ما زال العقل العربى أسيرًا للماضى ونظريات التبعية الإسرائيلية المطلقة للولايات المتحدة، ولا يستوعب طبيعة التغير الذى حدث فى موازين القوى بين تل أبيب وواشنطن فى علاقة وثيقة بدأت بالتزامن مع التفوق الصهيونى فى حرب 1948 ومرّت بالعديد من محطّات التأثير المتبادل والمد والجزر، إلى أن استقرت دفة القيادة فى يد بنيامين نتنياهو ليصبح بحق صاحب الكلمة العليا والأكثر نفوذًا فى معسكر الفاشية الدولية.
ولا أدل على حالة الإنكار العربية تلك من التباين بين التحقيق الذى نشرته «نيويورك تايمز» الثلاثاء الماضى عن كواليس قرار الحرب على إيران، وكثير من ردود الفعل والتعليقات العربية فى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى على الجرائم الإسرائيلية المتوحشة بحق الشعب اللبنانى الشقيق خلال الساعات الأولى لنفاذ اتفاق وقف إطلاق النار.
تراوحت التعليقات بين اعتبار التصعيد الإسرائيلى فى لبنان ردة فعل هامشية متعلقة بمسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، أو أنها التفاف طارئ على اتفاق الهدنة لتقليم نفوذ طهران فى المنطقة، بينما ذهب البعض فى قراءتهم إلى أن نتنياهو يعبر بهذا القصف عن عدم اقتناعه بوقف الحرب الآن.
يغلب على تلك التحليلات اعتقاد راسخ بأن مركز القرار الصهيوأمريكى فى البيت الأبيض والبنتاجون والاستخبارات المركزية، وأن إسرائيل مهما تضخم دورها فهى التابع، المنفذ للسياسات، والبيدق الأول فى حروب القطب العالمى الأوحد.
لكن قصة «نيويورك تايمز» تحمل لنا واقعًا مختلفًا تمامًا، وتؤكد بالفعل أن نتنياهو كان صاحب قرار الحرب، فهو من باع المجد المزيف لترامب مستغلا رغبته المحمومة فى السيطرة على سوق النفط وتحقيق ما لم يحققه رئيس أمريكى قبله بإسقاط النظام الإيرانى، وهو من ادّعى وحده سهولة الإطاحة بأجهزة النظام استنادًا إلى معلومات منقوصة عن الأوضاع الداخلية فى إيران، وهو أيضًا من زرع فى عقل ترامب التصور الخاطئ عن ضعف رد الفعل الإيرانى وهشاشة القدرات الصاروخية الآن للحرس الثورى والقواعد العسكرية، فضلًا عن استبعاده وقوع أزمة فى مضيق هرمز.
وأكدت القصة ما تردد - بين التسريب والنفى - عن رفض الأجهزة الأمنية والعسكرية الأمريكية تقديرات الموساد وجيش الاحتلال، وكيف أن نائب الرئيس الأمريكى ورئيس وفد المفاوضات الحالى جى دى فانس لم يكن ميّالًا من البداية لقرار الحرب، وهو ما يستقيم تمامًا مع ما نُشر الأسبوع الماضى عن مشادة هاتفية بينه وبين نتنياهو بشأن «الاستهانة بقدرات إيران وبيع وهم النصر السهل لترامب».
القصة ليست مفاجئة على الإطلاق لمتابعى تحركات نتنياهو منذ بدء حرب الإبادة فى غزة، فهو دائمًا السبّاق إلى إعلان الأفكار التى يثير ترامب حولها صخبًا مبالغًا فيه، وهو الذى قاد منفردًا – فى عهد بايدن - معركة متعددة الجبهات ضد المحور الإيرانى فى المنطقة خلال صيف 2024، انتهت بخسائر فادحة لم ترد عليها طهران بصورة رادعة، ولم تتمكن من تعويضها أبدًا.
غير أن القصة تكشف بوضوح حجم النفوذ الذى باتت تحظى به إسرائيل فى دوائر الحكم الأمريكية، وهذا بالضبط ما كان يحلم به نتنياهو منذ صعوده للحكم أول مرة منذ 30 عامًا: القدرة المطلقة على توجيه واشنطن وتحريك آلتها العسكرية العملاقة لخدمة أهدافه والتغطية على مصالحه، مكرّسًا سمة رئيسية من مقوّمات «إسرائيل الجديدة» التى ينشدها، لتتمدد بالردع فى مختلف الاتجاهات الاستراتيجية وتغيّر لصالحها موازين القوة فى المنطقة وربما العالم، وباستخدام جميع الإمكانات الأمريكية من دون حساب.
وكما أن الحرب على طهران إسرائيلية من بدايتها، فالتصعيد فى لبنان جزء لا يتجزأ من أجندة «إسرائيل الجديدة» بغض النظر عمّا ستئول إليه المسألة الإيرانية. لقد أعدّ نتنياهو ومساعدوه العسكريون خطة تطبيق نموذج غزة من جديد، وكانوا فقط ينتظرون التوقيت المناسب، آملين فى دفع الشعب اللبنانى إلى الاقتتال الداخلى أو التحلل أو التقسيم نتيجة تغذية النعرات الطائفية. والهدف الوضح هو تأمين الحدود الشمالية للكيان وتحويل جنوب الليطانى إلى جولان ثانية، بل وجعلها منطقة غير قابلة للحياة من جديد لمنع عودة النازحين وربما تمهيدًا للسيطرة التامة عليها وتحقيق الحلم القديم لحاييم وايزمان بأن يكون نهر الليطانى هو الحد الشمالى للدولة العبرية.
إن فهم العدو وتحوّلاته وتطور أدواته هو أول خطوات المواجهة. واستهداف القيادة الإسرائيلية لأمريكا اليوم يتطلب تحركًا دءوبًا، يجب أن تتوازى فيه المواقف القوية (المعلنة) مع المسارات الدبلوماسية والحشد الدولى لتعميق عزلة مجرمى الإبادة، مع التحرك فى الداخل الأمريكى وأوروبا واستغلال الغضب المتصاعد ضد نفوذ اللوبى الصهيونى.