كان صيف ١٩٩٠، وكانت الجلسة لصُحبة المدرسة فى شقة سكندرية صغيرة يملكها والد أحدهم.
كنا سعداء بممارسة حريتنا الشخصية، ونحن نتأرجح بين مراهقة لم تغادرنا، وشباب ينقلنا بين مرحلتين وعالمين.
بدا الحماس مسيطرًا، والغرفة لا تسع انفعالات الحاضرين وحماستهم الهادرة أمام شاشة التليفزيون، بينما يدخل لاعبو منتخب مصر الكادر.
كانت المباراة هذه المرة مختلفة. تحلق المصريون أمام كل شاشة تنقل عودة منتخبهم إلى كأس العالم بعد غياب تجاوز خمسة عقود.
امتلأ فضاء الغرفة بالتعليقات والأصوات، وانتظر الجميع أن تهبط عدالة السماء على باليرمو فى جنوب إيطاليا حيث صك العبارة المعلق التاريخى محمود بكر.
أتذكر كيف كان لكل من أصدقائى أسلوبه الخاص فى إعلان الحماس أو التعبير عن التوتر. عشرة من الشباب الذين نشأوا معا على اختلاف طباعهم وعاداتهم، قدر لهم الله الانصهار معا من أول أعوام الدراسة وحتى نقاش من بقى منهم اليوم لما ستكون عليه حياتهم بعد التقاعد البادى فى الأفق.
حسام، وأحمد مثالا من هؤلاء الأصدقاء.
نذر الأول ٢٠٠ ركعة لله لو انتهت المباراة بلا هزيمة، ثم كان أن حصل حسام حسن اللاعب فى نسخته الشابة، على ضربة الجزاء.
قبل أن يصفر الحكم إيذانًا بإطلاقها، كان نفس الصديق قد نذر ٣٠٠ ركعة إضافية لو أن كرة ركلها مجدى عبد الغنى سكنت الشباك الهولندية.
صلى صديقى كل ما نذر لله من ركعات تراكمت فى حالة المواجهة مع إيرلندا، وانقطعت بعد الهزيمة الأخيرة أمام إنجلترا.
كان حسام وما زال، فياضًا فى كل مشاعره، مبالغًا فى كل مواقفه، يحلق فرحًا بلا سقف، ويغرق حزنًا بلا قاع.
أما أحمد، صديقى الثانى فقد كان ولا يزال أيضًا، معروفًا بالشراهة فى كل ما يفعل، وبفرط الحركة فى أى مكان. أفرغ كل انفعالاته فى كل ما يجد أمامه. سجائر، مشروبات، أكلات. كل ما تطاله يداه قابل للاستهلاك أو الالتهام فى محاولة مضنية للهرب من التوتر، وتشتيت الذهن والأعصاب بعيدًا عن حقيقة التفاوت المرعب فى المستويات الفنية والبدنية بين المنتخبين.
• • •
نفس الشخصيات جلست أمامى يوم الجمعة الماضى عندما تحلقت أجيال جديدة تتابع مباراة مصر وأستراليا. مرة أخرى، اختلف كل شىء باستثناء الأسماء.
جلست مع من تيسر حضوره من المجموعة ذاتها، وقد زاد على العمر عمر، وبقيت العيون على حسام حسن ورجاله.
لم أتوقف عند ما يفعله صديقاى هذه المرة.
كانت شحنات الأمل والتوتر تسيطر على الجميع فى مزيج غريب.
أجيال جديدة حولنا فى مكان عام، جلست تبحث عن نفس الحلم، ونفس الأمنية، وصرخات انفعال ترتفع للسماء مع كل ركلة .
توقفت أمام لقطات وجه حسام حسن الذى بدا لى وكأنه وجه تمثال مصرى قديم فى المتحف المصرى.
كان الرجل فى الملعب من ٣٦ سنة، وهو اليوم يقف على الخط بنفس انفعالات كل مصرى من ملايين المتابعين على خطوط أخرى على بعد آلاف من الأميال.
أسرنى وجه حسام حسن. أتابعه هذه المرة بفهم أكثر لما يمر به من انفعال، وما يقع عليه من ضغوط.
طال الوقت، وانطلقت ركلات الجزاء، وبدا وجه الشاب العظيم محمد صلاح وكأن قلوب المصريين كلها قد تجمعت نبضاتها فى قلبه حتى ضاق، وكاد أن يقفز من عينيه التى نظر بها إلى الكرة سائلا توفيق الله ومدده.
لم تكن مباراة كرة قدم. كانت نموذجًا لما يمكن أن يكون عندما تكون مؤهلًا أولًا، ثم تبذل الجهد مخلصًا ويحيط بك رجاء الملايين وثقتهم فيما يتابعوه.
الفرح والسعادة التى انفجرت فى شوارع القاهرة كانت انعكاسًا لما انتظره المصريون وتوقعوه سواء كانوا من متابعى ومشجعى كرة القدم أو من خارج دائرتهم الكبيرة.
• • •
انفضّت الجماعات المحتفلة بعد الفجر، وعاد كلٌ من حيث جاء، وأطلت مرة أخرى عادة النظر إلى شاشة التليفون الصغيرة، عادوا ليجدوا حسام حسن بسلوكه وعاداته، ولغة جسده التى ميزته وأكدت نسبه وانتماءه لمجتمعه. وجدوا حسام حسن الذى لم تنفصل قسماته الخارجية عن قلبه و خواطره مازال واقفا هناك وسط أشهر مدن الغرب، فى دالاس عاصمة النفط الأمريكى. وجدوه واقفا فوق كتفه علم بلده مصر، وفى يده علم فلسطين.
وجدوه ضميرًا مصريًا، نقيًا، تلقائيًا، فى اللحظة التى ينظر لها العالم يقول:
«هذا فوز لمصر وفلسطين. رحم الله شهداءنا وشهداءكم».
أعظم ما فى هذه المباراة أنها كانت أكبر وأوسع من ملعب محدود المساحة، تجرى فيه الأقدام أمامها كرة، وتتحقق فيه الأهداف.
أعظم ما فى هذه المباراة، أنها منحتنا فكرة مصرية خالصة الصناعة عما يمكن أن يكون.
لكل ما سبق قديمًا، وجرى حديثا، سجل حسام حسن ورجاله تاريخًا شخصيًا لى، ولغيرى من ملايين المصريين، ولذلك أنا له من الممتنين الشاكرين.