دروس من مدريد - محمد بصل - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2026 8:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

دروس من مدريد

نشر فى : الخميس 26 مارس 2026 - 8:35 م | آخر تحديث : الجمعة 27 مارس 2026 - 3:07 ص

تقدم الحكومة الإسبانية منذ اندلاع الحرب الحالية بالمنطقة نموذجًا يستحق التدبر والدراسة، ورسائل مهمة للدول من مختلف الأوزان. جوهرها أن الاتساق السياسى والثوابت الأخلاقية هى القاعدة المثالية لبناء موقف رسمى متوازن يكتسب احترام الجميع فى الخارج والدعم الداخلى أيضًا. فلا يجوز أن تخسر سيادتك مهما كانت المخاوف والآثار المتوقعة فى عصر «الفاشية الدولية».

تسبق مدريد العواصم الأخرى بخطوات واسعة، وخلقت لنفسها مضمارًا متميزًا بين القوى الغربية المرتعدة حينًا والمرتبكة أحيانًا.

فمنذ بداية الحرب أعلنت رفضها الصريح للعمل العسكرى، ووصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الهجوم على إيران بأنه عمل عسكرى أحادى الجانب وتصعيد خطير يقوّض النظام الدولى ويفاقم عدم الاستقرار ويدفع الشرق الأوسط إلى حرب طويلة وغير مأمونة العواقب، وتعرض دول الخليج والممرات البحرية للفوضى.

ورفضت تقديم أى من صور الدعم ومنعت أمريكا من استخدام قاعدتين عسكريتين مشتركتين، معتصمة بمبدأ «السيادة» الذى تتناساه العديد من الدول الآن بمعانيه المتعددة: الإرادة الذاتية النابعة من المصلحة الوطنية، واستقلال الإرادة عن التدخلات والمؤثرات، وتكافؤ الإرادات بين أطراف القانون الدولى.

وفى شوارع مدريد عاد شعار «No a la Guerra» «لا للحرب» مذكّرًا بالاحتجاجات الشعبية على الغزو الأمريكى للعراق قبل 23 عامًا، ورفعته الحكومة أيضًا وهى تعلن سلسلة متتالية من المواقف: رفض التبعية السياسية لواشنطن. الدعوة إلى حل دبلوماسى واستئناف المفاوضات وعرض المشاركة فى جهود الوساطة. ثم إدانة الضربات الإيرانية لدول الخليج. ثم سحب السفيرة الإسبانية من إسرائيل احتجاجًا على التصعيد الصهيونى المستمر وتخفيض التمثيل الدبلوماسى إلى مستوى «قائم بالأعمال».

ولا يرتبط قرار إسبانيا بجبهتى إيران والخليج والتوتر فى مضيق هرمز وحسب، بل يتعلق بملف شبه منسى فى حسابات معظم العواصم الكبرى: لبنان الذى بات قاب قوسين أو أدنى من خسارة جنوب الليطانى كمنطقة مهددة بالاحتلال الإسرائيلى المباشر، خاصة بعد سقوط الغالبية العظمى من قرى الخط الجنوبى الأول – بحسب المسئولين الأمنيين - وتفجير الجسور ومنع عودة النازحين وضرب نقاط تمركز الجيش لدفعه للانسحاب، وتوالى التصريحات الإجرامية من وزير الدفاع كاتس ووزير المالية سموتريتش عن تعديل الحدود الشمالية للكيان الصهيونى.

بل إن سانشيز كان أول زعيم عالمى يسمى الأشياء بمسمياتها، ويصفها كما هى دون رتوش، عندما قال أمام البرلمان إن «بنيامين نتنياهو يرغب فى تكرار سيناريو غزة مع لبنان وبنفس المستوى من الدمار والمعاناة».

لا يمكن فصل التحذير السياسى/ الإنسانى عن المواقف المميزة التى اتخذتها إسبانيا ضد حكومة الإبادة على الصعيد القانونى، حيث كانت من أوائل الدول التى دعمت توجيه اتهامات ارتكاب جرائم حرب إلى نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، مؤكدة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالولاية القضائية على غزة.

وأمام محكمة العدل الدولية كانت إسبانيا رابع دولة تعلن انضمامها إلى دعوى الإبادة الجماعية المرفوعة من جنوب إفريقيا، وحفلت مذكرتها بنقاط مهمة، كاعتبار الامتناع عن تنفيذ التدابير المؤقتة المقررة من المحكمة للسماح بدخول المساعدات الإنسانية قرينة بذاتها على توافر نية الإبادة، فضلًا عن تدمير البنية التحتية مما سبب أزمة إنسانية غير مسبوقة وتدهورًا كارثيًا فى الظروف المعيشية ونقصًا حادًا فى إمدادات الكهرباء والوقود كدليل على «قصد تدمير الجماعة الفلسطينية كليًا أو جزئيًا».

هل تسبح مواقف حكومة سانشيز اليسارية فى مثالية حالمة؟ لا، إنها تستند إلى وعى شعبى بخطورة تنامى الفاشية الصهيو أمريكية، ظهر فى فعاليات دعم غزة، ثم يُترجم اليوم برفض 68% من الإسبان لحرب إيران، بحسب استطلاع نشرته «إل بايس» أظهر أيضًا تأييد 57% لقرار رفض مساعدة أمريكا.

قد ترتفع التكاليف المتوقعة لتلك المواقف فى صورة تهديدات اقتصادية من واشنطن وتل أبيب، لكن سانشيز وضع النقاط فوق الحروف أمام البرلمان فى ثلاث رسائل:
1- شركاتنا خسرت 116 مليار دولار فى شهر وستزيد حال استمرار الحرب.
2- الحكومة فى المقابل تتخذ إجراءات مكلفة ماليًا كخفض الضرائب على الوقود والكهرباء وتقديم دعم خاص لبعض القطاعات المتضررة.
3- ليس من العدل أن نتحمل تكلفة تصرفات غير قانونية من أمريكا وإسرائيل.

أما ما لا يقوله علنًا فهو أن الموقف المتميز سيضاعف أهمية إسبانيا فى محيطها الأوروبى وحلف الناتو، ويعزز صلاتها بالجنوب العالمى والشعوب المستضعفة. مكاسب أكيدة لكنها مشروطة بالثبات والفاعلية.

محمد بصل مدير تحرير الشروق - كاتب صحفي، وباحث قانوني
التعليقات