أزمة مجانية.. وتكلفة مرتفعة - أشرف البربرى - بوابة الشروق
الخميس 21 مايو 2026 2:48 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

أزمة مجانية.. وتكلفة مرتفعة

نشر فى : الأربعاء 20 مايو 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 20 مايو 2026 - 7:00 م

فى الوقت الذى تواجه فيه صناعة النشر المصرية تحديات هائلة سواء بسبب الارتفاعات المتتالية فى مستلزمات الإنتاج أو القرصنة الفكرية، جاء المسئولون فى دار الكتب لكى يضيفوا أزمة جديدة لهذه الصناعة التى كانت فى وقت من الأوقات واحدة من أهم الصناعات التصديرية لمصر، بالقرار رقم 198 لسنة 2026 الصادر عن إدارة الإيداع بدار الكتب والوثائق القومية الذى يلزم دور النشر بتقديم نسخة رقمية قابلة للتعديل «وورد» من أى كتاب للحصول على رقم الإيداع الخاص به، مع اشتراط استلام هذا الملف من الناشر على مرحلتين؛ الأولى عند التقدم لطلب رقم الإيداع أى قبل النشر الفعلى للكتاب والثانية بعد نشره، بحسب البيان الصادر عن اتحاد الناشرين المصريين.
وأمام موجة الغضب التى فجّرها القرار، أصدرت دار الكتب بيانا تحدثت فيه عن تقديرها للناشرين والمؤلفين، وحرصها على تحقيق طموحاتهم، وأشارت إلى إتاحة خدمة الإيداع الإلكترونى فى جميع المحافظات باستثناء القاهرة بصورة تجريبية بهدف التيسير على الناشرين. لكن هذا البيان المطول لم يتعرض لأهم مشكلتين فجرهما القرار رقم 198 وهما مشكلة تقديم نسخة «وورد» بدلا من النسخة غير القابلة للتعديل «بى. دى. إف»، حيث ترى دور النشر أن النسخة الرقمية القابلة للتعديل، تفتح الباب أمام احتمال التلاعب فى النسخة المقدمة من دار النشر للحصول على رقم الإيداع، وكذلك تسهل عمليات القرصنة الفكرية حتى قبل صدور الكتاب نفسه. أما المشكلة الثانية فتتمثل فى اشتراط تقديم ملف الكتاب للحصول رقم الإيداع على مرحلتين حيث يرى اتحاد الناشرين أنه يمثل عبئا بيروقراطيا يمس حرية النشر، ويخالف قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002.
والأهم من محتوى القرار الإدارى وما قد يسببه من مشكلات لصناعة حيوية لا تحتاج لمزيد من الأزمات، هو آلية إصدار القرار وما تضمنه من إجراءات جديدة، بعيدا عن دور النشر واتحاد الناشرين الممثل الشرعى لصناعة النشر فى مصر، والذى أكد فى بيانه أن «انفراد دار الكتب بإصدار قرارات تمس صلب هذه الصناعة دون التنسيق مع الاتحاد يمثل تهميشا غير مفهوم أو مبرر لدور الاتحاد وكيانه المهنى المستقر قانونا».
وفى الوقت نفسه، مطلوب من وزارة الثقافة وإداراتها المختلفة دعم صناعة النشر وغيرها من الصناعات الإبداعية فى مصر، باعتبارها صناعة استراتيجية يمكن أن تحقق عوائد مادية ومعنوية كبيرة، عبر قرارات وإجراءات تطالب بها الصناعة منذ سنوات بالتنسيق مع اتحاد الناشرين، وفى مقدمتها دعم مستلزمات النشر، وتنويع قنوات توزيع الإنتاج وتسهيل تصديره. وقبل كل ذلك وبعده يأتى تشديد إجراءات حماية حقوق الملكية الفكرية، بعد أن أصبحت القرصنة الفكرية واحدة من أهم المشكلات التى تعانى منها الصناعات الإبداعية فى مصر ككل.
والحقيقة أن هذه الأزمة المجانية التى فجرها قرار إدارة الإيداع بدار الكتب، يمكن أن تكون باهظة التكلفة بالنسبة لصناعة النشر ككل، إذا ما تحولت الاشتراطات الجديدة إلى تهديد لحقوق الملكية الفكرية لدور النشر والمبدعين على السواء، أو تسببت فى مشكلات قانونية وفنية عند مطابقة النسخة الرقمية الأولى التى قدمتها دار النشر للحصول على رقم الإيداع بالنسخة النهائية المطبوعة التى ستقدمها بعد ذلك.
ورغم ذلك يمكن أن تكون الأزمة التى أثارها قرار إدارة الإيداع بدار الكتب رقم 198 لسنة 2026 مجرد بداية لإعادة النظر فى طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها من ناحية وصناعة النشر والصناعات الإبداعية المصرية ككل من ناحية أخرى عبر الحوار مع أصحاب المصلحة من دور النشر والاتحادات ذات الصلة لحل المشكلات التى تواجهها واستعادة مكانتها المرموقة على الصعيدين العربى والدولى، واستغلال ما تمتلكه مصر من مقومات فريدة فى هذا المجال.

التعليقات