في لحظة دخول الفريق الرياضي إلى الملعب، تتداخل مجموعة من العناصر الرياضية تبدأ من هتافات جماهيرية إبداعية منسقة بموسيقى موحدة، ولافتات تشكل "دخلات جماهيرية" بعمل جماعي صمم بعناية توثيقًا وتمييزًا لمباراة بعينها أو تنبؤًا بنتيجة رياضية منتظره، قد تبدو هذه اللحظة انفعالًا رياضيًا خالصًا، لكنها في حقيقتها ليست مجرد تشجيع؛ بل "إبداع" متكامل العناصر، له مبدعوه، وله هويته، وله أيضًا ما يحيط به من أسئلة حول دور الملكية الفكرية في الرياضة.
في السادس والعشرين من شهر أبريل كل عام، يمر الاحتفاء بـاليوم العالمي للملكية الفكرية مرورًا هامشيًا لدى كثيرين، بوصفه مناسبة توعوية حول براءات الاختراع أو العلامات التجارية أو حقوق المؤلف أو غيرها من تطبيقات الملكية الفكرية، حسبما ترتأي المنظمة العالمية للملكية الفكرية في تحديد موضوع احتفاء العام.
وإذ جاء موضوع الاحتفال لعام 2026 تحت عنوان "الملكية الفكرية والرياضة"؛ متماسًا مع أكثر الأنشطة الإنسانية انتشارًا وجماهيرية، ما يطرح لدينا تساؤلًا يتجاوز الإطار التوعوي المعتاد، لنراه بعين متخصص في الملكية الفكرية ورؤية مهتم بالتراث الحي، تساؤلًا منصبًا على مدى إمكانية النظر إلى الرياضة لا باعتبارها صناعة واستثمار فحسب، لكن بوصفها وعاءً للتراث الثقافي غير المادي (التراث الحي)؟
ومن هنا تحديدًا يبدأ التساؤل هل ما نشهده داخل الملاعب مجرد ممارسة رياضية في معناها التقليدي، أم أننا أمام صناعة مركبة تتداخل فيها الرياضة مع الملكية الفكرية؟
الإجابة، في تقديري، تبدأ من الوقوف على تعريف "الرياضة" ذاتها.
فالرياضة، قبل أن تكون قطاعًا اقتصاديًا عالميًا، كانت –ولا تزال– ممارسة اجتماعية وثقافية، تتوارثها المجتمعات جيلاً بعد جيل، وتعكس منظومة من القيم والمهارات والتقاليد؛ فالرياضة في مفهوم أوسع وأشمل لا تقف عند: الرياضات الأوليمبية المعترف بها مثل (ألعاب القوى أو السباحة أو كرة القدم أو كرة اليد وغيرها)، والرياضات المعترف بها وغير مدرجة أوليمبيًا مثل (الكاراتيه أو الإسكواش – المدرج للمرة الأولى أوليمبيًا في أولمبياد لوس انجلوس 2028) والرياضات غير الأوليمبية مثل (الرياضات الإلكترونية، والرياضات القتالية)، بل تمتد لتشمل كل نشاط بدني يمارس فرديًا أو جماعيًا بما يتجاوز غرض الترفيه إلى تعزيز الروابط الاجتماعية وتدعيم الاستثمار الاقتصادي.
وهو ما يتوافق مع تعريف اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي في اتفاقية 2003 الذي عرفته بأنه يشمل الممارسات والتعبيرات والمهارات التي تعترف بها المجتمعات بوصفها جزءًا من هويتها، وهو ما ينطبق على طيف واسع من الألعاب والرياضات التقليدية.
في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى مبادرة أطلقتها هيئة الموسيقى السعودية المؤسسة عام 2020 بالتعاون مع الجمعية السعودية للمحافظة على التراث المؤسسة عام 2010، لتوثيق "أهازيج الملاعب السعودية" عام 2023، والتي تهدف إلى جمع وتوثيق أهازيج وهتافات الجماهير الخاصة بالأندية، باعتبارها جزءًا من الهوية السمعية للرياضة، وتحويلها إلى مادة أرشيفية وإبداعية قابلة لإعادة الاستغلال.
وتكشف هذه التجربة عن تحول مهم في النظر إلى صوت المدرج، من مجرد انفعالًا لحظيًا، إلى كونه عنصرًا من عناصر الإبداع الجماعي الذي يمكن أن يخضع –في جزء منه– لمنطق الحفظ والتنظيم والاستثمار.
في مصر، لا يبدو هذا الطرح نظريًا أو موضع مقترح تجريبي محتمل، فـالتحطيب على سبيل المثال، ليس مجرد لعبة شعبية، بل ممارسة تراثية حية ضاربة في الجذور، أدرجتها اليونسكو عام 2016 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي يتم ممارسته في مصر، بدلالاته التي تجمع بين المهارة البدنية، والرمزية الثقافية، والطقوس الاجتماعية، بما يجعله نموذجًا واضحًا لـلرياضة التراثية.
غير أن الإشكالية تبدأ حين تنتقل هذه الممارسات من المجال المجتمعي إلى المجال التجاري والاستثماري.
لقد شهدنا، في السنوات الأخيرة، حالات متعددة لاستلهام عناصر تراثية في منتجات أو فعاليات رياضية عالمية، دون ارتباط حقيقي بالمجتمعات التي أنتجتها، ولعل أبرز هذه الأمثلة -ما سبق وأشرنا له في مقال سابق- استخدام نمط "الزليج" الزخرفي المغربي في تصميم قميص أحد المنتخبات ما أثار جدلًا واسعًا حول استلهام عنصر تراثي دون إسناد كافٍ لسياقه الثقافي، وما استتبعه من موائمات اقتصادية تعويضية لإنهاء الجدل والنزاع.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون النقاش حول حق قانوني فقط، بل حول هوية ثقافية، وهنا تحديدًا تتقاطع الملكية الفكرية مع التراث الحي، حيث يكون المخرَج دائمًا تبني تنظيم الاستغلال من خلال نماذج قانونية قائمة على الترخيص بالاستغلال ممن يملك هذا الحق مع تقاسم المنافع الاقتصادية، بما يضمن عائد عادل للمجتمعات المحلية تكون لها مصارفه التنموية، كحقوق مالية أبدية، مع التأكيد على خصوصية المجتمعات في نسبة الإبداع إليها واحترامه وعدم الانتقاص منه كحقوق أدبية.
فعلاقة التراث غير المادي بالرياضة أمر واقع وجزء من ثراء ومرونة الملكية الفكرية، ولا يقف عند ممارسة رياضة تراثية، وإنما يتغلغل داخل كل ما يتصل بالرياضات على اختلاف تصنيفها، ولا يعقل أن يكون محفوظًا في السجلات أو المتاحف التراثية، لكن الأهم أن ينتقل الاهتمام به من منطق "الحماية" إلى منطق "التفعيل الاقتصادي"، من خلال كل قطاعات الاهتمام بهذا الملف سواء قطاع الجهات الإدارية الرسمية المعنية مثل "الجهاز المصري للملكية الفكرية" الذي يُأمل في خضم ازدحام ملفاته أن يضطلع بدوره في إعادة إدماج هذا التراث غير المادي في الاقتصاد الثقافي، أو قطاع العمل الأهلي من جمعيات أو مؤسسات أو مبادرات لدعم الدور الرسمي في هذا المجال.
وليكن –على سبيل المثال– تعاون بين وزارة الشباب والرياضة والجهاز المصري للملكية الفكرية لتنظيم بطولات رسمية لرياضات تراثية مثل التحطيب، تُدار وفق قواعد موثقة، وتحظى بهوية بصرية محمية، وتُبث عبر منصات إعلامية، بما يخلق قيمة اقتصادية، دون الإخلال بأصالتها، أو غيرها من الشراكات الحكومية وغير الحكومية.
في هذه الحالة، لا تصبح الملكية الفكرية مجرد أداة دفاع، بل تتحول إلى أداة بناء وتنمية.
ومن ثم، فإن موضوع الاحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية هذا العام لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه دعوة لدعم الابتكار في الرياضة الحديثة، بل كفرصة لإعادة طرح سؤال أعمق: كيف نحول تراثنا الحي إلى مورد مستدام، دون أن نفقده روحه؟
ربما لا تكمن المشكلة في نقص القواعد القانونية، بل في التأخر في التفعيل، وربما أيضًا، قبل أن نسأل كيف نحمي تراثنا؛ ينبغي أن نسأل: هل أحسنا التعامل معه باعتباره موردًا اقتصاديًا للمستقبل، أم اكتفينا باستدعائه على هامش افتتاح المسابقات الرياضية -أحيانًا-.
د. أحمد سعيد عزت عامر
دكتور القانون المدني
خبير الملكية الفكرية والتراث الثقافي
حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم القانونية والاقتصادية