لم يقتصر الاهتمام بمادة ثاني أكسيد التيتانيوم (TiO2) على واقعة اكتشاف إضافتها إلى عصير القصب مؤخرًا، بعدما أعلنت الأجهزة الرقابية في محافظة القليوبية استخدامها في غش عصير القصب، وإكسابه لونًا أبيض وجعله أكثر جاذبية.
فهذه المادة تشغل أبحاث العلماء منذ سنوات طويلة، في ظل استخدامها الواسع في الأغذية والأدوية ومعجون الأسنان والمكملات الغذائية، إذ تُعد من أكثر المواد استخدامًا عالميًا كصبغة بيضاء تمنح المنتجات اللون والسطوع والقدرة على مقاومة تغير اللون. وخلال هذا التقرير نوضح مدى إمكانية تراكم هذه المادة في أعضاء الجسم بعد تناولها.
هل هذه المادة آمنة على الإنسان؟
تزايدت خلال السنوات الأخيرة التساؤلات حول مدى أمان هذه المادة على صحة الإنسان، وخاصة مع احتواء بعض منتجاتها على جزيئات نانوية دقيقة للغاية يمكنها التفاعل مع أنسجة الجسم بطرق مختلفة. ولسنوات طويلة، اعتُبر ثاني أكسيد التيتانيوم مادة قليلة الامتصاص من الجهاز الهضمي، ما دعم الاعتقاد بأنها تمر عبر الجسم دون تأثيرات كبيرة.
لكن دراسات أحدث أظهرت إمكانية عبور جزء من هذه الجزيئات للحاجز المعوي ودخولها إلى مجرى الدم، ثم انتقالها إلى أعضاء مختلفة داخل الجسم. كما أشارت أبحاث سابقة إلى ارتباط تراكمها بحدوث الإجهاد التأكسدي والالتهابات، وتغير وظائف الخلايا، وتلف الحمض النووي في بعض النماذج الحيوانية.
وتهدف دراسة مراجعة منهجية حديثة، منشورة في مجلة Particle and Fibre Toxicology، إلى تقييم ما إذا كان ثاني أكسيد التيتانيوم يتراكم داخل أعضاء الجسم بعد تناوله عن طريق الفم، وذلك من خلال تحليل نتائج عشرات الدراسات التي أُجريت على الفئران والجرذان. وسعى الباحثون إلى جمع وتحليل الأدلة المتاحة بصورة منهجية لتحديد أماكن تراكم المادة داخل الجسم ومدى ارتباط ذلك بجرعة التعرض ومدته.
واعتمد فريق البحث على منهجية "بريزما" المعتمدة عالميًا في المراجعات المنهجية، وتم العثور على 3012 دراسة بعد البحث في قواعد البيانات العلمية المختلفة، وجرى استبعاد الدراسات غير الملائمة تدريجيًا حتى استقر التحليل النهائي على 54 دراسة استوفت شروط المراجعة. وشملت الدراسات جرذانًا وفئرانًا تعرضت لجرعات مختلفة من ثاني أكسيد التيتانيوم لفترات تراوحت بين جرعة واحدة فقط وحتى تعرض استمر 28 أسبوعًا.
وتشير الدراسة إلى أن الأطفال يتعرضون لهذه المادة بمعدلات أعلى من البالغين نتيجة استهلاك بعض الأغذية واستخدام معجون الأسنان، فيما تتراوح التقديرات اليومية للتعرض البشري لها بين كميات محدودة وأخرى أعلى بحسب نمط الغذاء المستخدم.
ماذا كشفت النتائج؟
أظهرت الدراسات التي تناولت التعرض الحاد أو القصير الأجل، والمتمثل في جرعة واحدة أو التعرض لفترة قصيرة جدًا، أن امتصاص المادة من الجهاز الهضمي كان محدودًا في معظم الحالات، مع وجود كميات ضئيلة فقط داخل الأعضاء المختلفة، ما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا منها يُطرح خارج الجسم بسرعة نسبية.
في المقابل، أظهرت الدراسات التي امتد فيها التعرض لأسابيع أو أشهر حدوث تراكم ملحوظ ومتزايد مع زيادة الجرعة ومدة التعرض داخل عدد من الأعضاء الحيوية. وكانت أبرز الأعضاء التي سجلت مستويات مرتفعة من التيتانيوم: الكبد، والطحال، والكليتان، وأجزاء مختلفة من الجهاز الهضمي، والدماغ.
كما رصدت بعض الدراسات تراكمه أيضًا في البنكرياس، والأنسجة التناسلية، والغدد الليمفاوية، والعظام، والقلب والكلى.
وارتبط وجوده في بعض الأعضاء بظهور تغيرات نسيجية ومؤشرات على حدوث التهابات أو اضطرابات خلوية.
الكبد والجهاز الهضمي في مقدمة المتأثرين
أظهرت نتائج عديدة أن الكبد يُعد من أكثر الأعضاء تعرضًا لتراكم التيتانيوم، خصوصًا مع الجرعات المرتفعة أو فترات التعرض الطويلة.
وفي بعض الدراسات، ارتفعت مستويات التيتانيوم في الكبد بصورة واضحة مقارنة بالحيوانات غير المعرضة للمادة.
كما أشارت بعض التجارب طويلة الأمد إلى استمرار وجود التيتانيوم داخل الكبد حتى بعد فترات ممتدة من التعرض، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الجسم على التخلص الكامل منه بمرور الوقت.
وكشفت المراجعة أيضًا أن القولون كان أكثر أجزاء الجهاز الهضمي إظهارًا لتراكم التيتانيوم مقارنة بأجزاء أخرى من الأمعاء، خاصة في الدراسات التي اعتمدت على التعرض المتكرر للمادة. كما لوحظت علاقة واضحة بين الجرعة المستخدمة ومستوى التراكم في كثير من الحالات.
هل يصل إلى الدماغ؟
سجلت بعض الدراسات وصول التيتانيوم إلى أنسجة الدماغ بعد التعرض المتكرر، مع وجود أدلة على تغيرات نسيجية في بعض المناطق العصبية لدى الحيوانات التي تعرضت لجرعات مرتفعة.
ورغم أن بعض الدراسات لم تجد مستويات مرتفعة داخل الدماغ، فإن وجود المادة في هذا العضو الحساس دفع الباحثين إلى المطالبة بإجراء مزيد من الدراسات لفهم آثارها المحتملة على المدى الطويل.
ما الذي خلصت إليه الدراسة؟
رغم الاتجاه العام الذي يشير إلى إمكانية تراكم ثاني أكسيد التيتانيوم داخل الجسم، فإن بعض الدراسات لم ترصد زيادات مهمة في مستويات التيتانيوم حتى عند استخدام جرعات مرتفعة نسبيًا، وهو ما يعكس وجود اختلافات في طرق البحث ونوعية الجزيئات المستخدمة ووسائل القياس المعتمدة.
لكن الباحثين توصلوا إلى أن الأدلة المتاحة تشير بوضوح إلى أن التعرض الفموي المتكرر لثاني أكسيد التيتانيوم يمكن أن يؤدي إلى تراكمه في عدد من الأعضاء الحيوية لدى القوارض، وأن هذا التراكم يعتمد على الجرعة ومدة التعرض.
كما دعت الدراسة إلى توحيد منهجيات البحث وأساليب القياس، حتى تصبح نتائج الدراسات أكثر قابلية للمقارنة والاستفادة منها في تقييم المخاطر الصحية المستقبلية.