أصداء «قانون الوراثة» - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 3 مايو 2026 4:29 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

أصداء «قانون الوراثة»

نشر فى : السبت 2 مايو 2026 - 5:10 م | آخر تحديث : السبت 2 مايو 2026 - 5:10 م

صدرت رواية «قانون الوراثة» لمؤلفها ياسر عبد اللطيف لأول مرة فى العام 2002 عن دار ميريت، فحملت ملامح كتابة جديدة ومختلفة، تعبّر عن صوت خاص، بقدر ما تنقل ملامح جيل متمرد على السائد والمألوف.


وبعد 24 عامًا، صدرت «قانون الوراثة» هذا العام فى طبعة جديدة عن دار الكتب خان، دون أن تفقد طزاجتها، ولا تفردها، وربما أثارت اليوم أصداء أكبر، بما تطرحه من قضايا وأفكار جمالية تتعلق بالشكل الأدبى واللغة وطريقة السرد.


أول ما يستحق التأمل أن هذه السردية تفارق الشكل التقليدى للرواية، دون أن تفتقد سحر النوع الأدبى، ولا جاذبية الحكى. ليس لدينا ذلك البناء المتماسك، ولا تلك الجداول التى تتفرع من النهر الكبير، ولا توجد حبكة تقليدية تفضى إلى تعقيد وحل.


على العكس من ذلك، فإن لدينا تفككًا وتفرّقًا للحكايات، رغم أن السارد واحد، ورغم أننا نتعرف على عائلته وأصدقائه، ورغم أنه يحكى عن عابدين، وعن المعادى، ولكن بدون أى رابط موضوعى أو سببى، وبانتقالات حرة كاملة.


لدينا شخصيات كثيرة، تُذكر بأسمائها أو بصفاتها، بعضها يُحكى عنه تفصيلًا كالجد المؤسس، أو القريب غريب التصرفات أحمد شاكر، ومعظمها يظهر فاعلًا فى الحدث دون مقدمات، وكأننا نعرفه من قبل، ومثلما تظهر الشخصية فجأة، يمكن أيضًا أن تختفى فجأة. الأب والأم، وشخصية اسمها دنيا مثلًا، كائنات شبحية عابرة.


ورغم طرافة السرد والحكايات، فإنها تترك القارئ معلّقًا فى الفراغ، لأنها لا تروى ظمأ، ولا تكمل معرفة، وقبل أن تندمج، يحدث البتر والانتقال الزمانى والمكانى!


وبينما تتعدد الأمكنة (من النوبة إلى عابدين، والمعادى، والعين السخنة، وجامعة القاهرة)، وتتعدد الأزمنة (العصر الملكى، والستينيات، والثمانينيات، والتسعينيات)، يتضاءل السرد وينضغط ويتكثّف (نحو 92 صفحة من القطع الصغير)، والأهم من ذلك أن النص يقع فى منطقة ملتبسة بين سيرة (يفترض أنها تحكى فقط عما وقع، بصرامة محضر البوليس وتفصيلاته)، وسرد روائى فنى يُفترض أن يكون قانونه الخيال والحتمية الفنية. ويصح هنا، «تجاوزًا»، أن نستدعى مصطلح «قانون»، ارتباطًا بعنوان الرواية، رغم أن السرد يكسر كل القوانين السردية.


لا تستطيع أيضًا أن تنفى عن النص سرديته الفائقة، ولا أن تريح نفسك فتقول إنه مجرد خواطر حرّة، لأن فيه بناءً فنيًا ماكرًا، ينتقل من «الراوى العليم» الذى يقدم فى سطور بطله معدوم الاسم، وعائلته، وعالمه الذى سيتحرك فيه، ثم يتحدث البطل بنفسه فى بقية اللوحات، متعمدًا القفز والتنقل والاختزال والبتر، لنكتشف أن لدينا قانونًا خفيّا اخترعه السارد.


ليس هو قانون التماسك والوحدة، وإنما قانون الانفصال والاستقلال، وليس قانون الترتيب المنطقى، وإنما قانون التداعى الحر، وليس قانون التعميق والتفريع، وإنما قانون المرور العابر، وكأنه يتجوّل فى متحف حياته، أمام فتارين زجاجية، حُبست فيها بعض المواقف والشخصيات.


