منذ قيام نظام حكم الجمهورية الإسلامية في إيران عقب الإطاحة بنظام حكم الشاه عام 1979 دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية نفقا مظلما، حيث تعتبر واشنطن طهران دولة راعية للإرهاب، في حين يعتبر الإيرانيون الولايات المتحدة إمبراطورية الشر. ومنذ أوائل العام الحالي دخلت العلاقات بين البلدين أسوأ مراحلها، حيث شن الجيشان الأمريكي والإسرائيلي حربا شاملة ضد إيران، شملت اغتيال العديد من قادتها السياسيين والعسكريين. وردّت إيران بمهاجمة قواعد عسكرية أمريكية، وبنية تحتية في دول الخليج، وإسرائيل.
وفي أوائل أبريل توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وفي يونيو وقعا مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء الصراع. إلا أن هذه الاتفاقات باءت بالفشل حتى الآن؛ وعاد تبادل إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بينهما بما في ذلك المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، وتخفيف العقوبات الأمريكية على طهران، وهو ما يدفع العديد من المحللين للتشكيك في قدرة الطرفين على التوصل إلى اتفاق دائم.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز يقول علي واعظ مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية إن حدة العداء المتزايدة بين الجانبين منذ دخول مذكرة التفاهم حيز التنفيذ تبرر هذا التشكيك. فبدلا من أن تدشن هذه المذكرة فصلا جديدا في العلاقات الأمريكية الإيرانية، لا يزال الطرفان عالقين في خلافات الماضي. كما أن استمرار استخدامهما للقوة العسكرية يؤكد استعدادهما لتصعيد الموقف. فقد شنت الولايات المتحدة أكثر من 300 غارة جوية على إيران في الأيام الأخيرة. وردّت طهران باستهداف ما تقول إنها مصالح وأهداف أمريكية في خمس دول بالمنطقة على الأقل، بالإضافة إلى عدة سفن في مضيق هرمز.
ويرى واعظ كبير مستشاري رئيس مجموعة الأزمات الدولية ومسؤول أول للشؤون السياسية في إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام بالأمم المتحدة سابقا، إنه من المفارقات، أن الحرب الحالية ربما أتاحت فرصة لإيران والولايات المتحدة لإصلاح علاقتهما المتصدعة بصورة لم تحدث من قبل, فالجولة الأخيرة من الصراع أثبت عجز كل طرف عن فرض إرادته بالكامل على الطرف الآخر ليجدا نفسيهما في طريق مسدود. فمن الواضح أن واشنطن عاجزة عن هزيمة إيران عسكريا، أو إجبارها على التخلي عن برنامجها النووي، أو وقف دعمها لحلفائها الإقليميين، أو التخلي عن السيطرة على مضيق هرمز. في المقابل ظهر عجز إيران الواضح عن إجبار الولايات المتحدة على إخلاء محيطها الإقليمي أو التخلي عن استخدام أدواتها الاقتصادية والعسكرية ضدها. معنى ذلك أن الحرب أظهرت جليا أن أيا من طرفيها لا تستطيع توجيه ضربة قاضية للطرف الآخر بتكلفة مقبولة، وأن العداء غير المدار بينهما أصبح مكلفا وخطيرا للغاية.
ومع إدراك العديد من المسؤولين في العاصمتين لهذه الحقيقة، بدأ بعض صناع القرار هناك بالبحث عن سبل للتعايش. ولأول مرة منذ ما يقرب من عقد من الزمان، التقى مسؤولون أمريكيون وإيرانيون رفيعو المستوى بشكل مباشر في إطار مفاوضات بحثا عن حلول وسطى فعالة,
ورغم ذلك قد تفشل هذه الجهود وتصاعد المواجهة بسبب قوى ضاربة تعارض المسار الدبلوماسي وتفضل المواجهة في العاصمتين. لكن قد يصل الطرفان في نهاية المطاف، نتيجة التداعيات الكبيرة لاستمرار الصراع إلى نفس النتيجة وهي أن الأساليب القديمة فشلت وأن تغيير مسار العلاقات وإن ظل صعبا، لكنه ممكنا.
وكان الاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 آخر محاولة جادة لتحقيق الاستقرار وإعادة ضبط العلاقات الأمريكية الإيرانية. وكان هذا الاتفاق محدودا، إذ تعهدت إيران بتقييد برنامجها النووي وقبول عمليات تفتيش دولية مكثفة، مقابل تخفيف محدود للعقوبات الأمريكية على إيران. لكن الاتفاق انهار بقرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق من جانب واحد في ولايته الأولى.
لكن انهيار الاتفاق لم يفد أيا من الطرفين. ففي واشنطن، ربما اعتقد أنصار سياسة الضغط القصوى أن فرض المزيد من العقوبات والعزلة سيجبر الجمهورية الإسلامية على قبول اتفاق أفضل، أو ربما تؤدي إلى انهيار نظام الحكم فيها تحت وطأة الضغوط. لكن النظام صمد، ووسع برنامجه النووي، وأصبح أكثر قمعًا في الداخل وأكثر عدوانية في المنطقة. لكن الثمن الذي دفعته إيران نتيجة هذه السياسات كان فادحا. كما أن الضربات العسكرية ضد حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس ضد إسرائيل، أضعفت حلفاء إيران الإقليميين بشدة.
ومع ذلك، لم تغير طهران ولا واشنطن موقفيهما. بل على العكس، أصبح كلاهما أكثر عدوانية، حتى بلغ الصراع ذروته بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي بدأت في 28 فبراير. لكن نتائج الحرب حتى الآن يمكن أن تجعل بعض المسؤولين الأمريكيين على الأقل يدركون أن واشنطن فشلت في إحداث تغيير رغم استخدامها جميع أدوات القوة المتاحة لديها تقريبا. أما إيران فإنها وإن كانت قد نجت من الحرب، ولكنها قد لا تصمد أمام السلام. فقد تعرض اقتصادها وجيشها لخسائر جسيمة، وهو ما قد يدفع قادتها للتفكير في مسار بديل عن المواجهة.
ويقول واعظ مؤلف كتاب "كيف تعمل العقوبات: إيران وتأثير الحرب الاقتصادية" إن هذا لا يعني أن هناك صفقة شاملة مطروحة أمام طهران وواشنطن. بل على العكس، فالمهمة العاجلة الآن هي ضمان عدم تحول الهجمات المتبادلة إلى جولة جديدة من الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، مع ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحا. ويجب التعامل مع المفاوضات اللاحقة بجدية، مع ضرورة فتح قناة تنسيق بين الحرس الثوري الإيراني والقيادة المركزية الأمريكية للوصول إلى نتائج ملموسة.
كما ينبغي على كلا الجانبين استخلاص درس هام من الماضي، وهو أن الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 لم يكن عرضة للخطر لضعفه التقني، بل لعزلته السياسية. كان رافضي الاتفاق منظمين ومثابرين. أما المدافعون عنه فقد افترضوا خطأً أن تنفيذه سيخلق قاعدة شعبية خاصة به. وبالتالي يجب أن يقوم أي اتفاق جديد مع إيران على افتراض أن رافضيه سيتحركون لإفشاله أسرع من المستفيدين منه.
أخيرا لا تحتاج إيران والولايات المتحدة لأن تصبحا صديقتين، بل تحتاجان إلى أرضية مشتركة صلبة للتعايش لا تنهار مع كل تحول سياسي. وإذا نجحت الدولتان في ذلك، ستكون النتائج هائلة. فالعلاقة الأمريكية الإيرانية المستقرة من شأنها القضاء على أحد أهم محركات التصعيد في الشرق الأوسط، مما يقلل خطر تحول أي نزاع محلي إلى حرب إقليمية. كما أن هذا التحول الإيجابي قد يشجع إيران على التنافس بصورة أكبر عبر الدبلوماسية والتجارة، وليس عبر الأنشطة التخريبية. لكن ذلك يفرض على طهران وواشنطن استغلال اللحظة الراهنة كنقطة انطلاق لنزع فتيل قنابل موقوتة أخرى، كتلك المتعلقة بلبنان وفلسطين وسوريا، والتي حاولت إسرائيل التعامل معها عسكرياً دون جدوى. كما سيتطلب من إيران إعادة بناء الثقة مع جيرانها العرب في الخليج، والسعي إلى حلول شاملة لقضايا مثل مستقبل مضيق هرمز ودعم إيران للجهات الفاعلة غير الحكومية.