر كتابات رصينة ومشتبكة مع الجوانب النظرية والواقع العملي سواء بسواء. وهذه النماذج على قلتها وخفوت صوتها يبقى أثرها عميقًا وتنويرها متدفقًا.
ومنذ أسبوعين فقد الوسط القانوني المصري واحدًا من رموز الفقه والتعليم والمحاماة في المجال الجنائي، أستاذنا الدكتور عوض محمد عوض، أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، عن عمر يناهز 97 عامًا، والذي كان من حُسن الطالع أن استمر عطاؤه غزيرًا حتى جاء أمر الله، بأيادٍ بيضاء وأفكار جريئة نشرها بين تلاميذه داخل مصر وخارجها لأكثر من نصف قرن.
كان الدكتور عوض الفقيه القانوني الجنائي، بألف ولام التعريف. بكل ما تجمعه كلمة "الفقيه" من معانٍ وما يجب أن تستوفيه من معايير. وامتاز عن كثير من أعمدة القانون الجنائي بـ"صوت" لا تخطئ سماعه وأنت تتدبّر كتاباته. نبرة خاصة، متميزة وحيوية، محفزة على التدبّر وإعمال العقل في أدق التفاصيل وتحث على التفاعل مع النصوص التشريعية والتطبيقات القضائية والاشتباك معها، منطلقًأ من إحاطة نادرة بمختلف مسائل التجريم والعقاب والإجراءات، من الجذور إلى الفروع وحتى الثمار، الطيب منها والخبيث.
سمعت عن الدكتور عوض لأول مرة من أستاذنا الفقيه الراحل المستشار طارق البشري، زميل دُفعة دراسته في كلية الحقوق بجامعة القاهرة التي ضمت العشرات من رموز القضاء والمحاماة. كان يمتدحه بابتسامة لا أنساها لتفوقه طالبًا ثم أكاديميًا ثم مؤلّفًا ألمعيًا في القانون الجنائي والشريعة، يختار موضوعاته بعناية ويمعن فحصها ومراجعتها كي يضمن جدّتها وشمولها.
وكالعادة خرجت من إحدى جلساتي الممتدة مع المستشار البشري باحثًأ عن مصادر للاستزادة، فاشتريت اثنين من كتب الدكتور عوض، وكان التعارف المبدئي من خلال كتاباته الفقهية في "التفتيش في ضوء أحكام النقض" و"الجرائم المضرة بالمصلحة العامة".
ثم أسعدتني الظروف بالتعرف إليه شخصيًا عبر علاقتي بصهره الراحل الحبيب المستشار حاتم بجاتو، نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، فاستمتعت وتعلّمت، ومازلت أذكر وقع كلماته عندما أخبرني بأنه يتابع ما أكتب في "الشروق" وعبر صفحتي الشخصية على "فيسبوك" عن شئون التشريع والقضاء، ومنذ ذلك الحين كنت أتصل به للاستئناس برأيه في بعض القضايا والتطورات فأجده في أعلى درجات المتابعة والإلمام، فضلًا عن قوة الحجة.
كان الدكتور عوض يعيش القانون ويتنفّسه، وفي عقده الأخير أبدع مؤلّفًا أظنه الأهم في مجال الفقه القانوني الجنائي بمصر بعد 2011 وهو "تعليقات على أحكام القضاء" الذي أصدرت دار الشروق الجزأين الأول والثاني منه، وصدر الجزء الثالث العام الماضي عن دار الأهرام، ويشمل دراسة نقدية لستة وأربعين من أحكام محكمة النقض على مر تاريخها.
وخلال الإعداد لنشر الجزء الأول أبدى البعض تخوفًا من عنوانه وموضوعه غير المألوفين، حيث تزامن نشره عام 2017 مع انتشار عبارة "لا تعليق على أحكام القضاء" التي استُخدمت طويلًا لمنع النقاش وتحصين ما يصدر عن المحاكم من النقد حتى وإن كان فنيًا وبعيدًا عن الجوانب السياسية.
لكني كنت سعيدًا بالعنوان لأنه يسعى إلى خرق تلك الأسطورة، ويرفع مستوى التناول ويعلّم المنشغلين بهذا المجال أدبَ الخلاف وقبول الرأي الآخر. فليس صحيحًا أن "الآباء لا يخطئون" على حد تعبيره.
واكتظت الأجزاء الثلاثة بالشروح والمعارضات، ورسائل في الصميم إلى السلطة التشريعية والقضاة، للتحذير من مغبة بعض التعديلات التشريعية على حقوق المواطنين وقدرة المحاكم على تحقيق الدعاوى والمبادئ المستقرة في العدالة الإجرائية، خاصة القانون رقم 11 لسنة 2017 الذي تضمن تعديلات واسعة على قانوني الإجراءات الجنائية والطعن بالنقض، منبّهًا إلى خطورة "تقييد الشفوية بالدفاع والشهادة، وأن تحكم المحكمة من واقع أوراق التحقيق الذي أجرته سلطة الاتهام فقط" مشددًا على أن شفوية المحاكمة ومثول المتهم أمام قاضيه في جميع المراحل، وأن يسمعه القاضي ويشاهده بنفسه "مبادئ لم تشرّع فقط لمصلحة المتهم بل شرّعت لمصالح أخرى لا تقل عنها أهمية".
قبل رحيله بساعات، حاولت التواصل مع الدكتور عوض لأعرف رأيه في المادة 22 للتصالح في جرائم الدم العمدية بقانون الإجراءات الجنائية وفي تطبيق محكمة النقض المبكر لتلك المادة. أقلقني الصمت، ثم كان القدَر أسبق.
رحمه الله وجزاه خيرًا عن تلاميذه، وألهم أسرته وأحباءه الصبر.