الحرب التى بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ شهر مضى امتدت لتشمل، بشكل أو بآخر، دول الخليج والأردن والعراق ولبنان، وثمة تحذير بأنها ربما تصل إلى سوريا. الحرب طالت أغلب دول الشرق الأوسط خلال شهر واحد. ليست محسوبةً بعد الآثار الاقتصادية للحرب، ولكنها لا بدّ قوضت النشاط الاقتصادى فى الدول التى وصلت إليها، بشكل يتناسب مع كثافة العمليات العسكرية فيها. وللحرب آثارها على المجتمعات التى تطالها وعلى السياسة فى كل منها. يُلاحظ أن الدول المذكورة لم يكن لها يد فى إشعال الحرب. هى حاولت الحيلولة دون قيامها، ولكن الولايات المتحدة لم تعبأ بمساعيها، واشتركت مع إسرائيل فى مهاجمة إيران، فجرّت عليها ردود فعل هذه الأخيرة والدمار الذى خلّفته.
غير أن آثار الحرب لا تتوقف عند دول الشرق الأوسط التى لم تكن أطرافًا فى قرار شنها. لأن الخليج إقليم لإنتاج النفط والغاز الطبيعى وتصديرهما، فإن الحرب التى نشأت فيه أطلقت آثارها على جميع عمليات الإنتاج المحتاجة إليهما. بعض الدول، مثل الصين، أكثر اعتمادًا من غيرها على نفط الخليج، وغيرها أكثر اعتمادًا على غازه الطبيعى، مثل عدد من الدول الأوروبية، ولكن آثار الحرب لم تتوقف عند الصين أو هذه الدول. انخفاض الإنتاج وعدم وصوله، أو إمكانية توقّع وصوله فى أى تاريخ مطلوب، يؤديان إلى ارتفاع سعر كل من النفط والغاز الطبيعى فى العالم أجمع.
السعر واحد للنفط والغاز الطبيعى، أيا كانت مواقع إنتاجهما. هذا يعنى ارتفاع أسعار الطاقة فى جميع دول العالم، من تقع فى الشمال المتقدم منها ومن تقع فى الجنوب النامي. ارتفاع الأسعار وانعدام الوثوق من التوريد يؤديان إلى ارتفاع أسعار كل ما يحتاج إلى الطاقة فى إنتاجه، وهل هناك سلعة أو خدمة لا تحتاج إليها؟ الأمر يزداد خطورة عندما يتعلق بسلعة مثل الأسمدة التى يُعدّ الغاز الطبيعى أهم مدخلات إنتاجها. ترتفع بالتالى أسعار المحاصيل الغذائية التى يحتاج إنتاجها إلى الأسمدة. المحصلة باختصار هى تضخم عالمى مع انخفاض فى إنتاج السلع والخدمات، يصحبه ارتفاع فى أسعار الفائدة بهدف كبح زمام التضخم، فيؤدى كل ذلك معًا إلى انكماش فى النشاط الاقتصادي، ترتفع نتيجة له معدلات البطالة وتتراجع الأجور والدخول. هذا ما يمكن أن يحدث للاقتصاد العالمى كله قريبًا، وخصوصًا إن امتدت الحرب.
• • •
مصر طرف فى الاقتصاد العالمى، وهى معرضة بالتالى لكل ما تقدم. غير أن هناك آثارًا إضافية محددة للحرب عليها. ارتفاع أسعار الأسمدة يعنى ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعى، ومنه إنتاج الغذاء، وهو ما سيؤثر على تكلفة سلة الغذاء على المواطنين المستهلكين. من جانب آخر، ارتفاع أسعار الأسمدة فى العالم سيؤثر على إنتاج القمح فى الدول المنتجة له، فترتفع فاتورة استيراده على مصر، ويكون هذا بابًا آخر لارتفاع تكلفة سلة الغذاء على الأسر المصرية.
انخفاض النشاط الاقتصادى العالمى، من جانبه، يؤدى إلى تراجع التجارة العالمية، فيتأثر المرور فى قناة السويس وتنخفض إيراداته التى تجنيها مصر. ضف إلى ذلك اليد العاملة المصرية فى الخليج وفى الأردن، وهى بالملايين. إذا امتدت الحرب، سيستمر التراجع فى النشاط الاقتصادى فى الخليج، وهو ما سيهدد فرص العمل التى يشغلها العمال المصريون، من أرفعهم تعليمًا ومهارةً إلى أدناهم. نتيجتان يمكن أن تنشآ عن ذلك: أولهما انخفاض تحويلات العمال المهاجرين إلى مصر، وهى تحويلات ذات أهمية مزدوجة عظمى؛ فهى تساعد الأسر المتلقية لها على تلبية احتياجاتها المعيشية المتعددة، كما أنها تساعد فى موازنة ميزان الحساب الجارى فى ميزان المدفوعات، فتساند الجنيه المصرى وتحول دون انخفاض قيمته، فتحفظ قوته الشرائية وتدرأ التضخم. النتيجة الثانية هى أن موجات من العودة إلى مصر يمكن أن تنشأ، مع ما يسببه ذلك من ضغوط على سوق العمل المصرية ومن انخفاض فى دخول أسر العائدين.
