شهدت الحرب الأمريكية - الإيرانية تصعيدا جديدا بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الأحد، فرض حصار بحري على ناقلات النفط المتعاونة مع إيران في مضيق هرمز؛ لتواصل أمريكا أسلوبها العسكري المفضل في حصار الدول من البحر لإخضاعها لقبول الشروط السياسية، ما يعتبر تحديا للطرفين الأمريكي والإيراني نظرًا لفعالية هذا الأسلوب، وبالمقابل قدرة بعض القوى عبر التاريخ على هزيمة الحصار البحري.
وتستعرض "الشروق"، أهم المعلومات عن سلاح الحصار البحري وتاريخه وموقف القانون الدولي منه، والتي وردت معلومات عنه في كتب: "سلطة البحر والقوى البحرية" لريتشارد هاردنج، و"القانون الدولي والواقع السياسي" لأنثوني دوماتي، و"البحرية عبر التاريخ" لكلارك رينالد.
- كيف يكون الحصار البحري؟
يعتمد الحصار البحري على حجب التجارة عن دولة معينة عبر إغلاق سواحلها أمام السفن بالاعتماد على قوة بحرية من السفن السريعة القادرة على إقامة الدوريات وملاحقة السفن التي تحاول كسر الحصار.
يتشابه الحصار الأمريكي لمضيق هرمز مع أكثر أنواع الحصار انتشارا وهو المحاصرة عن بعد بملاحقة السفن بعيدا عن سواحل الدولة المحاصرة؛ تجنبا للوقوع في كمائن أو التعرض لنيران المدفعية الساحلية، ولكن بالمقابل يحتاج ذلك النوع إلى عدد كبير من السفن لتغطية المساحة الواسعة.
ويجري الحصار بواسطة القوى البحرية القوية، ونفذ هذا الأسلوب عبر التاريخ 3 دول وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا، باستثناءات قليلة لدول أخرى مثل الهند في الحرب الباكستانية - الهندية وروسيا خلال العملية الشاملة في أوكرانيا.
- الحصار البحري عبر التاريخ
نفذت الإمبراطوريات ذات القدرات البحرية أسلوب الحصار منذ عهد الإغريق، مرورا بالنورمان والحملات الصليبية وجمهورية البندقية، ولكنها كانت محاولات عشوائية لصعوبة تغطية سواحل واسعة بسفن بدائية.
وبدأ عصر الحصار البحري الفعال خلال القرن الـ18، وتحديدا خلال حرب السنوات السبع بين بريطانيا وفرنسا، إذ أغلقت البحرية البريطانية السواحل الفرنسية لتسبب أزمة تجارية للإمبراطورية مع استنزاف السفن الفرنسية في معارك بحرية دمرت الأسطول، لتنتهي الحرب بتنازل فرنسا عن مستعمراتها في كندا لصالح بريطانيا، بينما خسرت إسبانيا حليفة فرنسا المستعمرات في كوبا والفلبين بسبب الحصار البحري البريطاني.
واستمرت بريطانيا، في استخدام بحريتها لقمع حملات نابليون بونابرت، إذ تسبب حصار مالطا وحصار الإسكندرية في فشل نابليون داخل الشرق الأوسط.
ولعب سلاح الحصار البحري، دورا فعالا خلال حروب كبرى مثل معركة نافارين مع الدولة العثمانية التي حدثت سعيا لفك حصار بحري على السواحل العثمانية، وانتهت بتدمير الأسطول العثماني، ثم نجح الحصار البحري خلال الحرب العالمية الأولى في إخضاع ألمانيا للتوقيع على معاهدة الاستسلام بعد إغلاق بريطانيا لسواحلها.
وفي عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، تسبب حصار بحري هندي لبنجلاديش عام 1966 في انفصالها عن باكستان؛ نتيجة لعجز البحرية الباكستانية عن فك الحصار الهندي.
- الحصار البحري في عقيدة الجيش الأمريكي
استخدم الجيش الأمريكي، أسلوب الحصار لإخضاع العديد من الدول مثل المكسيك خلال الحرب الأمريكية المكسيكية، ثم هزيمة الكونفدراليين الجنوبيين خلال الحرب الأهلية الأمريكية بعد منع التجارة والأغذية عنهم بفعل الحصار البحري.
ونجح الجيش الأمريكي، خلال حرب فيتنام في منع قوات الشمال من التسلل إلى فيتنام الجنوبية عبر السواحل أو النهر؛ نتيجة لحصار بحري أمريكي.
ونفذت البحرية الأمريكية، أحدث عمليات الحصار البحري في ديسمبر 2025، والذي استهدف كل من فنزويلا وكوبا بمنع ناقلات النفط الفنزويلية من التحرك؛ لتتأثر تجارة النفط الفنزويلي وهي أهم موارد الاقتصاد للحكومة.
أما عن دولة كوبا فكانت تعتمد على النفط الفنزويلي، وبانقطاعه نتيجة الحصار تعطلت صناعة قصب السكر في كوبا وحدثت أزمة واسعة في قطاع الكهرباء تسببت في اندلاع احتجاجات ضخمة، وهو ما يتوافق مع الهدف الأمريكي بإسقاط حكومة كوبا نتيجة تزايد المظاهرات.
- متى يفشل الحصار البحري؟
يحتاج الحصار البحري إلى عنصرين هامين: أولهما قوة البحرية المهاجمة، ثم ضعف الدولة المعرضة للحصار.
وفي ذلك فإن محاصرة دول تملك بحرية قوية تبوء بالفشل، كعملية الحصار الفرنسي للجزائر عام 1827، حيث تمكن القراصنة الجزائريون من كسر الحصار البحري.
وفي حالة أخرى فشل حصار بريطاني - ألماني على فنزويلا عام 1902 نتيجة تدخل البحرية الأمريكية لنجدة فنزويلا.
وخلال السنوات الأخيرة، فشل الحصار البحري الروسي لأوكرانيا نتيجة إمداد أوكرانيا بصواريخ ومسيرات متطورة استطاعت إغراق عدد كبير من السفن الروسية.
- هل اخترع ترامب نوعا جديدا من الحصار البحري؟
شهدت وسائل التواصل الاجتماعي، استهجانًا لقيام الرئيس الأمريكي ترامب بفرض حصار على مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران، ولكن تلك الحالة وقعت خلال الحرب العالمية الأولى حين ردت البحرية البريطانية بحصار مضاد على إغلاق ألمانيا بحر الشمال؛ لينجح الحصار البريطاني في إخضاع ألمانيا للتوقيع على الاستسلام.
- موقف القانون الدولي من الحصار البحري
يعتبر القانون الدولي، الحصار البحري فعل حرب؛ لذلك يكون مجرمًا في حالة الاعتداء، وقانونيًا في حالة الدفاع، ويمكن اعتبار الحصار جريمة حرب إذا تسبب في حدوث مجاعات أو وفيات بين المدنيين.
كما يشترط القانون الدولي للأمم المتحدة، أن يرتبط قرار الحصار بمواد مستخدمة للحرب دون غيرها، وفي ذلك يذكر أن الرئيس الأمريكي ترامب صنف النفط الفنزويلي إبان الحصار البحري في ديسمبر 2025 كسلاح اقتصادي لدعم القوات الفنزويلية.