فى سبتمبر الماضى، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو متفاخرا بتمكنه من «قلب الطاولة وتبديل المعادلة»، بعدما نجح، وفق زعمه، وبفضل خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لوقف إطلاق النار فى قطاع غزة، فى «عزل حماس بدلا من عزل إسرائيل».
كانت إسرائيل آنذاك محاصرة دوليا؛ فالعالم، تحت وقع جرائم الإبادة التى ارتكبها جيش الاحتلال فى غزة على مدار عامين، بدأ يتعامل مع الدولة العبرية باعتبارها كيانا منبوذا، وقادتها متهمين ومطلوبين أمام المحاكم الدولية.
لم تكن تلك المرة الأولى التى يقر فيها نتنياهو بالعزلة؛ ففى مطلع الشهر نفسه، دعا الإسرائيليين إلى الاعتماد أكثر على أنفسهم فى ظل اتساع الحصار السياسى بسبب الحرب على غزة، قبل أن يتدخل ترامب بخطته، لا لوقف الإبادة أو إقرار السلام فى الشرق الأوسط بعد «3000 عام من الحروب» كما ادعى، بل لانتشال إسرائيل وقادتها من مأزق المساءلة الدولية.
نجحت خطة ترامب جزئيا فى تخفيف الضغوط عن حلفائه فى تل أبيب، لكن بعد شهور قليلة عاد المشهد إلى سابق عهده، وربما بصورة أشد قسوة؛ فإسرائيل تعود تدريجيا إلى مربع العزلة.
لم تعد المسألة مقتصرة على احتجاجات شعبية فى عواصم العالم، أو بيانات قلق أوروبية باهتة، إذ إن الغضب من إسرائيل بدأ ينتقل من الشارع إلى البرلمان، ومن منصات الإعلام البديل إلى مراكز صنع القرار.
فى الولايات المتحدة، كشفت التصويتات الأخيرة فى الكونجرس بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل أن ما كان يُعد إجماعا أمريكيا راسخا بدأ يهتز؛ صحيح أن مشروعات حظر إمداد تل أبيب بالسلاح لم تمر، لكن عشرات النواب صوتوا ضد استمرار الدعم غير المشروط.
ووفق تقارير أمريكية، بلغت العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطى أدنى مستوياتها منذ سنوات، مع تزايد عدد النواب الرافضين لتمويلها.
ونقل موقع «أكسيوس» عن النائبة براميلا جايابال إن الأمريكيين «لا يتقبلون فكرة أن إسرائيل تخوض الحروب متى شاءت، ثم تتوقع أن تحميها الولايات المتحدة بأموال دافعى الضرائب».
ويعد الحزب الديمقراطى أحد جناحى السلطة فى الولايات المتحدة، والمظلة السياسية للأجيال الشابة والأقليات والنخب الجامعية، وخسارة إسرائيل لهذا المعسكر تعنى أنها تخسر نصف مستقبلها فى الدولة التى تشكل لها جدار الحماية الأهم.
أما النصف الثانى، فيشير استطلاع لمركز بيو للأبحاث إلى أن 57% من الجمهوريين الأصغر سنا باتوا يحملون رأيا سلبيا تجاه إسرائيل، ما يعنى أن التآكل لم يعد حكرا على الديمقراطيين.
أما فى أوروبا، فالصورة أكثر وضوحا؛ فدول مثل إسبانيا وإيطاليا بدأت تراجع أو تجمد اتفاقات تعاون عسكرى وأمنى مع إسرائيل، فيما تتصاعد داخل الاتحاد الأوروبى دعوات لفرض قيود ومحاسبة سياسية وقانونية.
فى مقال بمجلة «فورين بوليسى»، حذر الأكاديمى الأمريكى مارك لينش من أن محاولة نتنياهو استبدال سياسة «إدارة الصراع» التقليدية بعقيدة «إنهاء التهديدات» لم تثمر سوى سقوط إسرائيل فى مستنقع إقليمى وعزلة دولية.
ويرى أن الفظائع التى ارتكبتها إسرائيل فى غزة ولبنان أطلقت «رد فعل عابرا للأجيال فى أوروبا وأمريكا»، وهو ما يهدد أهم مصادر الدعم الخارجى لتل أبيب.
ويخلص لينش إلى أن نتنياهو، بإعطائه الأولوية لبقائه السياسى والتوسع العسكرى، قاد بلاده إلى «سلسلة حروب لا نهاية لها ولا جدوى منها»، جعلت إسرائيل أكثر عزلة وضعفا من أى وقت مضى.
الشاهد أن إسرائيل لم تعد تُعامل باعتبارها حليفا طبيعيا للغرب، بل بات الدفاع عنها عبئا سياسيا على كثير من الحكومات.
ظن نتنياهو أن فائض القوة العسكرية يمكن أن يعوض نزيف الخسائر السياسية، وأن مشاهد القتل والنار والدمار ستنتج ردعا يتيح له إعادة تشكيل الإقليم وفق الشروط الإسرائيلية، لكن ما جرى كان العكس.
فالحرب الممتدة على غزة، والعدوان على لبنان، والانخراط فى مواجهة أوسع مع إيران، لم تمنح إسرائيل الأمن الذى طالما وعد به نتنياهو مستوطنيه، بل أعادت تقديمها فى نظر قطاعات واسعة من العالم باعتبارها المصدر الأبرز لعدم الاستقرار فى الشرق الأوسط.
قد تكون إسرائيل لا تزال تتمتع بقدر من الدعم الأمريكى والأوروبى، لكن هذا الدعم لن يبقى مضمونا، فبعد عقد أو عقدين وحين تصل الأجيال الجديدة فى الغرب إلى مؤسسات الحكم، وهى أجيال لم تعد ترى فى إسرائيل «الدولة الصغيرة المحاصر»، بل قوة عسكرية منفلتة ترتكب جرائم إبادة بلا حساب، سيختلف المشهد بشكل جذرى.