تغيب أصول العلوم الاستراتيجية المتعلقة بالتفاوض السياسى وتقاليده، عن المفاوض الأمريكى فى معظم المفاوضات المعاصرة ومجرياتها، وبينما تتطلب هذه الأصول تركيبة من الأعراف المنطقية تتعلق بصياغة النقاط المفصلية والمفترض بحثها والتوافق بشأنها، بجانب محاولات التوصل إلى أرضية مشتركة، والأهم توفر الرغبة والإرادة السياسية فى تجاوز حقيقى للأزمة، بالتوازى أيضًا مع هذه التركيبة، يتحتم الإدراك الكافى بديناميكية الأحداث وحجم تعقيداتها وما ينتج عنها من تداعيات وتطورات، قد تسهم فى مزيد من التراجع ومن ثم عدم القدرة على التعاطى مع المفاوضات والسيطرة عليها، أو بمعنى أدق استحالة احتواء الأطراف، سيما إذا غابت أطر اللغة والجوار اللازمة لمثل هذه النوعية من المفاوضات شديدة التداخل والتعقيد.
يتصدر المشهد المفاوضات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، عقب حلقة من حرب ضروس، ما تزال جارية وكفيلة بتهديد قدرات الأطراف المتصارعة ليس اقتتصاديًا وعسكريًا فحسب بل سياسيًا وعبر الإخلال بحجم التوافقات السياسية والمتبوعة بتداخل شبكات المصالح والتحالفات، بالمقابل يصعب أن تسهم الجولات الأولية من هذه المفاوضات فى التسوية السريعة لهذه النوعية من الحروب الإستراتيجية والمعقدة، بمعنى أدق أن التوصل إلى معالجة فعالة لدوافع انطلاق الصراع بين واشنطن وطهران، حتما تحتاج إلى مجموعة من الجولات التفاوضية المتتالية والمعقدة، بالكاد سيكون بإمكانها خلق حالة من التسكين الجزئى على أن تعود جولات أخرى من الحروب ما بين نفس الأطراف وفى المنتصف طبعًا دولة الاحتلال، كون أن الصراعات ما بين إيران وإسرائيل (المدعومة من واشنطن)، عُد ضمن مقومات حفظ توازنات المنطقة.
غير أن طبيعة المفاوض الأمريكى والمفاوضات التى يجريها تختلف بشكل أو بآخر، عن أى تفاوضات قد تحرزها الدول والتحالفات من أجل صياغة المعالجات والتوصل إلى حلول، فيما يلى نعرض مجموعة من الأسس طالما تحكمت فى القناعات الأمريكية وتعاطيها مع مثل هذه النوعية من المواقف والتحركات:
أولًا: غياب الانتواء الحقيقى للمعالجة: فى مختلف صراعاتها تبدأ المفاوضات من أجل إحداث توافقات بعينها ربما لا تؤدى إلى المعالجة الحقيقية أو التسوية، بل تنهى بشكل مؤقت دون حسم الصراع، منتهجة سياسات الباب الموارب، ومن ثم تعلن التحرك فى اتجاهات كافة متزامنة ومتوازية، حسبما تنتهى الجولات المبدئية إما انصياع الطرف الخصم، أو محاولاته المجابهة، لتختار هى (أى واشنطن) المسارات سواء عسكرية أو سياسية، مع مجموعة من الضربات الموجعة والمتتالية التى تخدم هذه المسارات.
ثانيا: خدمة المستهدفات المفصلية: تدخل واشنطن المفاوضات بينما تضع نصب أعينها خدمة المستهدفات الجيو إستراتيجية، وليس فقط المستهدفات التكتيكية أو المرحلية، بدليل أن جولات المفاوضات مع طهران لم تصغ حلولًا أو حتى معالجات حقيقية -وإن لا زالت المفاوضات جارية وبما يتماشى مع حجم التعقيد الذى يشوب هذه النوعية من الصراعات- لكن تعمدت واشنطن تعقيدها عبر صياغة الشروط والنقاط التصعيدية المتعلقة بخمسة عشر بندا، جميعها استهدفت تقويض قدرات إيران، ومع ذلك برز المستهدف الجيوستراتيجى ليس فى الهيمنة على المضيق الأهم عالميا "هرمز" لكن فى نزع الورقة الاستراتيجية بعيدا عن المتناول الإيرانى، بعدما كانت الورقة الوحيدة والضاغطة، ومن ثم فإن ما تم تداوله بحثيا وتحليلا من قيم وثيقة الصلة بالعلوم السياسية ومفاهيمها، تحديدا ما تعلق بإعادة توازنات القوى أو تشكيل النظام الإقليمى وما يرتبط بها من صياغة خريطة التحالفات، بالفعل بدأت تتبلور هذه المفاهيم وقيمها، ومع تغير توازنات القوى لصالح واشنطن وحلفائها.
ثالثًا: إحكام مفاهيم الردع والضغط: تظل المفاهيم التقليدية والمتعلقة بهذه النوعية من المباحثات والمفاوضات فى مقدمة المستهدفات الأمريكية، أى تجاور أو تزامن الضغط مع سريان المفاوضات بحيث تتحرك فى جولات عسكرية وضربات محكمة وربما موجعة، ومع ذلك ما تزال المفاوضات جارية، ومن ثم تتمكن من خلق ما يعرف بعمليات الردع.
رابعًا: صياغة التصورات داخليا وخارجيا: الداخل الأمريكى ضمن أهم مرجعيات المفاوض وعملية التفاوض بالأساس، وقد تأتى المفاوضات من أجل التهدئة، وتصوير صُناع القرار الأمريكى وكأنهم غير قابلين بالحرب، وأن الغرض من اندلاعها تظل مصالح البلاد، أما خارجيًا فرغبة فى كسب الدعم السياسى من قبل التحالفات والأقاليم، وتصوير الخصم فى صورة المعاند وغير القابل بدبلوماسية الحلول.
كما ذكرنا فى جملة المحددات، فإن مستهدفات واشنطن الإستراتيجية، ليست كما هو متعارف عليه من تقويض برامج أو قدرات تعلقت بالأسلحة النووية أو صاروخية، إنما فى تقويض قدرات ارتكازية أو بمعنى أدق جيوإستراتيجية طالما مثلت الورقة الإيرانية الرابحة، والأهم تحريرها من القبضة الإيرانية أى انتزاعها من أطر التحكم الإيرانى، ومن ثم فإن السيطرة على المضيق وحصاره من قبل ترامب من شأنه الترسيخ لمجموعة من المفاهيم الجديدة فى نظريات العلاقات الدولية وإسهاماتها، وأبرزها أن التحكم فى المضيق العالمى قد يؤول إلى سيادة واشنطن، وقد تتحكم الولايات المتحدة من الآن فصاعدا فى مختلف التوافقات السياسية والاقتصادية الخاصة بعمليات العبور الآمن للسفن والإمدادات، خصوصا أن ترامب أجاد التعامل مع الموقف، ومنذ أن أعلن عن بدء عملية الحصار، وكما توقعنا لم يسع للتصادمات مع المارة، فقط تعمد التضييق على كل التعاملات الإيرانية البحرية منها وإليها. هنا تبرز إشكالية أن الاحتكاكات قد تنشأ نتيجة اعتراض الأطراف المتعاملة مع طهران، ومن ثم يتحتم على ترامب صياغة معادلة معقدة أو إحكام التوازنات الصعبة ما بين التضييق على إيران، والسماح لبقية التحالفات من المتعاملين معها!