ومثلما تبدو الحياة شحيحة وضنينة على بطلنا، على الأقل من وجهة نظره، فإنه يقتصد فى الكلمات، مكتفيًا بالضرورى والمعبّر، واستلهامًا من مادة الواقع نفسه، بل ويبدو كما لو أن العالم كله قد حلّ فى داخله، مثل أى فنان تعبيرى، يصبغ الصورة بألوانه الذاتية، ويضبط العالم على إيقاعه.


وبينما نتصور أن السارد وحده هو الذى يمسك بذلك النثار الطائر فى الهواء، نكتشف أن العنصر الخفى الأهم هو تلك التيمات المتكررة فى حيوات وشخصيات الحكايات، والتى تثبت قانون الوراثة، بحيث يكرّر الحفيد اغتراب وتمرد وفوضى البقاء فى الهامش على طريقة الجد، وعلى طريقة القريب الأغرب أحمد شاكر.


ليست الأسباب واحدة، وليس جيل الأزمة ومظاهرات حرب الخليج مثل جيل المهاجرين من النوبة إلى العاصمة، وليست أزمة دارس الفلسفة، وحامل الشعارات الكبرى، والأسئلة التى لا إجابات لها، مثل مأزق البارمان الذى صار موظفًا محافظًا ومتدينًا، ولا هى بالتأكيد نفس ظروف الأب الغامض العائد من الخليج، ولن نجد شخصيات متطابقة الظروف والمصائر بين رفاق صالة تنس الطاولة، ولا زملاء الجامعة، ولكن تيمات الاغتراب والتهميش والتمرد والتقلب واحدة، مع حالة أقرب إلى القلق الوجودى اليائس، ممتزجة بتنويعات هروبية كثيرة، أوضحها الهروب إلى الحشيش.


كل ذلك يسرى سريانًا خفيّا وقويّا مثل الدم فى عروق النص، وهذا بالضبط سبب شعورنا بوحدة تخرج من قلب هذا التفكك، أو لعلها وحدة سببها هذا التفكك، بمعنى أن الخيبات متواترة بين عدة أجيال، رغم كل الاختلاف فى التفاصيل. هل يعنى ذلك أن تلك الأفكار كانت واضحة فى ذهن ياسر عبد اللطيف وهو يكتب «قانون الوراثة»؟


لا أعتقد ذلك على الإطلاق، بل على العكس، كان كل شىء غائمًا وملتبسًا، ولكن كانت هناك طاقة سرد عارمة، ورغبة لا تقاوم فى الفضفضة، وفى التقاط أجواء وأحوال وحالات ضياع وخيبة، وفى معالجة مزيج معقد من التأمل الخارجى والاستبطان الداخلى، مع محاولة محو المسافة بين لغة الكتابة ومادتها، دون معرفة لآفاق النجاح.


من حصاد هذه النوايا والرغبات كُتب النص، دون خوف أو انشغال بالشكل والتصنيف، مع لمسات تالية، فيما أظن، منحت النص عناوين وأبوابًا، وفى لحظة ما، انتهت الرغبة فى الحكى، فتوقف السرد. هكذا أتخيل ما حدث، لأنه لو حدثت هندسة كاملة سابقة، لصار النص معبّرًا عن التماسك، فيما كانت جماليته الكبرى فى تعبيره عن حياة مفككة، بل ومفتّتة، حرّة وغريبة وضائعة.


«التفكك» عيب خطير فى السرد التقليدى، ولكنه هنا هو الحكاية نفسها، والنقص مشكلة فى النص الكلاسيكى، ولكنه هنا هو عنوان الحياة كلها، لأننا فى مقام الحيرة والقلق، والبحث عن مرفأ وأمان فى فراغات الأزمان.


المادة فرضت شكلها، أو بمعنى أدق «لا شكلها»، لأن الكاتب حائر مثلنا، وليست لديه إجابات. والرواية ليست شكلًا مغلقًا، ولكنها أوعية مستطرقة للحكى والتعبير، ومحاولات متصلة للبحث عن معنى لرحلات عجيبة، نتمنى أن يكون لها معنى.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات