فى لحظة بدت فيها منطقة الشرق الأوسط على حافة انفجار واسع، جاء اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، كـ «هدنة اضطرارية» مرحب بها، على أمل أن تستثمر كمدخل إلى مفاوضات مكثفة وجادة لتحويلها إلى اتفاق سلام مستدام. بعد أن ابتعدنا ولو مؤقتًا، عن حافة هاوية خطيرة وصدامات غير محكومة العواقب.
وما يعكس صعوبة الموقف أن كلا الطرفين، وعلى أعلى المستويات، أعلن أن ما تحقق يمثل انتصارًا لرؤيته، رغم التباين الجوهرى، بل والتناقض الواضح، بين مواقفهما المعلنة، والتعمق فى تفاصيل الاتفاق يكشف أنه مثقل بتناقضات متعددة بين ما كان كل طرف يطرحه علنًا من مطالب، وما قبل به فعليًا فى نهاية المطاف، فضلًا عن الاختلافات الواضحة فى تفسير بنوده وتوصيف طبيعته. وهو ما يجعله فى حاجة ماسة إلى تثبيت وتدعيم سياسى وقانونى لمنع انهياره وضمان استدامته.
على مدى الأشهر الماضية، طرحت واشنطن مجموعة مطالب قاطعة وصارمة: تغيير النظام الإيرانى أو ما يثبت تغير سلوكه، وقف كامل لتخصيب اليورانيوم، تفكيك البرنامج الصاروخى، تقليص النفوذ الإقليمى لإيران، وتقديم ضمانات أمنية واضحة لإسرائيل.
اعتبرت إيران هذه الطلبات خطوطًا حمراء غير قابلة للتفاوض، بوصفها تمس السيادة الوطنية والحقوق الاستراتيجية، ولا يبدو أن «الهدنة» الحالية تتضمن أيًا من هذه العناصر بصورة صريحة، وإضافة إلى ذلك يقتصر الاتفاق على وقف مؤقت للعمليات لمدة أسبوعين دون أى التزامات طويلة الأمد أو آليات تحقق واضحة. حتى فى ملف الملاحة، الذى يبدو ظاهريًا إنجازًا أمريكيًا، فإعادة فتح مضيق هرمز جاء بشروط إيرانية، من بينها إشرافها العسكرى، وسعيها إلى فرض رسوم عبور، وهو ما يُتعارض مبدأ «حرية الملاحة» الذى دافعت عنه واشنطن لسنوات.
فى المقابل، طرحت إيران هى الأخرى شروطًا قصوى تمثلت فى رفع كامل للعقوبات، انسحاب القوات والقواعد الأمريكية من المنطقة، الإفراج عن الأصول المجمدة، والحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات مستقبلية، بل والمطالبة بتعويضات عن الخسائر. غير أن الاتفاق لم يحقق أيًا من هذه المطالب بشكل فعلى أو موثق. فلا يوجد نص واضح على رفع العقوبات، ولا التزام أمريكى بالانسحاب العسكرى، ولا حتى جدول زمنى لمناقشة هذه القضايا. كل ما تحقق هو «وقف مؤقت للعمليات»، وهو أقل بكثير مما كانت تطمح إليه طهران.
والأهم من ذلك أن إيران، التى كانت ترفض مبدأ التفاوض تحت الضغط العسكرى، قبلت عمليًا بهذه الهدنة، مما يمثل تراجعًا تكتيكيًا عن موقفها المعلن.
منذ بدء المفاوضات لم تُنشر نصوص رسمية مكتملة، وتضمنت بعض التقارير أن الطرح الإيرانى ــ الذى قُدّم كأساس للتفاوض وفق الرواية الرسمية الإيرانية ــ يتضمن اعترافًا بحق إيران فى تخصيب اليورانيوم، وهو ما يتعارض مباشرة مع الخط الأحمر الذى أعلنته واشنطن. كما يتردد أن هذا البند قد جرى تخفيف صياغته أو حذفه فى النسخة الإنجليزية المتداولة من إيران، بينما ظل أكثر وضوحًا فى النسخة الفارسية، بما يعكس محاولة لإدارة التناقض بين الداخل والخارج، وأخيرًا نشر أن أساس المفاوضات القادمة مشروع باكستانى تضمن تعديلات على النقاط الإيرانية وتمت الموافقة عليه فى اللحظات الأخيرة قبل انتهاء المهلة التى حددها ترامب.
وربما أخطر ما فى هذا الاتفاق ليس نصوصه بقدر ما هو اختلاف تفسيره بين واشنطن وطهران. فالولايات المتحدة تعلن أنه «انتصار كامل»، معتبرة أن أهدافها العسكرية تحققت وأن إيران رضخت للضغوط، وأن إعادة فتح مضيق هرمز دليل على النجاح. فى المقابل تعرضه إيران باعتباره انعكاسًا لصمودها، وتصفه بأنه «وقف مشروط للعمليات» مرتبط بسلوك الطرف الآخر، وليس تنازلاً عن حقوقها، مؤكدة استمرار حقها فى التخصيب ونفوذها الإقليمى.
كما يمتد التباين إلى تفسير نطاق الاتفاق ذاته، وغياب تعريف موحد حتى لمفهوم «وقف إطلاق النار» نفسه، وتتجلى هذه التناقضات فى عدد من الملفات الأساسيةً ومنها:
• مضيق هرمز: تراه واشنطن مفتوحًا، بينما تعتبره إيران مفتوحًا بشروطها وسيادتها.
• البرنامج النووى: تتحدث واشنطن عن معالجته لاحقًا، بينما تصر إيران على أنه حق سيادى غير قابل للتفاوض.
• العمليات الإقليمية: تفصل إسرائيل ــ والى حد ما الولايات المتحدة ــ بين الاتفاق وساحات مثل لبنان، وشنت إسرائيل عمليات إجرامية بعد الإعلان بساعات، فيما ترى إيران أن أى تهدئة يجب أن تشمل حلفاءها، وهو ما أكد عليه الوسيط الباكستانى.
• طبيعة الاتفاق: تصفه واشنطن كبداية لمسار سلام، بينما تعتبره إيران مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار، فى نفس الوقت استمرت العمليات الإيرانية الغادرة ضد بعض دول الجوار العربى.
• التعويضات: تطالب إيران بتعويضات أمريكية وإسرائيلية، فى حين تطالب دول عربية تعرضت لاعتداءات بتعويضات من إيران.
هذه التناقضات ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل تعكس غياب «تفاهم مشترك» حول جوهر الاتفاق. فكل طرف يتعامل معه كأداة تكتيكية لتحقيق أهدافه الخاصة، وليس كإطار ملزم ومتفق عليه. وهو ما يفسر هشاشته البنيوية: فعندما يكون هناك اتفاق واحد بتفسيرين مختلفين، ترتفع احتمالات انهياره.
ومن هنا، يتضح أن هذا الاتفاق لا يمثل تسوية حقيقية بقدر ما يعكس «تداخل روايات». فهو لا يحقق الشروط القصوى لأى من الطرفين، ولا حتى الحد الأدنى منها بشكل واضح، ويترك القضايا الأساسية معلقة دون حسم.
ومع ذلك، تم التوصل إليه لأن الطرفين الأمريكى والإيرانى بلغا درجة من الإرهاق العسكرى والاقتصادى والسياسى جعلت الحاجة إلى هدنة أمرًا ملحًا لا يمكن تأجيله.
ويمكن القول إن أخطر ما فى الاتفاق ليس ما يتضمنه، بل ما يتجاهله: غياب تعريف مشترك لمفاهيم أساسية مثل «وقف إطلاق النار»، و«الحقوق النووية»، و«حرية الملاحة». لذلك، فإن استدامته ستعتمد على القدرة ــ أو الفشل ــ فى توحيد تفسيره وبناء أرضية مشتركة ملزمة.
دفع المجتمع الدولى بأكمله والأطراف المتحاربة ثمناً باهظاً للمواجهة. لذا رغم عدم نجاح الجولة التى استضافتها باكستان ورغم التناقضات والتعقيدات والتباينات فإن هذه الهدنة تظل خطوة أولى ضرورية، نحو مفاوضات تفصيلية وجادة، تستند على جهود باكستان وسلطنة عُمان ومصر وتركيا والصين، وأفكار طُرحت فى أوساط دبلوماسية متعددة، من بينها ما عرضه وزير الخارجية الإيرانى السابق محمد جواد ظريف، بل وما طرحته شخصيا على هذا الموقع مع بداية الاشتباكات، وكلها دلائل واضحة على الأهمية البالغة للدبلوماسية، وضرورة حل النزاعات عبر الوسائل السلمية، على أن تكون الاتفاقات حاسمة تنهى النزاعات وترسخ علاقات حسن الجوار.
نقلا عن إندبندنت عربية