كيف أصبحنا «بلد شهادات بصحيح»؟! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2026 8:49 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مباراة الأرجنتين وسويسرا؟

كيف أصبحنا «بلد شهادات بصحيح»؟!

نشر فى : السبت 11 يوليه 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : السبت 11 يوليه 2026 - 6:50 م

سعدتُ بهذا الكتاب المهم، والذى أتمنى أن يقرأه كل مهتم بالتعليم، سواء من الطلاب أو المسئولين أو أولياء الأمور، لأنه يقدم تشخيصا بليغا ومؤلما لكل أمراض التعليم المصرى منذ نشأته حتى اليوم، والتشخيص نصف العلاج، إذا كنا جادين فعلا فى البحث عن حلول، بدلا من سياسة التسكين و«التلصيم».


الكتاب الصادر عن دار الشروق، اختار له مؤلفه الصحفى والباحث المتميز محمد توفيق عنوانا دالا هو «ضد المنطق»، وعنوانا شارحا هو «قصة التعليم المصرى من محمد على باشا إلى إمبراطور الفيزياء»!


انعدام المنطق عنوان مناسب تماما لوصف تلك المسيرة الطويلة، وتغيراتها، وتحولاتها، وانقلاباتها، منذ مرحلة التثقيف والتأهيل للوظائف، ولاحتياجات الجيش فى عصر محمد على، إلى زمن الدروس الخصوصية، وتكدس الفصول، وسيادة الكتب الخارجية والملخصات، والغش الفردى والجامعى، وإعادة هيكلة الثانوية العامة، وقبل كل ذلك، اعتبار الشهادة هدفا وغاية، وليس العلم أو بناء الشخصية، بحيث صدقت المقولة التى كان يرددها عادل إمام فى المسرحية الشهيرة بأننا «بلد شهادات بصحيح»!


الكتاب ليس استعراضا مباشرا لقصة التعليم فى مصر، ولكنه يحكى القصة كخلفية لأمراض التعليم المزمنة، وعبر منهج ذكى، وسرد شيق، وحكايات وإحصائيات، ونماذج من أعمال درامية عكست المأساة، وكما يرى توفيق -عن حق- فإن المشكلة أقرب إلى قطع الدومينو: كل خلل ينشئ خللا تاليا، وهكذا دون حلّ أو نهاية، فالاحتلال البريطانى هو الذى جعل للشهادة امتحاناتها السرية الخطيرة، وأهميتها الكبرى فى تحديد مصير الطالب، وكلما زاد رعب أولياء الأمور، انتشرت الدروس الخصوصية، وانتعشت الكتب الخارجية، وصارت عمليات الغش منهجية، وكلما اخترعوا نظاما جديدا للثانوية العامة، تعقدت الأمور بدلا من حلّها، وزاد الرعب بدلا من القضاء على «بعبع» الشهادات.


وبينما يُفترض للتعليم عموما أن يرسخ قيمة العقل والمنطق، فإنه صار عمليا وواقعيا ضد المنطق نفسه، ومن خلال عمل توفيق محررا لشئون التعليم، وعبر الغوص فى عشرات الكتب والمراجع، والحصول على صور لمستندات وشهادات وامتحانات قديمة، رسم المؤلف صورة هذه الفوضى، وكثير مما كتبه نراه حولنا حتى اليوم، سواء فى الإمتحانات، أو فى مجموعات الدروس الخصوصية، أو فى طرق ومحاولات الغش، وتسريب الامتحانات والنتائج.


أراد محمد على أن تكون هناك حلقة بين المدارس الأولية والمدارس العليا التى أنشأها، فكانت المدرسة «التجهيزية»، والتى صارت فيما بعد المدارس الثانوية، والغريب أن التعليم المصرى تولى تأسيسه شخصيات كبيرة وعظيمة مثل على مبارك، ورفاعة الطهاوى، وكانت الامتحانات قديما أقرب إلى الاحتفال بالطلاب وبالعلم نفسه، ولكن الإحتلال البريطانى جعل من الشهادة اختبارا خطيرا ومحوريا، لأنه يحدد إما التعيين فى الوظيفة الصغيرة، أو يتيح للطالب استكمال دراسته فى المدارس العليا (الكلّيات).


ويصحح الكتاب الكثير من الأفكار الشائعة، فليس صحيحا أن الدروس الخصوصية أو الكتب الخارجية ظواهر حديثة، إذ كشف البحث والتنقيب عن أشياء غريبة وطريفة للغاية.


منذ وقت مبكر، كانت هناك دروس خصوصية لأبناء الأغنياء، ولكن بتصريح خاص من وزير المعارف، فقد استدعى محمد سعيد باشا رئيس مجلس النظار المدرّسة نبوية موسى فى العام 1907 لتدرّس لبناته فى البيت، وذلك بموافقة وزير المعارف سعد زغلول، وتدريجيا انتشرت ظاهرة استعانة الأغنياء بالمدرسين لتعليم أبنائهم فى المنزل، ووفق قواعد موافقة وزارة المعارف، على ألا يكون المعلم هو نفسه مدرس فصل التلميذ، وفى الكتاب نماذج من طلبات المدرسين للتصريح لهم بالتدريس.


هذه بدايات الظاهرة فى أوائل القرن العشرين، والتى تطورت حتى وصلنا إلى «السناتر»، وتأجير المدرسين للصالات المغطاة لإلقاء دروسهم على الطلاب، أما الكتب الخارجية فقد ظهرت أيضا فى وقت مبكر، حيث تأسست دار «سعد مصر»، التى أصدرت سلاسل كتب «فاروق» للمرحلة الابتدائية والثانوية، وكان ذلك فى الثلاثينيات، وتأسست دار نهضة مصر التى نشرت أيضا كتبها الخارجية، ويذكر توفيق أن مؤلفى الكتب الخارجية كانوا من المصريين والأجانب، وكان بينهم أدباء كبار؛ مثل: كامل الكيلانى، والشيخ عبد العزيز البشرى، وعالم الجغرافيا الكبير الدكتور محمد عوض محمد.


هكذا بدأت الحكاية بالتدريج، حتى حدثت طفرات انتشار واسعة فى السنوات التالية، ولم تفلح أبدا محاولات الحد من انتشار الكتاب الخارجى، والذى وصل ثمنه إلى عشرات الجنيهات، ارتباطا بسعر الدولار، كما فشلت محاولات جعل كتاب الوزارة جذابا وأساسيا، بل لعله أصبح هو «الكتاب المساعد» للملخصات والمراجعات النهائية، فى مؤشر جديد على غياب المنطق والعقل.


يستمر المؤلف فى تتابع أصول الفوضى فى رصده لظواهر الغش الفردى والجماعي، وظاهرة المجاميع المرتفعة العجيبة، والتى اخترقت حاجز المائة فى المائة، بينما التحق مجدى يعقوب بكلية الطب بمجموع 74%، ولم يحصل يحيى حقى إلا على 67%، وحصل الأديب محمد عبد القادر المازنى على 47% (وكان النجاح وقتها بـ 40%).


يطاردك سؤالٌ دائم، وأنت تقرأ عن ذلك العبث الكامل، ويدهشك أكثر أن أمراض التعليم فى مصر كانت موضع إشارة ومناقشة فى وقتٍ مبكر للغاية، ومن شخصياتٍ بحجم طه حسين الذى لفت الأنظار فى كتابه الشهير «مستقبل الثقافة فى مصر» العام 1938 إلى كارثة الامتحانات؛ إذ اعتبرها تُفسد التعليم والأخلاق، وتفسد السياسة أيضا، وقال نصّا: «الصبى منذ يدخل المدرسة موجّه إلى الامتحان أكثر مما هو موجّه إلى العلم، مُهيّأ للامتحان أكثر مما هو مُهيّأ للحياة»، وأضاف: «تصوُر الامتحان على هذا النحو قلب الأوضاع، وجعل التعليم وسيلة بعد أن كان غاية، وحسُبك بهذا فسادا للتعليم».


«ضد المنطق» كتاب خطير من أهم كتب العام، أتمنى أن يُقرأ بعناية، وأن يُستفاد منه، وأتمنى على مؤلفه أن يُتبعه بجزءٍ ثان عن أحوال المدرسين الصعبة، وعن طبيعة المناهج البائسة، وأوضاع المبانى المدرسية بين الأمس واليوم. سيجد حتما ما يكمل صورة اللامنطق، والتى نحاول الخروج منها، دون جدوى أو علاج.

 


محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات