بعد أكثر من 100 عام على صدور القانون رقم 25 لسنة 1920، الخاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية، وما تبعه من قوانين متفرقة لتنظيم قضايا الأسرة، تتحرك الدولة المصرية نحو إصدار حزمة تشريعية جديدة تستهدف إعادة تنظيم ملف الأسرة في إطار أكثر شمولًا، يجمع المسائل المتعلقة بالزواج، والطلاق، والنفقة، والحضانة، والرؤية، والاستزارة، وإجراءات التقاضي، وتنفيذ الأحكام.
ويأتي هذا التحرك في ظل واقع قانوني ظل لعقود طويلة موزعًا بين عدد من القوانين والتعديلات، من بينها القانون رقم 25 لسنة 1920 الخاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية، والقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، والقانون رقم 1 لسنة 2000 لتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، والقانون رقم 10 لسنة 2004 الخاص بإنشاء محاكم الأسرة.
وفي 13 أبريل 2026، صدرت توجيهات رئاسية بسرعة الانتهاء من إعداد وتقديم مشروعات القوانين المنظمة لشؤون الأسرة المصرية، بما يشمل قانون الأسرة، وقانون الأسرة للمصريين المسيحيين، ومشروع صندوق دعم الأسرة، تمهيدًا لمناقشتها داخل البرلمان وإصدار تشريعات جديدة تتعامل مع ملف الأحوال الشخصية بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطًا باستقرار المجتمع وحماية الأطفال.
وتحركت الحكومة بعدها بوتيرة متسارعة؛ ففي 22 أبريل 2026، وافق مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي على مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، والذي تضمن تنظيم أحكام الخطبة، والزواج، وأسباب التطليق والبطلان، والانحلال المدني لبعض الطوائف، والحضانة، والرؤية، والاستزارة، والولاية التعليمية، والنسب، والمفقود، والمواريث، وغيرها من المسائل المرتبطة بالأسر المسيحية.
وفي 29 أبريل 2026، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون بإصدار قانون الأسرة، الخاص بتنظيم مسائل الأحوال الشخصية للأسر المسلمة، تنفيذا للتوجيهات الرئاسية بسرعة إحالة مشروعات قوانين الأسرة للمسيحيين والمسلمين وصندوق دعم الأسرة إلى البرلمان. ويتضمن المشروع 355 مادة موضوعية، موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية تشمل الولاية على النفس، والولاية على المال، وإجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة.
وفي 4 مايو 2026، انتقل الملف إلى البرلمان، بعدما أحال رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي مشروع قانون الأسرة إلى لجنة مشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، ومكاتب لجان التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والشئون الدينية والأوقاف، وحقوق الإنسان، لدراسته وإعداد تقرير بشأنه. كما جرى إحالة مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين إلى اللجان المختصة، ليبدأ الملف مرحلة المناقشة البرلمانية بعد سنوات من الانتظار والجدل المجتمعي.
ويأتي هذا التحرك في ظل مؤشرات اجتماعية ضاغطة، إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، أن عدد حالات الطلاق بلغ 273 ألفًا و892 حالة عام 2024، مقابل 265 ألفًا و606 حالات عام 2023، بنسبة زيادة قدرها 3.1%، وهو ما يعكس حجم الضغوط الواقعة على منظومة الأسرة، ويمنح النقاش التشريعي الجديد بعدًا اجتماعيًا يتجاوز حدود النصوص القانونية.
- وزير العدل: القانون يستهدف تقليل النزاعات الأسرية وتبسيط الإجراءات
وفي بيان صادر عقب اجتماع مجلس الوزراء في 29 أبريل 2026، استعرض المستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل، أبرز ملامح مشروع قانون الأسرة، مؤكدًا أن الهدف الرئيسي منه هو تبسيط الإجراءات، والحد من النزاعات الأسرية، والاستعاضة عن بعضها بالحلول الودية والاتفاقية.
وكشف وزير العدل أن المشروع استحدث ملحقًا لعقد الزواج يتضمن الاتفاق على مسكن الزوجية والمسائل المالية، وجعله في قوة السند التنفيذي، بما يتيح لذوي الشأن التقدم مباشرة إلى إدارة التنفيذ بالمحكمة لتذييله بالصيغة التنفيذية، دون الدخول في نزاعات طويلة حول مسائل كان يمكن الاتفاق عليها منذ البداية.
كما نظم المشروع أحكام وثيقة التأمين التي يقدمها الشخص المقبل على الزواج، وغلب مصلحة استقرار الأسرة، خصوصًا في حالات الزواج الحديث، من خلال تبصرة الزوجين بمخاطر الطلاق أو الخلع، ومحاولة الإصلاح بينهما قبل تفاقم النزاع.
ومن بين الملامح الجديدة أيضًا، استحداث نظام الاستزارة والرؤية الإلكترونية لمجابهة حالات تعذر تنفيذ الرؤية الطبيعية، بما يضمن حصول الطفل على رعاية كلا والديه، مع جعل مصلحة الطفل بوصلة تسترشد بها المحكمة في أحكامها وقراراتها، سواء من حيث تحديد أماكن انعقاد الجلسات أو حضور الصغار وسماع أقوالهم.
وتضمن المشروع كذلك إلزام المدعي في دعاوى النفقات والأجور والمصروفات وما في حكمها بتضمين صحيفة الدعوى جميع الطلبات، حتى تُنظر في دعوى واحدة أمام محكمة واحدة، بدلًا من تعدد الدعاوى وتكرار الإجراءات، مع استمرار إعفاء دعاوى النفقات وما في حكمها من الرسوم القضائية في كل مراحل التقاضي.
ونص المشروع أيضًا على إنشاء إدارة لتنفيذ الأحكام بمقر كل محكمة ابتدائية، تختص بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم ونيابات الأسرة، إضافة إلى استخدام وسائل تقنية المعلومات في الإعلانات القضائية، وتقديم بعض الطلبات إلكترونيًا في مسائل الولاية على المال، والربط التقني بين محاكم ونيابات الأسرة وصندوق دعم الأسرة والجهات ذات الصلة.
- صندوق تكافلي لدعم الأسرة المصرية
وفي 13 مايو 2026، اكتملت الحزمة الحكومية المرتبطة بملف الأسرة بموافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون بشأن إنشاء وتنظيم “الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية”، ليحل محل “صندوق نظام تأمين الأسرة”، فيما له من حقوق وما عليه من التزامات.
ونص مشروع القانون على استمرار صرف النفقات والأجور وما في حكمها، المحكوم بها من حصيلة موارد صندوق نظام تأمين الأسرة، وفقًا للضوابط المعمول بها، حتى بدء الصرف من الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية، وذلك اعتبارًا من اليوم التالي لانقضاء ستة أشهر من تاريخ العمل بالقانون.
ويستهدف الصندوق تنفيذ الأحكام واجبة النفاذ الصادرة بالنفقات والأجور وما في حكمها، خاصة المصروفات الدراسية، عند امتناع المحكوم عليه عن السداد، إلى جانب تقديم الدعم لفاقدي العائل ممن لا يملكون مصدر دخل ثابت، بما يجعل الصندوق أحد أذرع الحماية الاجتماعية داخل منظومة الأسرة الجديدة.
وبذلك تكون الحكومة قد انتهت من المسار الرئيسي للحزمة التشريعية الثلاثية: مشروع قانون الأسرة، ومشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، ومشروع قانون الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية، في انتظار ما ستسفر عنه المناقشات داخل مجلس النواب.
- الوزراء: المشروع يجمع مسائل الأحوال الشخصية في قانون واحد
ومن جانبه، أكد المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء، في تصريحات تلفزيونية، أن مشروع قانون الأسرة الجديد يجمع مسائل الأحوال الشخصية والقواعد الإجرائية في قانون واحد، بعد أن كانت موزعة على عدة قوانين صدر بعضها قبل أكثر من 100 عام، مع الالتزام بقواعد الشريعة الإسلامية.
وشدد الحمصاني على انفتاح الحكومة على ما سيصدر عن البرلمان من تعديلات وتوصيات خلال مناقشة مشروعات قوانين الأسرة، باعتبار أن النصوص المقترحة ما زالت في مسارها التشريعي، وأن الكلمة النهائية ستكون للمناقشات البرلمانية وما تنتهي إليه اللجان المختصة.
- مشروعات قوانين من النواب ومطالب بجلسات استماع
ومع وصول الملف إلى البرلمان، تصاعدت الدعوات إلى عدم التعجل في إصدار القانون، وعقد جلسات استماع واسعة تضم ممثلين عن الجهات المعنية، وخبراء قانون، ورجال دين، ومؤسسات الطفولة والمرأة، وأطرافًا من المجتمع المتأثر مباشرة بقضايا الأحوال الشخصية.
وطالب عدد من النواب بمناقشة هادئة ومتوازنة، محذرين من أن أي اختلال في القانون سينعكس على الأسرة والمجتمع. وأشار الدكتور صلاح فوزي، عضو اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، في تصريحات صحفية، إلى أهمية عقد جلسات استماع مع الأطراف المعنية، ومنها المجلس القومي للطفولة والأمومة، لدراسة القضايا المرتبطة بالمشروع، خصوصًا أن بعض المواد تتطلب أخذ رأي الأزهر الشريف فيما يتعلق بالزواج باعتباره عقدًا دينيًا، بجانب آراء الكنائس فيما يتعلق بقانون الأسرة للمصريين المسيحيين.
كما أوضح النائب عصام هلال، عضو مجلس الشيوخ، في تصريحات تلفزيونية، أن مشروع قانون الأسرة يجب أن يحقق التوازن بين جميع أطراف الأسرة، محذرًا من أن أي تحيز في القانون قد يؤدي إلى نتائج سلبية على كيان الأسرة والمجتمع.
في حين لفت الدكتور عمرو الورداني، رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، خلال مداخلة هاتفية على قناة إكسترا نيوز، إلى أن مشروع قانون الأحوال الشخصية لن يعالج جميع قضايا المجتمع بشكل كامل، مؤكدًا أن التعامل مع المسائل القانونية المرتبطة بقضايا الأسرة يجب أن يتم بشكل مجرد، بعيدًا عن الانفعالات والآراء المسبقة، مع النظر إلى الطفولة كقيمة يجب الحفاظ عليها.
وتشهد المناقشات البرلمانية أيضًا تداخلًا بين المشروع الحكومي ومشروعات قوانين مقدمة من النواب، إذ أحال رئيس مجلس النواب في 4 مايو 2026 عددًا من مشروعات القوانين، من بينها مشروعات مرتبطة بالأحوال الشخصية، إلى اللجان النوعية المختصة لدراستها وإعداد تقارير بشأنها.
- ممثلو الكنائس يتحدثون عن قانون الأسرة للمصريين المسيحيين
وفيما يتعلق بمشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، قال الدكتور القس رفعت، الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلي وعضو لجنة صياغة القانون، في تصريحات تلفزيونية، إن المشروع يلبي كثيرًا من طموحات المسيحيين في هذا الملف، موضحًا أنه يضم أحكامًا تراعي خصوصية الكنائس المختلفة، سواء الإنجيلية أو الأرثوذكسية أو الكاثوليكية.
وأكد جميل حليم، المستشار القانوني للكنيسة الكاثوليكية وعضو مجلس الشيوخ، أن مشروع القانون يستهدف نقل المسيحيين من حالة المتاهة القانونية التي استمرت لسنوات طويلة إلى نظام تشريعي واضح يعرف فيه كل فرد حقوقه وواجباته.
بينما أشار منصف سليمان، المستشار القانوني للكنيسة الأرثوذكسية وعضو المجلس الملي العام، إلى أن مشروع القانون لا يقتصر على نصوص عقابية أو تنظيمية، وإنما يسعى إلى بناء الأسرة من البداية، مشيرًا إلى دعمه لمقترح دورات إعداد المقبلين على الزواج، بما يساعد على تقليل النزاعات قبل وصولها إلى ساحات المحاكم.
ويكتسب مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين أهمية خاصة باعتباره أول محاولة حكومية شاملة لوضع قواعد موضوعية وإجرائية في أداة تشريعية واحدة للمصريين المسيحيين، بعد سنوات من الاعتماد على لوائح متعددة، مع وجود قرابة 75 مادة مشتركة في أحكامها مع قانون الأسرة للمصريين المسلمين، وفق تصريحات وزير العدل.
- خبراء الأسرة: مصلحة الطفل يجب أن تكون محور القانون
ومن جانبها، أكدت المستشارة هايدي الفضالي، رئيس محكمة الأسرة سابقًا، في تصريحات تلفزيونية، أن التعديلات الجديدة في قانون الأحوال الشخصية يجب أن تحقق توازنًا حقيقيًا داخل الأسرة، لحماية الطفل باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا بخلافات الوالدين.
وطالبت الفضالي بتفعيل نظام النفقة المؤقتة منذ الأيام الأولى للتقاضي، لضمان حياة كريمة للأطفال حتى الفصل القضائي بناءً على التحريات ومفردات مرتب الأب، إضافة إلى تفعيل نظام الرعاية المشتركة بما يضمن لغير الحاضن الحق في رؤية أبنائه، مع توفير الضمانات الكافية للأم لحمايتها من الابتزاز أو حرمانها من أطفالها.
وتتسق هذه المطالب مع الاتجاه العام في مشروع القانون، الذي يجعل مصلحة الطفل معيارًا رئيسيًا في إجراءات التقاضي وقرارات المحكمة، خصوصًا في قضايا الرؤية والاستزارة والحضانة والنفقات.
- بين التحديث والجدل
ومع إحالة مشروعات قوانين الأسرة إلى البرلمان، تقف مصر أمام لحظة تشريعية مهمة في ملف طال انتظاره. فالحكومة ترى في القانون الجديد محاولة لتحديث منظومة الأحوال الشخصية وتبسيط إجراءات التقاضي وتقليل النزاعات، بينما يطالب النواب والخبراء وممثلو المجتمع بجلسات استماع موسعة تضمن أن تأتي النصوص متوازنة وقابلة للتطبيق.
فالرهان الحقيقي لم يعد فقط على إصدار قانون جديد، وإنما على قدرة هذا القانون على حماية الطفل، وضمان حقوق طرفي العلاقة الزوجية، وتسريع تنفيذ الأحكام، وتوفير شبكة دعم حقيقية للأسر المتضررة من النزاعات. وبين النص القانوني والتطبيق العملي، سيبقى السؤال الأهم مطروحًا داخل البرلمان وخارجه: هل تنجح المناقشات الحالية في إنتاج قانون يحقق التوازن والاستقرار للأسرة المصرية، أم تعيد الخلافات حول التفاصيل الملف إلى دائرة الجدل من جديد؟