الشخصية القبطية.. مقاربة مختلفة - سامح فوزي - بوابة الشروق
الأربعاء 29 أبريل 2026 3:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الشخصية القبطية.. مقاربة مختلفة

نشر فى : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:35 م

عرفتُ د. نيفين مسعد، منذ عقود، أستاذةً متميزةً فى العلوم السياسية، لكننى اكتشفتُ إطلالةً مختلفةً لها فى العقد الأخير، أو ما يزيد على ذلك بسنوات، فى الشأن الثقافى بمعناه الواسع، وبالأخص الكتابة الأدبية. فى زاويتها الأسبوعية ــ يوم الجمعة ــ بصحيفة «الشروق»، تطل على الأعمال الأدبية برؤية نقدية غير تقليدية، وانتظرتُ لسنوات أن تكتب رواية أو مجموعة قصصية، لكنها لم تفعل، رغم عمق إدراكها للمجتمع وتشابكاته، ولغتها العربية الناعمة والعميقة، والتى تضيف إليها تميزًا مقارنةً بالعديد من الأكاديميين المشتغلين بالعلوم السياسية خاصة، والعلوم الاجتماعية عامة، والذين يميلون إلى اللغة الجافة ذات القوالب الجامدة. قد يكون سهلًا بالنسبة إلى أستاذ جامعى أن يكتب بحثًا، لكن الصعب أن يكتب مقالًا، والأكثر صعوبة أن يغوص فى عالم الأدب.

فى أحدث مؤلفاتها «الشخصية القبطية فى الأدب المصرى»، الصادر عن دار العين للنشر، خاضت د. نيفين مسعد تجربة نقدية مهمة. وبينما كنتُ أتطلع منذ سنوات إلى أن أرى لها عملًا روائيًا، اكتشفتُ أنها ناقدة تبارى النقاد المعروفين بحسها الاجتماعى والسياسى الواضح. ويمثل هذا الكتاب بالنسبة إلىَّ الاكتشاف الثانى لها. كتاب ممتع قضيتُ فترةً فى قراءته، أقلب صفحاته، أقرأ فصلًا وأتركه ثم أعود إليه سريعًا، وفى كل مرة أكتشف شأنًا لم ألحظه قبل ذلك، فقد استطاعت الكاتبة أن تحمل القارئ إلى عوالم مختلفة: أحوال السياسة، وقضايا معاصرة ملتهبة، وأحاديث الماضى، ومساجلات الحاضر، فى قالب يلتقى فيه السرد مع البحث فى امتزاج فريد.

انحازت د. نيفين مسعد إلى مصطلح «القبطى» الذى يدل على عموم المصريين، ودعت كتابها «الأدب المصرى»، لأن الأدب القبطى يُكتب بلغة قبطية، واختارت الغوص فى الشخصية القبطية لأنها تعبر عن تفاعل مصر مع المسيحية. عادت إلى كتابات بحثية وسردية كثيرة، وإن ظلت الرواية، التى لعبت فيها الشخصية القبطية دورًا أساسيًا، هى محور حديثها، رغم تطرقها إلى مجموعات قصصية. وتمثل ثورة 25 يناير بالنسبة لها تاريخًا فاصلًا، حمل معه دخول جيل من الشباب القبطى مجال السرد، محملين بمخاض المرحلة برمتها. ناقشت أعمالهم، وبعضها لم يكن معروفًا، وقد غلب حسها البحثى فى استدعاء العديد من الدراسات الخلفية عن الأقباط فى المجتمع المتغير، ضفرتها بسلاسة مع المعالجة النقدية للأعمال السردية التى استعانت بها.

براعة لا تعرفها سوى أستاذة علوم سياسية مثقفة، مشاركة بكثافة فى الشأن العام، أو أديبة انشغلت بالعلوم السياسية، ورأت فى الأدب نافذة سياسية وتاريخية، وهو ما أدركته فى أحوال المجتمع المضطربة التى طغت على الكتابة السردية، أو إعادة قراءة دور شخصيات أثارت جدلًا فى التاريخ مثل المعلم يعقوب. فقد فتح الأدب، الذى صاغ جانبًا معتبرًا منه شباب قبطى عقب 25 يناير، جراحًا وشجونًا، عكست الرغبة فى الانخراط فى الشأن الوطنى بروح جديدة تنفض عن كاهلها ماضيًا رسمت ملامحه مساجلات طائفية، واشتباكات مع شئون دينية مثل الطلاق والزواج، ومنغصات سياسية، والتطرف، وحكايات الأسلمة والتنصير. فلم تعد الشخصية القبطية مغلقة يسودها الغموض، بل فتح الأدب الباب إلى عمق المجتمع القبطى، بأقلام روائية تتطرق إلى قضاياه الشائكة، دون ارتباك أو خوف، وتغيرت معادلة «الشخصية القبطية» التى كثيرًا ما جرى تصويرها بمثالية غير موجودة، أو تطرف لا جذور له. وقد نجحت د. نيفين مسعد فى أن تثبت، عن طريق معالجة غير تقليدية، أن الشخصية القبطية جزء من نسيج المجتمع المصرى، بمختلف تكويناته الاجتماعية، ولا تعبر عن أقلية معزولة تتمحور حول مشاعرها الضيقة.

يمثل هذا الكتاب، الذى بلغ نحو 275 صفحة، وثيقةً عن مرحلة زمنية مهمة فى تاريخ مصر. لم يسرد أحوال الأقباط بلغة السياسة فقط، ولكن من خلال الأعمال الأدبية أيضًا، التى قدمت الحالة القبطية، بأقلام أقباط ومسلمين، واستطاع أن يقدم سجلًا مجمعًا بأعمال روائية وروائيين، بعضهم له باع طويل وبعضهم حديث العهد بالكتابة الأدبية، بقراءة نقدية قضت الكاتبة سنوات طويلة فى جمعها وقراءتها والكتابة عنها. فأفضى هذا التراكم إلى عمل فكرى متميز، كشف عن أن الشخصية القبطية حاضرة فى الأدب أكثر مما يظن المتابعون للشأن العام، أو المثقفون، أو الأقباط أنفسهم، وأثبت أن التغيير العميق الذى حدث فى المجتمع عقب 25 يناير، ولا سيما لدى قطاع من شباب المبدعين، أبعد أثرًا مما نظن، ويخفى على الرائى الذى ينشغل فقط بالسياسة وأحوالها.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات