وهكذا فشلت مفاوضات باكستان - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 13 أبريل 2026 9:47 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

وهكذا فشلت مفاوضات باكستان

نشر فى : الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:25 م

دونما نجاح يُذكر؛ طوت مفاوضات باكستان، التى اعتبرها نائب الرئيس الأمريكى فرصة إيران الأخيرة للنجاة من جحيم محقق، سجلاتها المفعمة بالتناقضات والمناكفات. فعلى وقع ارتهان مقاربات طهران، واشنطن وتل أبيب حيالها بحسابات النصر والهزيمة؛ تصادمت محاولاتهم المستميتة لانتزاع مغانم استراتيجية، تعذّر تحصيلها من خلال الحرب العبثية. بيد أن تنازع الفرقاء قد هوى بالمفاوضات المستحيلة فى طريق مسدود، لينتهى بهم الأمر إلى تبادل الاتهامات بشأن المسئولية عن فشلها، وما سيستتبعه من ارتدادات لا تُحمد عقباها.


تستميت طهران فى استثمار ما تبقى لها من ركائز قوة غير متماثلة، بداية من صمودها السياسى، مرورًا ببقايا وكلائها، وصولًا إلى المناورة الجيوسياسية المتمثلة فى إرباك أمنى الطاقة والغذاء العالميين عبر إعاقة الملاحة بمضيقَى هرمز وباب المندب. أما إسرائيل، المنشغلة باتباع كل ما من شأنه حرمان إيران من إعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية؛ فتحرص على تجنيب ترامب إعادة إنتاج سيناريو «النهايات المفتوحة»، الذى طبع السياسة الأمريكية تجاه فيتنام والعراق وأفغانستان. بحيث لا يوقع اتفاقًا معيبًا مع إيران، يعيد إضفاء الشرعية على نظامها المتشدد، ويغدق عليها أموالها المجمدة، ويعلق العقوبات المتنوعة التى تكبلها منذ عقود، مقابل تقييد محدود ومرحلى لبرنامجها النووى، يُغفل المعالجة الجذرية لمعضلات على شاكلة: إصرار طهران على مواصلة تخصيب اليورانيوم محليًا، احتفاظها بقرابة 460 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الاستمرار فى تطوير برنامجها الصاروخى، فضلًا عن تمسكها بدعم وتوظيف وكلائها.


برغم ضرباته الموجعة لإيران، وتهديداته المتواصلة بالمزيد منها؛ ظل ترامب أسير رغبته الملحة فى الظهور بمظهر صانع السلام التاريخى. ومن ثم، لم يتورع عن التماس سبل يحسبها كفيلة بتحويل الهدنة المؤقتة والهشة مع طهران إلى مسار تفاوضى يمكن البناء عليه، أو تسوية مستقرة تُوطِّئ لاتفاق سلام مستدام.


تأتى تصريحات ومواقف ترامب المتناقضة ضمن سياق استراتيجى للغموض الاستراتيجى والتضليل التكتيكى، وهما الاستراتيجيتان اللتان استمدهما من خبرات حياتية شخصية، كما استلهمهما من مقاربات فكرية رصينة. فلا يزال الرئيس الأمريكى مسكونًا بمنطق الصفقات، الذى أشار إليه فى كتابه المعنون: «فن الصفقة»، والذى أصدره عام 1987 بالتعاون مع الصحفى الأمريكى تونى شوارتز. إذ استعرضا خلاله أساليب استدراج الخصم والضغط عليه حتى يضطر إلى تقديم التنازلات التى تحقق أفضل صفقة ممكنة. كذلك يستمد ترامب صلابته من سوابق تحدى فيها تحذيرات الخبراء ولم يصطدم بعواقب وخيمة، ما عزز قناعته بإمكان توجيه ضربات جديدة لإيران دون كلفة استراتيجية موجعة. فقد ترسخ فى ذهنه اعتقاد بأن التحذيرات من تداعيات أى تصعيد عسكرى إزاء إيران مبالغ فيها، وأن بوسعه تكرار استراتيجيته القائمة على التحرك العسكرى الخاطف والحاسم، ثم الانسحاب السريع دون كلفة مؤلمة. ففى عام 2018 خالف نهج بلاده السياسى ونقل سفارتها لدى إسرائيل إلى القدس، دون أن تؤدى تلك الخطوة الاستفزازية إلى احتجاجات واسعة أو أعمال عنف ضد المصالح الأمريكية فى العالمين العربى والإسلامى. وفى يونيو الماضى، لم تُسفر مشاركته فى الهجمات الإسرائيلية ضد إيران عن اندلاع حرب إقليمية شاملة.


يبدو ترامب مولعًا بأطروحة «التفاوض تحت الضغط» التى تُنسب إلى المفكر الأمريكى توماس شيلينغ، الذى أصّل لها بدوره فى مؤلفه الصادر عام 1960 بعنوان: «استراتيجية الصراع»؛ حيث شرح فيه كيفية حمل الخصم على تقديم تنازلات عبر إيهامه بالقابلية للتهور، وغياب العقلانية، والجهوزية الدائمة للتصعيد، وطرح شروط تعجيزية، أو عدم الموثوقية، مع إبداء استعداد هائل لتحمل مخاطر أى مجازفة. ويبدو أن ترامب تأثر بالدبلوماسى الأمريكى السابق وأحد الرهائن الذين احتجزتهم إيران عام 1979، جون ليمبرت، الذى ذكر فى سفره المعنون: «التفاوض مع إيران»، أن «طهران لا ترضخ للضغط العادى، بل للضغوط الشديدة». إذ اضطرت عام 1988 للقبول بوقف إطلاق نار مهين مع العراق، بعدما خلصت أخيرًا إلى أن مواصلة الحرب المدمرة التى استمرت ثمانية أعوام تشكل تهديدًا وجوديًا لنظام الولى الفقيه، كما للجمهورية الإسلامية برمتها.


دأب صقور السياسة الأمريكية التصعيدية حيال إيران، مثل السيناتور ليندسى غراهام، على نصح ترامب بعدم التحدث مثل ريغان والتصرف مثل أوباما. ورغم استيائه من تلك النصيحة، يجنح ترامب للحزم تجاه إيران، متوسلًا لجم نزعاتها العدوانية. ففى عام 1983، ورغم ادعائه تحدى الإرهاب، أقدم رونالد ريجان على سحب القوات الأمريكية من لبنان إثر التفجير الانتحارى الذى استهدف مقر المارينز هناك بدعم إيرانى. لذا يضغط ترامب من خلال ضرباته المتوالية لإيران، علاوة على حشد آلاف من جنود المارينز، لحقوا مؤخرًا بنحو 40 ألف جندى أمريكى يتمركزون فى 13 قاعدة عسكرية أمريكية منتشرة بالمنطقة. وبينما تنشد طهران الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز توطئة لتحصيل رسوم عبور السفن من خلاله، ما من شأنه إحداث تحول جوهرى فى ميزان القوى الإقليمى، عمد ترامب إلى سلبها تلك الورقة الجيوسياسية عبر الإعلان، أثناء مفاوضات إسلام آباد، عن قيام البحرية الأمريكية بالشروع فى تطهير المضيق من الألغام البحرية الإيرانية تمهيدًا لإعادة فتحه أمام الملاحة الدولية دون قيود أو إتاوات، مؤكدًا التزام واشنطن باتخاذ ما يلزم لضمان أمن الملاحة العالمية. ولا يفتأ الرئيس الأمريكى يبدى عدم اكتراثه بنتيجة محادثات باكستان، مؤكدًا انتصار بلاده فى الحرب على إيران، ومشددًا على عدم اهتمامها بالتوصل إلى اتفاق معها.


يوقن ترامب، المهووس بانتقاد الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما، الذى يشكك فى أهليته لنيل جائزة نوبل للسلام، أن أى تفاهم مع إيران يجب أن يسمح له بإعلان تحقيق إنجاز يتخطى تفاهمات اتفاق عام 2015، الذى وقعه أوباما معها، ثم تخارج منه ترامب صيف عام 2018. ومن ثم، يريد التزامًا أبديًا إيرانيًا وليس محدد الأمد بعدم إنتاج سلاح نووى، كما يرنو كذلك إلى اقتناص مغانم اقتصادية حيوية. ولعل هذا ما يفسر عرض طهران عليه حوافز اقتصادية بقيمة تريليون دولار، تتضمن شراء طائرات ركاب أمريكية، وتسهيل استثمارات أمريكية فى قطاعات الطاقة والنفط والغاز، فضلًا عن إتاحة الوصول إلى مناجم تحتوى على معادن نادرة مثل الليثيوم.


لم تفلح مساعى ترامب لتجنب الانزلاق فى براثن «المستنقع الاستراتيجى» الذى هوى إليه أسلافه. ذلك المنبعث من افتراض خاطئ مفاده أن استخدام القوة العسكرية الغاشمة، سواء عبر الحرب الشاملة المباشرة أو الضربات الخاطفة أو حتى الغزو البرى، كفيل بتسوية أشد الأزمات تعقيدًا. وأن العمليات العسكرية النوعية المحدودة عن بعد بأسلحة فائقة التطور يمكن أن تحقق أهدافًا استراتيجية بتكلفة زهيدة عبر إخضاع الخصوم دون المساس بالأمن القومى الأمريكى. وهو الافتراض النابع من الثقة المفرطة فى التفوق العسكرى الكاسح لدولة يتخطى إنفاقها على جيشها إجمالى ما تنفقه معظم دول العالم على جيوشها.


يأبى ترامب إلا إسناد المهام التفاوضية فى أصعب النزاعات والأزمات الدولية إلى شخصين فقط يعملان كمطورين عقاريين ولا علاقة لهما بالدبلوماسية أو العمل السياسى. أولهما مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف، وهو صديق مقرّب للرئيس ويشار إليه كثيرًا باسم «مبعوث لكل شىء» بسبب اتساع صلاحياته وتكليفه بمهام شتى. وثانيهما صهره جاريد كوشنر. ورغم تعقيد الأزمات التى يعهد إليهما بالتصدى لها، لم يكن يعبأ ترامب بإرسال سياسيين محترفين أو متخصصين فى الأمور التقنية. فى الوقت الذى يشكو خبراء كُثُر تهميش الكوادر الدبلوماسية المتخصصة والمخضرمة سواء فى وزارة الخارجية أو مجلس الأمن القومى، كما لم يتم تكليف مارك روبيو، الذى يجمع منصبى مستشار الأمن القومى ووزير الخارجية، بأى مهام حيوية بهذا الخصوص. وما كاد ترامب يتدارك ذلك الخلل ولو مرحليًا عبر إرسال نائبه دى فانس على رأس وفد التفاوض فى إسلام أباد، حتى أعلن الأخير فشل مفاوضات «الفرصة الأخيرة» قبل مرور يوم واحد على تآمها، الأمر الذى شكل صدمة للجميع؛ كون دى فانس خيارًا تفاوضيًا مناسبًا لإيران، إذ إنه غير متحمس للحرب ضدها، فيما يحضر نفسه ليكون مرشح الحزب الجمهورى للرئاسيات الأمريكية المقبلة، ومن ثم يتوق إلى تأكيد جدارته لهكذا استحقاق عبر إنهاء الحرب وإدراك اتفاق سلام شامل ومستدام.


غير أن الفارس الهمام سرعان ما خيب آمال المراهنين عليه، فما إن ضاق ذرعًا بالمفاوضات المستعصية حتى ترجل وألقى بالقفاز فى وجه خصومه، محذرًا إياهم من العواقب الوخيمة لتضييع فرصتهم الأخيرة، بعدما أضحت الهدنة الهشة فى مهب الريح.

التعليقات