هذا الكتاب من أمتع وأهم كتب العام، وأعتبره مفاجأة سارة على أكثر من مستوى؛ لأنه يؤكد من جديد أن ما نعرفه عن عالم الكتب القديمة النادرة ما زال محدودًا، وأن ما نعرفه عما وراء وقائع شهيرة ما زال أقلَّ القليل.
الكتاب بعنوان «أسرار الخُط معى»، ويتضمن مذكرات قائد فرقة الموت، الضابط محمد هلال، وهى الفرقة التى كُلِّفت بمطاردة محمد منصور، المشهور بلقب «خط الصعيد»، والقبض عليه أو قتله، وانتهت المطاردة بقتل الخط ومساعده أبو الصالحين، أو «كلبه الأمين» كما يطلقون عليه، وسط زراعات الذرة فى زمام قرية جحدم، وبمعاونة عمدة القرية، فى العام 1947.
صدر الكتاب عن دار المصرى، بتحقيق وتقديم عمرو شقرة، ضمن سلسلة شيقة تحمل عنوان «روزنامة مصرية»، يقوم فيها شقرة باكتشاف وإعادة طبع وتقديم كتب قديمة منسية، وهى مهمة تستحق الإشادة والاهتمام.
مذكرات الضابط هلال واحدة من أبرز عناوين السلسلة، ويذكر شقرة فى المقدمة أنه بحث عن المذكرات عندما قرأ عنها فى كتاب صلاح عيسى البديع «أفيون وبنادق»، الذى سرد فيه وحلّل ببراعة ظاهرة خط الصعيد، فى إطار قراءته العميقة لظاهرة التمرد على السلطة فى ظل ظروف الحرب والفقر، وكانت مذكرات هلال مرجعًا مهما لكتاب عيسى، وقد عثر شقرة على الطبعة القديمة بالصدفة، فقام بنشرها.
منذ أن بدأت قراءة الكتاب لم أتركه، فهو من أكثر الكتب تشويقًا، بل إن الضابط هلال، عندى، ساردٌ من الفئة الأولى الممتازة، لغته فنيّة وصفًا وحوارًا، ولديه حس درامى فائق، ويبدو أن ثقافته العامة جيدة، ولديه أيضًا حس ساخر، فقد أطلق مثلًا على أحد معاونيه الشرسين فى فرقة الموت لقب: «مارس إله الحرب!».
المفاجأة أيضًا تتمثل فى هذه التفاصيل المهمة عن تكوين «فرقة الموت» الشهيرة، التى اختار لها الضابط هلال 60 من أعنف وأشرس رجال الشرطة، مع تقديم كواليس وأسرار مطاردة الخط.
والشخصيات مهمة ومحورية فى الحكاية، من مدير مديرية أسيوط عزيز أباظة، الشاعر العظيم، والمأمور عبد الحق الرفاعى، رئيس هلال ووالده الروحى، والضابط الشجاع حامد عبد الله، زميل هلال، والعساكر والكونستبلات، ومنهم مثلًا راغب شنن، مرورًا بعمدة جحدم المراوغ، وانتهاءً بسميرة عشيقة الخط، ورشيدة زوجته، وفضة أمه، وهلال ابنه الصغير.
ملحمة هائلة نُسجت بطريقة فذّة، وبصراعٍ لا يهدأ ولا ينتهى إلا بقتل الخط، بعد استدراجه لتسلُّم فدية صبى اختطفه. اللافت حقًّا أن هلال لا يجعل من نفسه «سوبرمان»، وإنما ينقل مشاعره العاطفية والإنسانية، ويتحدث عن هواجسه ومخاوفه ولحظات رعبه، ويقول إنه لم يقبل مهمة مطاردة الخط إلا بعد أن صدرت وثيقة تأمين على حياته، مقابل مبلغ كبير يُدفع لزوجته وابنه حال مصرعه؛ لأن احتمالات مقتله كانت مرجّحة، بل ومسلّمًا بحدوثها.
ليست التفاصيل ولا البناء الشيق وحدهما عنوان المفاجأة، وإنما لحم التاريخ الحى الذى يوثقه الكتاب، وأعنى بذلك «التاريخ غير الرسمى»، أو «التاريخ من أسفل»، حيث نرى صورة تفصيلية غير مقصودة بالطبع للحياة فى الصعيد فى ذلك الوقت، من وصف الجبل والأحواض والقرى الفقيرة، ودور المرأة الخطير والمؤثر (كأم وكزوجة وكعشيقة)، إلى العلاقة بين العمدة والمآمير، وحى البغاء فى أسيوط، بل ودور الجيش فى مطاردة الخط، حيث عرض الجيش دكَّ منطقة كان يختبئ فيها الخط بالمدافع والطائرات، ولكن تم التراجع عن الفكرة؛ لأن المكان مأهول بالسكان.
وهناك معلومات غريبة كثيرة لها دلالة اجتماعية، مثل وجود مفتى ووكيل لعصابة الخط، يحلل لهم ويبيح القتل والسلب، اسمه عواد، والأغرب أنه درس لعدة سنوات فى الأزهر!
هناك توازن مذهل بين تشويق المطاردة، وبين اكتشاف اللحظات الإنسانية فى قلب كثير من المواقف: سميرة العشيقة مثلًا أُجبرت على أن تكون وسيلة لاستدراج الخط برقصها فى المولد، فيبرع هلال فى وصف صراعها الداخلى بين حبها للخط، وهذا القهر والإجبار. ومن اللحظات الدرامية البديعة إنكار زوجة الخط وأمه أن جثته لشخص يعرفانه، ثم انهيارهما بالبكاء والصراخ والعويل، بعد أن فشلتا فى تحمل الادعاء والإنكار، أمام هول مشهد جثة الخط المثقوبة بنحو 97 عيارًا ناريّا.
فى هذه الملحمة بطلان: أحدهما ظاهر هو «الضابط هلال»، والثانى مستتر، ولكنه يحرك الدراما كلها، وهو «الخُطّ»، وهلال يعرف قدر خصمه تمامًا، ويعترف بذكائه الخارق، وخصوصًا توقّعه لمكامن الخطر، وهذه ميزة الخط الكبرى، لأنه لم يكن قويّا فى استخدام السلاح، ولا شجاعًا فى المواجهة، وإنما كان كتلة من الذكاء والدهاء.
الخُطّ فى عيون هلال ليس فقط هذا الشاب الوسيم أصفر الشعر والشارب، وأخضر العينين، ولكنه ينقل أيضًا عن سميرة، عشيقته، جانبًا رقيقًا وربما رومانسيا فى شخصية الخط، من دون تجاهل وحشيته، ولا استهانته بالأرواح.
هناك كذلك خطوط قوية تصل بين الشخصيات على اختلاف مواقعهم، فالمأمور عبد الحق الرفاعى حائر بين أبوته لهلال، وبين رغبته فى أن يغامر مرءوسه الكفء بالذهاب لضبط الخط فى وابور المياه، وهلال لن يلتقى الخط إلا بعد مقتله ورؤيته جثةً، ولكن حياتيهما ومكانتيهما ومصيريهما يربطها خيط وثيق، والعلاقة بين امرأة الخط وزوجها أيضًا عجيبة، إلى حد أنها تمنّت أن تقتله بالسم؛ لأنه تركها مع وليدها فقيرة بائسة، أما الأم فضة فهى أقرب إلى بطلات الدراما الإغريقية، ومشهدها أمام جثة ابنها من أغرب ما قرأت.
كانت جغرافيا القرى والجبال فى حاجة إلى خريطةٍ مرسومة، مثلما افتقدنا تاريخ نشر الطبعة القديمة للكتاب، وكان سيثرى الكتاب ملحقٌ خاص إضافى بصور أبطاله، وبالمناسبة فإن الوحيد الذى حقّق تفاصيل ليلة الخط الأخيرة، كما يقول هلال، هو الصحفى محمد حسنين هيكل.
يتجاوز الأمر عندى توثيق مطاردة مجرم شهير، إنها حكاية بشر وأماكن ودراما واقعية، يمر بها التاريخ الرسمى مرورًا عابرًا، أو قد لا يذكرها على الإطلاق.