هل ما زلنا نحتاج إلى الجامعات؟ - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 11 أبريل 2026 4:48 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

هل ما زلنا نحتاج إلى الجامعات؟

نشر فى : الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:50 م | آخر تحديث : الجمعة 10 أبريل 2026 - 10:50 م

هل الجامعة أكثر من «مجرد شهادة»؟
هل تغيرت مهمة الجامعات فى عصرنا؟
سوق العمل أم الوجاهة الاجتماعية؟


عنوان هذا المقال قد يكون صادمًا للبعض، وقد يرد البعض بسخرية مريرة على السؤال: لا، وقد يهاجم البعض الآخر قائلًا: «إيه السؤال ده؟ هو أى كلام وخلاص»، لكن الحقيقة أن عنوان المقال هو تساؤل حقيقى نحاول أن نناقشه فى مقال اليوم. مع نهاية العام الماضى نشر كاتب هذه السطور، وفى نفس هذا المكان، مقالًا بتاريخ 19 ديسمبر 2025 بعنوان «تهديد وجودى للجامعات فى مستقبل تتحكم فيه التكنولوجيا»، وهو جاء من التفكير فى حال الجامعات فى أغلب دول العالم، ونحن فى منعطف تاريخى تغير فيه التكنولوجيا طريقة حياتنا وطريقة عمل أغلب مؤسساتنا، بما فيها الجامعات. وسائل الاتصالات والذكاء الاصطناعى معًا يتزعمان هذا التغيير، بمساعدة كل التكنولوجيات التى تقوم عليها الاتصالات والذكاء الاصطناعى، لكنها تعمل من تحت الستار فلا نراها، مثل الحاسبات فائقة السرعة.
هذا المقال السابق هو البداية، فالمشكلة كبيرة والإجابة النهائية ما زالت بعيدة المنال. الجميع فى أنحاء العالم، فى الدول المتقدمة قبل النامية، يحس أننا على أعتاب تغيير كبير فى الجامعات وطريقة عملها. لهذا، مقالنا اليوم هو خطوة على الطريق لمناقشة هذا الموضوع، وهذه المناقشة تبدأ بعدة أسئلة: ما الذى يحدث الآن يجعلنا نقول إن الجامعات فى خطر؟ هل كل الدول تتجاوب مع هذا الخطر بالطريقة نفسها؟ ما الخطوات نحو المستقبل؟