للأسباب المذكورة أعلاه، موقف مصر من قبل نشأة الحرب ومن بعدها موقف سليم. قبل الحرب، كانت الحيلولة دون نشوبها الهدف الذى نشط وزير الخارجية المصرى من أجل تحقيقه. وكما أنها لم تأبه بمساعى دول الخليج، فإن الولايات المتحدة لم تلتفت إلى مصالح مصر وما يمكن أن يلحقها من الحرب. بعد نشوبها، أدانت مصر الرسمية القصف الإيرانى لأهداف فى أقاليم دول الخليج، وزار رئيس الجمهورية هذه الدول معبرًا عن التضامن معها. ولكن، فى الوقت نفسه، تضطلع مصر، مع باكستان وتركيا وإندونيسيا وكذلك عُمان، بما يمكن اعتباره مساعى حميدة فيما بين الولايات المتحدة وإيران. بعض المعلقين فى الخليج استنكروا أن تقوم دول عربية كمصر وعُمان بمساعٍ حميدة مع إيران التى اعتبروها معتدية على أقاليم دولهم. المعنى الضمنى لذلك هو أن تعتبر مصر وعُمان أن إيران عدو لا سعى للمهادنة معه ولا تفاهم.
منذ الستينيات من القرن الماضى على الأقل، تحتفظ عُمان بعلاقات مستقرة مع إيران، سواء كان الحكم فيها للشاه أو للجمهورية الإسلامية. عُمان بمثابة حلقة الوصل فى الإقليم، وهى لا تتخذ مواقف حادة. عُمان لم تقاطع مصر فى سنة 1979 بعد توقيع معاهدة السلام، دون أن تعلن خروجها على الموقف شبه الإجماعى للدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية التى قاطعتها. أما مصر فمصلحتها الأساسية التى تجب ما عداها هى فى توقف الحرب. معاداة إيران ليس مما يساعد على إيقاف الحرب، بل هو صبٌّ للزيت على النار المشتعلة. ثم إنه يصعب تصور أن تقف مصر فى نفس صف إسرائيل فى حرب فى الشرق الأوسط، فى الوقت الذى تستمر فيه هذه الأخيرة فى أعمالها العدائية فى غزة التى تستمر فى إبادتها، وفى الضفة الغربية لنهر الأردن التى تواصل استيطانها، وفى جنوب لبنان الذى تعلو أصوات إسرائيلية مطالبةً بضمه. جلّ المحللين المصريين يعتبرون أن الهدف النهائى للحرب على إيران هو تمكين إسرائيل من مقدرات الشرق الأوسط. غريب أن يتخيل أحد أن تشارك مصر، الدولة الأكبر فى الإقليم تاريخًا ووزنًا سكانيًا، فى تحقيق هذا الهدف الإسرائيلي. ثم إن وقف الحرب بأسرع ما يمكن هو فى مصلحة دول الخليج. استمرار القذف الأمريكى لإيران سيعنى، وللأسف، استمرار استهداف إيران للقواعد والتجمعات الأمريكية فى الخليج، دون أن تحرك الولايات المتحدة إصبعًا للدفاع عنها.
• • •
الولايات المتحدة أعلنت خمسة عشر شرطًا لوقف الحرب، هى بمثابة مطالبة إيران بالاستسلام لها مقابل رفع العقوبات عنها ومساعدتها على بناء برنامج للاستخدامات السلمية للطاقة النووية. كما كان متوقعًا، رفضت إيران الشروط الأمريكية، وأعلنت بدورها عن خمسة شروط لإنهاء الحرب، منها عدم العودة إلى شن الحرب عليها، ودفع تعويضات لها، وإنهاء الحرب على كل الجبهات، أى بما فى ذلك جنوب لبنان، والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز.
يُلاحظ أن تخصيب اليورانيوم فى إيران، ومصير الأربعمائة كيلوجرام من اليورانيوم المخصب إلى درجة 60 فى المائة، ليسا ضمن الشروط الإيرانية، بينما هما أساسيان فى الخطة الأمريكية. فى هذه الخطة لا تخصيب لليورانيوم فى إيران، التى عليها أن تسلم الأربعمائة كيلوجرام. عدم ورود هذين البندين ضمن الشروط الإيرانية يعنى أن إيران مستعدة للتفاوض بشأنهما، كما كانت الحال إبان الوساطة العُمانية قبل الحرب. ينبغى البناء على هذا الموقف، وإن كان دون توقع قبول إيران بالمنتهى الذى يريده الرئيس الأمريكى. هذا المنتهى، خاصة فيما يتعلق بعدم تخصيب اليورانيوم فى إقليم إيران، خطير لأنه خروج على ما يقرره القانون الدولى، واتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية تحديدًا، وهو بذلك يشكل سابقة يمكن تكرارها فى حق دول أخرى، وإقرارًا بأن سيادات الدول ليست متساوية، بل إن ثمة تراتبية فى السيادات فى النظام الدولى، على رأسها السيادة الأمريكية. والحق أن كل ما يفعله الرئيس الأمريكى ويعلن عنه ينمّ عن أنه يريد أن يثبت تراتبية السيادة كمبدأ فى حوكمة النظام الدولى.
ينبغى أن يفهم الطرفان المتحاربان أن الحرب بينهما لا تخصهما وحدهما. لعل الدول المضطلعة بالمساعى الحميدة، ومنها مصر، تفهمهما ذلك. على الولايات المتحدة بالذات أن تدرك أن عليها مسئوليات خاصة فى تسيير النظام الدولى كالدولة الأعظم فيه. إن لم تضطلع هى بهذه المسئوليات وتضررت دول العالم وشعوبه نتيجة لذلك، فإنها ستفقد مكانتها لتصبح مجرد الدولة الأقوى. وشتّان بين مكانة الدولة الأعظم والدولة الأقوى فى النظام الدولى.
نجاح المساعى الحميدة سيرفع من شأن الدول التى اضطلعت بها. بالنسبة لمصر، سيكون هذا النجاح تأكيدًا لمكانتها ولدورها الذى يحتاجه الإقليم أيّما احتياج.