مفاتيح العوالم البديلة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 27 يونيو 2026 11:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

مفاتيح العوالم البديلة

نشر فى : السبت 27 يونيو 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : السبت 27 يونيو 2026 - 7:25 م

تمتلك هذه المجموعة القصصية وحدةً نادرةً بين حكاياتها، مثلما تمتلك تنويعات شتى على نغمة الوحدة والقلق وعدم التكيف، فيهرب أبطالها إلى «عوالم بديلة»، أو تجبرهم الظروف على ما يحفظ التوازن، ويمنح بعض الطمأنينة المؤقتة، انتظارًا لأمل بعيد، أو بحثًا عن خلاص دائم.


المجموعة الصادرة عن دار الشروق، اختار لها مؤلفها، القاص والروائى الأردنى جلال برجس، عنوانًا مدهشًا هو «نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج»، ليعكس ببراعة تناقضات وتيمات كل الحكايات التى تراوح بين السرد والتأمل، وبين داخل الشخصيات وخارجها، وبين واقعها الخشن وأوهامها وأحلامها المحلّقة.


كل حكاية فيها هذه المفارقة التى تلامس سقف الغرابة، وكل حكاية فيها هذا التلبّس والحلول والتشتت والصراع، وتجمع الحكايات ملامح مشتركة، حتى تظن، بعد الانتهاء من القراءة، أنك أمام شخصية واحدة انقسمت إلى عدة أبطال، توزعوا على أكثر من حكاية.


نحن أولًا أمام بيئة معادية، أو على الأقل تشعر أبطالنا بالاغتراب الكامل، مدينة طاردة، ولكن ليس إلى مدن أخرى، وإنما إلى مدينة الذات الواسعة والحرة، وتتنوع أحوال هذه المدن أو البيئات اتساعًا وضيقًا، لننتقل من الحجرة والبيت إلى الشوارع والأماكن وبيئة العمل، وصولًا إلى العالم كله، الذى تصل أخباره دومًا بما لا يسر عبر الشاشات والأخبار.


هذه مثلًا مدينة لا يمكن أن تحفظ فيها سرا، وتلك بيئة تصف بطل الحكاية بأنه «ابن حرام»، وهذا العالم يلقى بقمامته فى كل مكان، فيهرع بطلنا إلى مكنسته لتنظيف عبثى متكرر، وهذا عالم ضاغط وشرس لا رد عليه سوى تكسير الزجاج، وتلك مدينة تخشى الموت، وتكره من يتعاملون معه، حدَّ الاختناق الذى يدفع إلى الانتحار، وهذه بيئة العادى والروتينى التى يتمرد عليها الجسد، والتى تبعد بطل الحكاية عن المشى السليم.


يمكن أن نصف تلك البيئات الضاغطة بعبارةٍ جاءت فى إحدى القصص، بأن العالم نفسه، على اتساعه، قد صار سجنًا، ولأن الشخصيات تمتلك حساسية عالية، فإنها غير قادرة على التكيف مع هذا السجن، وكما قال إريك فروم (اقتباسًا من مفتتح قصة فى المجموعة)، فإن «الإنسان المتأقلم بشكل كامل مع مجتمع مريض إنسانٌ مريض».


هذه عبارة مفتاحية لقراءة المجموعة كلها، وتقودنا إلى ملمح مشترك ثانٍ بين حكاياتها، وأقصد به أن الشخصيات تبدو ظاهريّا مريضة أو مضطربة نفسيّا، ولكننا سرعان ما نكتشف أن المرض هو أن تتكيف مع العالم المقلوب، أو تمتثل له.


تلك هى اللعبة السردية الماكرة، التى تجعل من الغرابة داخل النصوص مفاتيح للتأمل، وهذا هو السبب الذى يجعلنا نتفهم ونتعاطف مع الشخصيات، لأنها تعكس رفضًا ورغبة فى التحرر، ولأن رفضها للعلاج، أو عدم صبرها المتكرر على الدواء، إنما هو أصلًا موقف وجودى ضد القهر والحرب والخوف والنفاق، فالمريض الحقيقى هو من يتكيّف مع الواقع والأوضاع المقلوبة.


ملمح ثالث مشترك بين قصص المجموعة هو تقديم الوهم والخيال والغرابة والحلم باعتبارها عوالم حتمية عن الواقع، ومن اللافت أن برجس أهدى المجموعة إلى جدته سلمى، التى يصفها بأنها امرأة كانت تؤمن بأن الخيال هو الواقع، وربما يحق لنا أن نضيف إلى كلمة الواقع كلمة أخرى هى «البديل».


تلك - إذن - حكايات واقعية يمنحها الخيال، ويمنح أبطالها فرصًا بديلة، وإلا حدث الانتحار كما فى قصة «صانع الشواهد».


الوهم هنا هو محاولات «التكيّف النسبى» التى قد تنجح وقد تفشل، ولا يحضر الوهم باعتباره خيارًا واعيًا، وإنما هو رد الذات المحاصرة على ظروفها الصعبة، وهو أيضًا عمل اللاشعور فى مواجهة تضخم الشعور بالفوضى والتلف.


لذلك أصبحنا أمام توليفة متسقة بين الواقعية والتعبيرية، فالواقع حاضر دومًا كخلفية، كحرب أو كعيون تطاردنا أو كظرف عائلى أو مهنى، ولكننا نرى هذا الواقع من خلال عين قلقة، وخيال جامح، وجسد متمرد، فتظهر الأشياء، كما فى لوحات التعبيريين، ضخمة وهائلة ومخيفة، ويظهر ضمير المتكلم فى قصص كثيرة، وكان يمكن أن يكون حاضرًا فى كل القصص أيضًا بكل بساطة وسلاسة.


فى ملمح رابع، فإن الكتابة والفن يمثلان كذلك أبوابًا تفتح على بعض التوازن، ويتكرر بصورة لافتة لجوء أبطال الحكايات المأزومين إلى الكتابة والرسم، وإلى ملء الصفحات البيضاء، ومحاولة الإجابة عن بعض الأسئلة، مما يخفف من الأزمة، ويؤجل لحظة الانفجار.


الكتابة والفن يقدمان حلولًا للفضفضة، ويصنعان أيضًا عوالم بديلة، بل يحق لنا أن نعتبر قصص برجس، بدورها، عوالم بديلة عن ظروف شخصياته، تخيلها هو نيابة عنهم، وكان خياله رائعًا حقًّا، فانظر كيف تنقذ مانيكانات المتجر «ابن الحرام» من وحدته؟


وانظر كيف تحرر الذبابة رجلًا ممتثلًا من خوفه وانسحاقه، فتفتح له الباب؟ وانظر كيف يصبح الفعل الوحيد المعقول هو أن تعمل على تنظيف قمامة العالم والمدينة دون ملل أو كلل؟


انظر كيف يتجسد العجز والملل والقلق رجلًا بدينًا أعرج يتلبّس رجلًا نحيفًا؟ وتأمل كيف تلعب المرايا دورًا فاعلًا فى أن نرى أنفسنا؟ كيف تطارد بطلنا بقرين له يبصق عليه؟ وكيف ننظر فلا نرى أنفسنا على الإطلاق بعد أن سحقتنا المدينة؟


جلال برجس واقعى تمامًا، ولكنه يلجأ إلى منظور تعبيرى متطرف، فلم يعد ممكنًا مواجهة العالم المقلوب بواقعية، وإنما لا بدَّ من اصطناع حالة متطرفة تضخم الأزمة، ولا بدَّ من أن نرى السرد فى عيون ذات متألمة مغتربة، وهذا بالضبط ما تؤديه عناصر الخيال والأحلام والأوهام فى بناء هذه العوالم الموازية.


فى قصة بديعة مثلًا هى «ناى الأكتع»، يصبح صوت الناى عبر همس الريح هو صرخة الاحتجاج الأقوى ضد الحرب التى جعلت بطل الحكاية مبتور الذراعين.


وقبل أن نتوهّم أن اللاجدوى الكافكاوية تطل برأسها من المجموعة، يبدو الأمل فى أن المدينة سحقت الإنسان، ولكنه ما زال يدافع عن إنسانيته جسدًا وخيالًا، وما زال يرفض أن يمتثل للمجتمع المريض، حتى لو وصفوا كل متمرد بالجنون.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات