كانت أمور كثيرة فى لبنان قد تبدلت حين كُلِّف نواف سلام بتشكيل ما سماه البعض «الحكومة الأولى فى الجمهورية الثانية»، أى جمهورية الاستقلال الجديد، ليس عن الانتداب الفرنسى هذه المرة، بل عن الهيمنة الإيرانية على لبنان من خلال جزء من أبنائه. عند ذلك التكليف، شعرتُ بما شعر به معظم الذين يقدِّرون ابن العائلة السلامية، المنتمى منذ صباه إلى الفكر التقدمى وإلى القيم الأكثر وضوحا فى يساريتها فى هذا الفكر؛ شعرتُ بنوع من الإشفاق على الرجل والبلد، رغم «استقلاله»، لا يزال رابضا تحت ألف خطر وخطر، بين لؤم إسرائيلى وتحفز إيرانى، والعديد من المشاكل الداخلية الناتجة فى معظمها عن إصرار جماعة إيران فى لبنان على القطيعة مع الغرب، كما مع بلدان العالم العربى، ولا سيما المملكة العربية السعودية، والاثنان هما عادة ضمانة للبنان مهما كان وهن هذه الضمانة.
كان مصدر الإشفاق على نواف سلام كون الوضع السنى فى لبنان، كما يُفترض به أن يمثله، قد بات منذ زمن أوهى من خيط العنكبوت، إلى درجة أن منصب رئيس الحكومة، وهو منصب سنى عرفا، مقابل مارونية رئيس الجمهورية وشيعية رئيس مجلس النواب، بات من الضعف واللامعنى خلال الهيمنة الإيرانية، بحيث إن فؤاد السنيورة نفسه، والذى تبدى خلال سنوات حكمه رجلَ دولة حقيقيا، ولا سيما خلال حرب العام ٢٠٠٦ بين العدو الصهيونى وجماعة حزب الله فى لبنان، سيكون حتى مجىء نواف سلام إلى المنصب آخر رئيس حكومة كبير فى البلد، ولا سيما حين جوبه تمام سلام، خلال الفترة التى تسلم فيها المنصب، بكونه هدفا لما سُمِّى «ثورة ٢٠١٥». وهى ثورة شعبية اندلعت لمطالب محقة، لكنها سرعان ما تحولت، بأوامر إيرانية، إلى محاولة جدية لإزالة السنة عن الحكم، تواكبت مع بدء الدول العربية بالابتعاد عن لبنان الذى تُرك لقمة فى فم التنين الإيرانى، وربما عبر ما تأسس فى ذلك الحين من تحالف أقليات همه استبعاد السنة من الحكم فى هذا البلد.
كان تمام سلام ضحية ذلك التحالف و«ثورته». ومن هنا بات واضحا أن كل حكم مقبل على البلد سيتم من دون السنة عمليا، حتى وإن أُبقوا فى المنصب حتى إشعار آخر، ما حوَّل المسئول السنى الأول فى البلاد إلى دمية. وهو ما حصل بالفعل، وليجعلنا لاحقا نشفق على نواف سلام من خوض تلك المغامرة.
ولنعترف هنا أننا كنا مخطئين، أو أن التطورات الجديدة التى أعقبت أحداث السنتين الأخيرتين، ولا سيما فى سوريا التى انقلبت خاصة على إيران، وفى المنطقة عموما، إذ شهدت تقلص هيمنة البعبع الإيرانى وبداية اندحاره؛ هذه التطورات حتمت أن يقبل نواف سلام هذه المرة بتسلم منصب رئاسة الحكومة، حتى ولو أنه حصره فى زعامة سنية لم يتطلع إليها فى حياته، وسط مناورات ومداورات تشبه السياسات اللبنانية البائسة. هو الذى اضطر لخوض هذه «المغامرة» الجديدة فى حياته إلى التخلى عن مكانه فى المحكمة الدولية، بل حتى عن مستقبل أممى كبير كانت تؤهله له ليس فقط مكانته تلك كقاضٍ دولى، ولا تاريخه المهنى، بل أيضا ثقافته وأفكاره المنفتحة على العالم، ودبلوماسيته التى لا تشبهها فى الحقيقة دبلوماسية أى مسئول فى لبنان.
فى الحقيقة، إن نواف سلام لم ينتظر تحليلاتنا التبريرية، فى معظمها، فى ذلك الحين، على الأقل، قبل أن يقبل بخوض المغامرة وتنحية مستقبل كبير كان ينتظره لاستعادة مكانة فريق من اللبنانيين له امتداداته العربية والعالمية. بل نراه يصدر فى تلك الأثناء كتابا عنوانه «لبنان بين الأمس والغد»، لا بد اليوم من قراءته، إذ إنه فى حقيقته يمثل مشروع حكم لعقل يتطلع إلى إنقاذ هذا الوطن الصغير واستعادة مكانته العربية والعالمية، وتخليصه مما أوصله إليه مشروع الهيمنة الإيرانية من ناحية، ومشروع «تحالف الأقليات» المرتبط به من ناحية ثانية.
بالنسبة إلينا نحن أصدقاء نواف سلام المشفقين عليه، كنا نعرف أن مهمته مستحيلة، وكنا نتصور الرجل سئوما دون القيام بها. ولكن علينا الاعتراف أنه، واضعا فى جيبه، على أية حال، خطاب الاستنكاف والانسحاب من الحكم، الذى يُؤثر عن الرئيس فؤاد شهاب حين تبين له استحالة حكم هذا البلد أمام قذارة المحيط بأكمله، خاض الرجل اللعبة، وها هو يخوضها بقوة عوضت على ابن عمه تمام سلام ما تعرض له حين أسقطته وأفشلته تحالفات ما كان يتصور أن تقوم فى وجهه يوما، كما أنه فى الوقت نفسه أعاد الربط بين المنصب السنى الأول فى البلاد وبين ممارسات الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة فى واحدة من أصعب المراحل التى مرت بلبنان وعروبته.
تلكم هى اليوم حكاية نواف سلام مع الحكم فى لبنان، وذلكم هو الصراع الذى يخوضه، إنما دون التخلى عن نظرته غير الطائفية إلى البلد، وهو يسير فى هذا فى بحار من رمال متحركة، ولكن فى أقدام لم نكن، لا نحن ولا الآخرون، نحسب لها حسابا؛ أقدام من استعاد إلى المنصب نفسه كرامته، وإلى السنة العروبيين فى لبنان مكانة فُقدت منذ عشر سنين، ولعل دمعة ذرفها فؤاد السنيورة فى ذلك الحين حزنا على لبنان، وقد أوقعته حرب ذلك العام بين براثن الإسرائيليين وحماقات إيران وجماعتها، قد عبَّرت عنها خير تعبير.
طبعا، بالنسبة إلينا، حتى وإن كنا نراقب اليوم ممارسات نواف سلام وما يتعرض له، ودائما مشفقين ولكن مدهوشين أيضا، لا بد من أن نختم بأننا نخشى أن يدمر ذلك كله مشروع نواف سلام الفكرى الحضارى على مذبح الكلمات المقاطِعة اللبنانية والشرق أوسطية. لكننا لا نملك، فى المقابل، ومهما كان غيظنا كبيرا، إلا أن نحس بالكثير من العنفوان أمام «واحد منا»، وضع فكره وروحه على كفه لكى ينقذ الوطن الصغير، مؤجلا مشاريعه الفكرية الكبرى المتعلقة حقا بالعالم الكبير.