إنها حقا مهنة المتاعب! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 13 يونيو 2026 9:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

إنها حقا مهنة المتاعب!

نشر فى : السبت 13 يونيو 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : السبت 13 يونيو 2026 - 7:05 م

(1)
من حين لآخر تراودنى رغبة عارمة فى تسجيل بعض الخواطر والأفكار التى ترد على خاطرى وذهنى؛ بعد جهدٍ عنيف بذلته فى قراءة كتب دسمة أو كتابة فصول قيد التأليف أو تحرير أخرى فى نطاق مشروعات بحثية أو تأليفية طموحة.


وفى الآونة الأخيرة، ومع مراقبة مجريات الأمور فى سوق النشر، وما يدور فى دهاليز هذه الصناعة الثقافية الشريفة، وما تواجهه من تحديات وصعوبات (ارتفاع أسعار الورق، تأثير الأحداث السياسية والحرب الدائرة فى المنطقة على أنشطتها، وبخاصة معارض الكتب التى أجلت أو أرجئت أو ألغيت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.. إلخ)، فإن نفثات مصدور تريد أن تتخفف من حمولتها وتطرح أسئلتها لعل وعسى أن تجد لها صدى ولو من باب الأمنيات!


(2)
كان الكاتب الراحل الكبير، أحمد بهجت، يفرق بين مهنتين يجمعهما قاسم مشترك أعظم هو «الكتاب» و«الطباعة» و«الورق». كان يرى أن هناك فارقا بين «الناشر» و«المطبعجى»، فصاحب المطبعة يطبع ما يقدم إليه دون أن يَسأل عن محتواه أو يقرأه، أما «الناشر» فإنه ينتقى ما يقدمه ويدقق كثيرا فى اختياره. ذلك أن مهنة النشر - فى جوهرها - اشتغالٌ حميد بنقل الثقافة والفنون والآداب والعلوم، وتحويل هذا كله من أفكارٍ حبيسة فى الأدراج أو مقصورة على المتخصصين فقط إلى روح ومهنة تسرى فى العقل العام وتقوم بتغذيته وإمداده بالمعرفة والوعى.


وهذا واحدٌ من التعريفات الجامعة للناشر فى هذا الزمان الذى اختلطت فيه صناعة عظيمة مثل «النشر» بالتجارة الرخيصة، فى ظل فوضى عارمة وغياب لأى محدد حقيقى أو معيار واضح يمكن الالتجاء إليه سوى خبرة الناشرين الكبار، أهل الصناعة الحقيقيين أصحاب الإنجاز والتاريخ فى أهم مجال من مجالات الصناعات الإبداعية الثقافية بالمعنى المعاصر.


(3)
إحدى دعائم عملية النشر الأساسية الترويج والدعاية والإعلان، وهى جزء لا يتجزأ من مهام التسويق الذى يمثل رأس الحربة فى نجاح هذه الصناعة من عدمها، التسويق والدعاية والترويج محور أساسى من محاور إنتاج الكتاب وتداوله ونجاحه، فبدون هذا المحور تفقد هذه العملية حوالى 75% من قيمتها وجدواها والمنتظر منها، فربما كان الكتاب ذا مضمون ممتاز ومحتوى أصيل وأسلوب رائع، لكن بسبب عدم الاهتمام بالدعاية اللازمة ولا الأخذ بمهارات التسويق المطلوبة لا يلقى رواجا، وللأسف الأمر فى الأغلب الأعم لا يتم التعامل معه بمنطق واضح ولا رؤية محددة، محض نظرات وانطباعات عامة ورؤية جزئية منقوصة..


وثقافة الناشر هنا أمر جوهرى فى هذه المسألة من عدمها، ثقافة الناشر جزء أصيل من عملية النشر، إذا لم يكن الناشر «مثقفًا» أو على الأقل ملمًا بالحد الأدنى من متطلبات مهنته، فلا نشر ولا تجارة ولا ربح ولا أى شىء!!
أما أخطر ما فى هذه المهنة (أو أى مهنة على العموم) هى «الفذلكة» بمعنى أن تدعى معرفة زائفة أو على غير الحقيقة لتوهم مَن أمامك أنك «فاهم» و«عارف» و«خبير».. مشكلة كبيرة جدًا عندما يوهم البعض أنفسهم بأنهم «عارفين كل حاجة»، وأن كلمتهم هى القول الفصل فى كل شىء؛ وهمًا أو غرورًا، أو استنادًا إلى حيثيات تقدير غير حقيقية..


صحيح أن الناشر هو صاحب رأس المال وهو «المنتج المنفذ» فى هذه الصناعة.. لكن شتان بين «منتج منفذ» حقيقى، فاهم وواع، ولديه القدرة على الرجوع إلى أهل الخبرة والكفاءة فى ما يدير من أمور أو يصدر من قرارات، و«مُنتِج» آخر كل ما يفهمه أن توفير النفقات وتقليل التكلفة يكون بالاستغناء عن المحررين الأكفاء أو الفنانين المبدعين من مصممى الأغلفة أو التغاضى عن الاستعانة بالمراجعين والمصححين اللغويين، أو يقوم هو ذاته (الناشر) بالتدخل فى نصوص أدبية إبداعية دون أن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة والخبرة والوعى اللغوى أو «الذائقة الأدبية» التى تجيز له ذلك.


(4)
أما آفة الآفات فى هذه المهنة الخطيرة فهو شخصنة الأمور وعدم الفصل بين ما هو ذاتى، انفعالى، عاطفى وبين ما هو موضوعى، منهجى، عقلانى.. إذا اختلطت الأمور بين الاثنين ابتعدنا عن منطقة العمل الاحترافى القائم على أسس مرعية وقواعد معترف بها، واقتربنا من دائرة نشاط عشوائى قائم على الهوى وعماده ميل النفس والعاطفة.. وذلك لا علاقة له بالنشر من قريب أو بعيد..


أيضًا يتصور البعض، وفق مفهوم محدد سلفا، غالبا ما يكون مبتسرا وغير دقيق فضلا عن عدم موضوعيته، يقوم على أن غياب المعيارية هو الأساس فى اختيار وانتقاء النصوص المرشحة للنشر، أو الاعتماد على وضع معيار غير دقيق يقوم على عنصر وحيد دون بقية العناصر.


فمثلا عند اعتماد مبدأ الرواج وتحقيق مبيعات سريعة فور طرح الكتاب للبيع.. هذا المعيار قد يصدق على بعض الكتب وليس كلها، وعدم الأخذ فى الاعتبار التوازنُ بين متطلبات السوق ورسالة النشر من حيث هى رسالة ثقافية ومعرفية فى المقام الأول دون إغفال عنصر الربح والتجارة، فإن النتيجة تئول فى النهاية إلى استبعاد عشرات الأعمال الممتازة والجيدة لأنها ببساطة «لا تبيع!!».