• • •
لماذا الجامعات فى خطر؟
الجامعات الآن أصبحت تواجه عدة مصاعب:
• دخول الجامعة والتخرج منها أصبحا مجرد وجاهة اجتماعية، خاصة لو كانت الجامعة تحمل اسمًا أجنبيًا، ونرى ذلك فى الدول النامية أكثر من المتقدمة. فى أمريكا، هناك الكثيرون من أصحاب الشركات التكنولوجية الكبرى لم يكملوا دراساتهم الجامعية، مثل بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت، وستيف جوبز مؤسس شركة آبل، ومارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك، ولارى إليسون مؤسس شركة أوراكل، وجان كوم مؤسس واتساب. لكن الحال فى الدول النامية مختلف، لأنها بلاد شهادات تعترف فقط بالأوراق.
• الشركات فى الماضى كانت تعتبر الشهادة الجامعية هى صك الجودة، أما الآن فأصبح هذا الموضوع أقل أهمية، وأصبحت الشركات تهتم بالمهارات أكثر من الشهادات، ونجد ذلك فى الشركات التكنولوجية الكبرى، وهذا الأمر فى ازدياد. فهل سنصل إلى النقطة التى تصبح فيها الشهادة الجامعية غير ذات فائدة؟
• برمجيات الذكاء الاصطناعى أصبحت مصدرًا للمعلومة، وأصبحت تشرح للطلبة كلٌّ حسب درجة وسرعة استيعابه، مما قلل من أهمية الأستاذ الجامعى بحالته الحالية، وبالتالى الجامعات. وأدعو القارئ الكريم لقراءة مقال سابق لكاتب هذه السطور بعنوان «مشكلة محيرة.. الأستاذ الجامعى فى عصرنا الحالى» بتاريخ 5 ديسمبر 2025.
• هناك بعض الدول، مثل أمريكا، تواجه نقصًا فى أعداد الطلبة الذين يتخرجون فى المدارس الثانوية نتيجة لانخفاض أعداد المواليد، وهذا بدوره يقلل من عدد الطلبة الذين يدخلون الجامعة، ناهيك طبعًا عن الصعوبات الحالية للحصول على التأشيرة من أجل الدراسة، مما يؤثر سلبًا على عدد المتقدمين للجامعات.
• جميع الجامعات تواجه صعوبات مالية، ليس فقط نتيجة النقص فى عدد المتقدمين، ولكن أيضًا لارتفاع تكلفة الخدمات مثل الكهرباء والصيانة، إلخ. وحيث إن الجامعات تعتمد أساسًا فى دخلها على المصروفات من الطلبة، فإن نقص عدد الطلبة يؤدى إلى تفاقم الصعوبات المالية.
• أغلب الجامعات الآن أصبحت تعتمد على «المنظرة» من أجل جذب الطلبة، ويأتى هذا على حساب جودة الخريجين، و«المنظرة» هنا تعنى المباهاة بالتصنيف العام للجامعات وعدد الحفلات والملاعب فى الجامعة أكثر من المعامل والأنشطة البحثية والعلمية. وأدعو القارئ الكريم لمراجعة مقال سابق لى بعنوان «هل تصنيف الجامعات مهم حقًا؟» بتاريخ 18 أبريل 2025.
• الجامعات الآن أصبح دورها تخريج «ترس» يعمل فى شركة، مثل «الثور فى الساقية»، لا شخصًا يمتلك عقلية نقدية وباحثًا عن الحقيقة. الآن أصبح الهدف هو أن يمتلك الطالب المهارات التى تؤهله للعمل فى شركة كبيرة تعطيه مرتبًا ضخمًا، وهذه سمة العصر الذى نحياه. المشكلة أن المهارات التى تؤهل الشخص للعمل «كترس» فى ماكينة كبيرة هى مهارات لا تحتاج إلى جامعات، بل إلى ورش عمل وبعض التدريبات باستخدام الذكاء الاصطناعى، وهذا الأمر سيزداد فى المستقبل.
• الجامعات بحالتها هذه بطيئة التفاعل مع سوق العمل؛ فالدرجة العلمية التى تحتاج إلى أربع سنوات كفيلة بأن يتغير سوق العمل خلالها، وتغيير المناهج والأدوات والمواد الدراسية يصطدم بحائط البيروقراطية العتيد، خاصة فى الدول النامية.
إذا كان الأمر كذلك، فما الحل؟


• • •
تطور رسالة الجامعة
إذا تعمقنا فى دور الجامعة الأصلى، وليس بعدسة الاقتصاد فقط، سنجد أن هناك أشياء لا تستطيع إلا الجامعات القيام بها. هذه الأشياء هى ما يجب أن تركز عليه إذا أرادت أن تحتفظ برسالتها الحقيقية.
الجامعات تعطى خطة تعليمية تُظهر كيف تتلاقى العلوم وتتفاعل، وكيف أن فكرة فى مجال معين تؤثر فى مجال آخر مختلف. التعمق فى مجال واحد أو مهارة معينة سيتم دون الحاجة إلى الجامعة عن طريق برمجيات الذكاء الاصطناعى، لكن التفاعل والترابط بين العلوم، والتفكير النقدى، والفكر الإبداعى، هو ما يجب أن تقوم به الجامعات.
الجامعات تعطى المجال للتفاعل الإنسانى بين الطلبة وبعضهم، وبين الطلبة والأساتذة. هذا التفاعل الإنسانى يجعل المناقشات أكثر عمقًا، والعمل الجماعى أكثر فعالية.
الجامعات هى المكان الصحيح لخلق أفكار إبداعية قد لا تجد الفرصة للخروج فى معامل أبحاث الشركات الكبرى. تلك الشركات لديها أجندتها الخاصة وتوقيتاتها المتعلقة بالسوق. الحرية فى البحث العلمى فى الجامعات أكبر منها فى الشركات، لكن طبعًا هذا يعتمد على الجهة الممولة لتلك الأبحاث، وهذا موضوع آخر قد نتحدث عنه فى المستقبل.
• • •
الجامعات بحالتها الحالية لا مستقبل لها فى عصرنا الحالي. الجامعات مهمة، ولكنها تحتاج إلى أن تتطور، لا من حيث الإمكانيات، لكن من حيث رسالتها. يجب أن تتحول الجامعة من مكان لإعطاء المعلومة إلى مكان للتدريب على التفكير النقدى والإبداعى، وربط العلوم ببعضها، واتخاذ القرارات على أسس سليمة.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات