مات هاني شاكر ، رحمه الله. خبر يبدو عاديًا كعشرات الأخبار التي نطالعها ونشاركها كل يوم، لكن ما لم يكن في حسباني هو حالة حزن شديدة سيطرت عليَّ رغمًا عني، منذ إعلان وفاته حتى الآن.
عندما ظهرت أغنية "غلطة وندمان عليها" عام 1992، كنت حديث التخرج في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وكنت أؤدي الخدمة العسكرية، ولم يكن لي أخطاء أتذكرها أو أقف عندها، ولأن هذا الفنان حالة إنسانية خاصة، جمعت بين الرومانسية وصدق الإحساس ورقي الأداء، فقد ترك بداخلي بصمة أظنه تركها في قلوب الملايين من محبيه، فصنع ذكرياتي وشارك أوجاعي في صمت، وقتها تمثلت الغنوة، وجلست أحصي غلطات أعلن ندمي عليها، بيني وبين نفسي، كان الفنان يتحدث في أغنيته عن علاقة حب، أما أنا فتذكرت غلطاتي في حق أمي أو أخ من إخوتي، أو ابن الجيران، أو الصيدلي بنهاية شارعنا أو زميل دراسة، أو البائع المتجول أو كمساري الأتوبيس الذي تجاهلته. اصطنعت لنفسي في تلك الليلة ألف غلطة، وجلست أحاسب نفسي حسابًا عسيرًا، وهاني شاكر يغني "غلطة وندمان عليها".
في عام 1994 سمعت، وشاهدت، فيديو كليب لأغنية "معقول نتقابل تاني". ظهر في بدايتها باكيًا على حبيبة فقدها، العجيب أنني شعرت وقتها أن في هذا العالم حزنًا جميلًا قد لا يخصني ولكنه يمسُّ في نفسي شيئًا ما. فقد حببني في الحب وأغانيه وأذاقني معه عذابات الحزن والفقد والفراق قبل أن أحب أو أفارق، ففي داخل كل منا حكاية خاصة لا يبوح بها لأحد، ربما هي "حكاية كل عاشق"، وربما هي "الحلم الجميل"، ولا أكون مبالغًا إن قلت إن فقد هاني شاكر أوقعني في دوامة حزن لم تكن في الحسبان، فأنا إنسان لا يبكي بسهولة، واستنفد موت أخي الأصغر كل طاقتي من الحزن والدموع، ولكنني اليوم حزين، مهما داريت وجعي، فقد مات هاني شاكر وكلنا ننتظر المصير نفسه، لكن اقتران اسمه بالرحيل ربما أفاقني من نوبة حنين استغرقتني طويلًا، جمدت عندها زماني عند لحظات أحبّها، أغنيات قديمة، وجوه وأماكن لا أنساها؛ بيتنا القديم، الشارع والمدرسة والفصل، الجيران، لمة أسرتنا وصوت أبي ورائحته، وعبارات أمي المكررة في ذلك الزمان، شجرة ضخمة من الذكريات تكتسي بالخضرة والنضارة رغم جفاف وتصحر اللحظة الراهنة.
وبينما كنت أعد دراستي لدرجة الماجستير، جاءت إلى مصر قادمة من سوريا طالبات من جامعة دمشق لاستكمال الدراسات العليا. اقتربت مني إحداهن، وحكت عن شعورها بالغربة والحنين في أولى أيامها بالقاهرة، حين استمعت داخل سيارة أجرة إلى أغنية "أصاحب مين". الفتاة البيضاء بياض الثلج جاءت من "يبرود" بالريف شمال دمشق. ودود تسبقها دموعها عند أبسط المواقف اليومية العادية المعتادة والمتكررة، قالت لي: "يغني هاني شاكر أصاحب مين وبإحساسه وجدتني غارقة في بحر من الدموع والحنين في القاهرة، التي هبطت إليها بلا صديق أو قريب".
أعترف بأنني كنت أخجل من وسامة هاني شاكر، جمعته صور نادرة مع واحدة من جميلات السينما المصرية، الفنانة نورا. الصورة تعود إلى عام 1975، مأخوذة من فيلم "هذا أحبه وهذا أريده"، كان عمري وقت عرض الفيلم خمس سنوات، شاهدت الصورة لاحقًا وأنا تحت العشرين، وتندرت في صمت من وسامته.
في خجلي من الفنان الجميل، كنت مدفوعًا بمسايرة العقل الجمعي الذي يفصّل معنى الرجولة على هواه، وهل لوجه القمر وخد القمر وشعره الليلي الجميل أن يشعر بما يشعر به ويتألم منه الرجال؟ كان هاني شاكر بملامحه ودفء صوته أكثر من كل الرجال صدقًا وجرأة، بل صلابة في مواجهة الحب والحزن والفقد والألم، فقد قرر أن يكون إنسانًا يضع يده وصوته على موضع الوجع، ويقترب من مواطن هشاشة الرجل وحزنه وانكساره لفقد الحبيبة أو خسارة علاقة، يبكي تلك الخسارة ويودع بالدموع ذلك الفقد، وهل ممنوع بكاء الرجال؟ بكى هاني شاكر وأبكى جمهوره في معظم أغانيه، وعبر عن حزنه العميق وانكساره، ولم أكن أملك إلا أن أصدقه وأصدق أحزانه التي يداريها الرجال، بل يمعنون في إظهار القوة والصلابة والثبات، في حين تختبىء النار تحت الرماد، وتشتعل براكين الوجع وأنهار الدموع؛ فتحرق القلوب في صمت، وإن تبدلت الوجوه غير الوجوه، لتكسوها خشونة حقيقية أو مصطنعة لاستيفاء الشرط الجمعي للرجولة.
في مدننا العربية، الرجال لا يتألمون لا ينكسرون لا يهزمون لا يبكون. هكذا تربينا على كذبة كبيرة، كشفها الواقع فأظهر الحقيقة الناصعة للرجال كبشر يشعرون بهذه الأحاسيس ويمرون بهذه المشاعر، لكن أحدًا لا يجاهر بها، إلا هاني شاكر، وبطبيعة الحال وفي المجتمعات الذكورية بامتياز نالت سهام النقد وسكاكينه الحادة منه، ووصفه أحدهم بالمطرب "النحنوح" واتهموه بالمبالغة في إظهار ضعف الرجال وهشاشتهم، لكنه انتصر في إثبات صدق إحساسه وإنسانيته.
هاني شاكر أيضًا، هو الأب الذي يطمئنك وجوده في البيت، وإن كنت لا تتواصل معه بانتظام، ولا تنصت إليه، وغالبًا لا تعمل بما يقول، فقط يؤنسك وجوده، ويطمئنك صوته وتحتويك روحه. هو الحب الذي عشته أو لم تعشه لكنك تحسه وتشعر به وتصدقه. هو الحزن الجميل الذي قد لا يخصك بالأساس، ولكنك تنفعل به وتصدقه وتخلص له كأحد أحزانك.
هو جرح نازف، وخذلان وانكسار عشت مثله يومًا ما، في علاقة حب أو صداقة أو عمل، تأثرت وانكسرت، وتملك منك الوجع واستبد بك الحزن، وإن لم تنظم عيد ميلاد "لجرحك أنت"، وعندك أسبابك، ولا بأس فقد فعلها هاني شاكر نيابة عنك وبكل جرأة في "جرحي أنا ".
هذا الصوت هو شجرة ذكريات عشتها وعاشها جيلي لخمسة عقود. الذكريات الحلوة والمؤلمة استدعاها هاني شاكر، وسمعتها من بعيد وأنا في العشرينيات شابًا يواجه الحياة عاري الصدر، يهزمها مرة وتهزمه وتكسره مرات، يسقط ويتكسر ويقوم يداري في صمت أوجاعه وأحزانه وهزائمه وكل معاركه، يمضي في الطريق بصمت، لا يجرؤ على البوح بهذه الحمولة الثقيلة من المشاعر، وحين يصدر لهاني شاكر ألبوم غنائي جديد، تشعر بأنه كان يقاسمك تفاصيل حياتك من دون أن تدري، ولم يفارقك لحظة، بل عاش معك كل ظروفك وتجرع أحزانك وأوجاعك التي تداريها عن العيون، ولا تجرؤ على البوح بها، فتولى عنك هذه المهمة الصعبة وقدم أحزانك برقيّ وصدق لملايين المستمعين بامتداد الوطن العربي، ليكفكف دموعك، فكان بمثابة حضن دافئ جاء من بعيد يحتوي كل هذا الوجع، ويطبطب على روحك، تسمعه من نافذة مفتوحة في بيت قديم، أو كشك لبائع صحف، أو من أشرطة كاسيت نقلبها بالأقلام حين تتوقف عن الدوران، أو قرب مقهى في الشارع، وأحيانا تسمعه من سيارة عابرة تغادرك تاركة خلفها ضوءا خافتًا صنعه الصوت العذب واللحن الجميل والكلمات الدافئة.
في سنّ السبعين، ظل الشاب الوسيم محتفظًا بنضارته ووسامته وحيويته، على مدى خمسة عقود هي جُل عمري، فأنا من مواليد عام 1970. ولدت أسمع وأردد أغنيات عبد الحليم حافظ، ولم يكن هاني شاكر يومًا مطربي الأول أو المفضل، رحل حليم في عز طفولتي وبقي معي إلى الآن، وفي الخلفية أصوات طربية فيها دفء الإحساس وصدق الوجع والحزن والألم والحب والفقد والحنين، يتقدمها هاني شاكر بجدارة، ومعه علي الحجار ومدحت صالح ومحمد منير، وأنغام وشيرين، وقليل من محمد ثروت.
لم يتخلف يومًا عن موعده، انتقل بفنه ليعبر الأجيال بالصوت نفسه والصدق نفسه والاحساس نفسه، عبر بأمان وثبات من أواخر السبعينيات إلى اليوم وما بعد اليوم، وقدم أهم أغنياته ومنها "لو بتحب حقيقي صحيح"، "تخسري"، "غلطة"، "الحلم الجميل"، "نسيانك صعب أكيد" ، "لو عارف"، "معقول"، "لسه بتسألي"، وغيرها.
بعيدًا عن تقديمه أكثر من 600 أغنية وألقابه الفنية، ومنها أمير الغناء العربي وأمير الأحزان، فلم يقدم نفسه يومًا باعتباره "نمبر وان" ولا الأقدم ، ولا آخر ورقة في شجرة جيل العمالقة الذي ظهر فيه، عبد الحليم وفريد الأطرش وعبد الوهاب وأم كلثوم وشادية ونجاة ووردة وصباح وآخرين، فقط واصل مشواره سنة وراء سنة، ولم يتوقف أو يبدل صوته وكلماته ليواكب صيحة أو يركب موجة سائدة، بل ظل في منطقته ملكًا للإحساس يحمله صوته بصدق عبر الزمن، فإذا غنى للحب أو الحزن، تعيشه معه بوصفه حبك الجميل وحلمك الجميل وحزنك الجميل وجرحك الأجمل على الإطلاق، وهكذا نجح هاني شاكر في أن يجعلني أتصالح مع ظروفي وأحاسيسي ومشاعري وأن أتقبلها في كل الأحوال، لأنها صادقة تشبهني وتُعبر عني، وبصوته يبوح بها، فأعبرها وأتجاوز السيء منها إلى حلم آخر ووجوه أخرى، ربما تمنحني الحب، وربما تحمل الحزن والفقد، وهكذا تمضي الحياة.
قديمًا كنت أتندر عليه في صمت مع كل ألبوم غنائي جديد، ومع كل حفل من حفلات ليالي التلفزيون وحفلات دار الأوبرا المصرية، وحفلاته في العالم العربي وخارجه. كنت أقول لنفسي: "نجهز المناديل والشموع، فنحن على موعد مؤكد مع النكد والدموع والأحزان".
حين بدأت مشواري في شارع الصحافة في مطلع التسعينيات، اختارتني الصحافة الفنية ولم اخترها، فبدأت عملي بالقسم الفني في صحيفة الأهرام المسائي. قابلت هاني شاكر مرات ومرات، في الأوبرا وفي استديوهات خاصة، وحضرت له بعض الحفلات. وفي كل مقابلة يصافحني بحب ودفء وكأننا عشرة عمر. لم يختصّني بهذا الود. هذا أسلوبه مع الجميع، وبسرعة يمنحني لقبا طالما منحه للملايين من عشاقه: "حبيبي/حبيبتي أنت"، وما إن أبدأ معه أي حوار، حتى تنطلق بعفوية نادرة ضحكة تجلجل في المكان، وقتها كنت أقول في نفسي: "ما هو بيعرف يضحك زيينا أهوه، أومال إيه شلال الدموع وخزان الأحزان اللي مغرقنا فيه ده؟". وكما كانت ضحكة النجمة السينمائية الكبيرة نبيلة عبيد علامة مميزة لا تفارق أذني، كانت ضحكته كذلك، ضحكة صافية، صادقة وطالعة من القلب. لاحقًا صرت أتابع حفلاته ولقاءاته التليفزيونية، أميّز صوته من بين كل أصوات هذا الزمن الذي عشته، ومن بين ألف ضحكة وضحكة كنت أعشق ضحكته.