البحث عن «زوربا»! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الأحد 19 أبريل 2026 1:57 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل استحق الأهلي ركلة جزاء أمام سيراميكا كليوباترا؟

البحث عن «زوربا»!

نشر فى : السبت 18 أبريل 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : السبت 18 أبريل 2026 - 6:25 م

(1)
على مدى يقترب من نصف القرن، صادقتُ فيه العشرات والعشرات من الكُتّاب والفلاسفة والروائيين والشعراء منذ عرف الإنسان صنعة الكتابة والإبداع؛ هناك فئة فريدة منهم، لسبب أو لآخر، تعلقتُ بهم دون غيرهم، وصاحبتنى روائع أعمالهم، واتصلت المودة بينى وبينهم من خلال هذه الأعمال لسنوات وسنوات. أعود إليهم وأقرأ نصوصهم، فاكتشف أنها ترياقات شافية من سموم الهموم، ومضادات جمالية للقبح والفوضى والعشوائية التى تحاصرنا من كل جانب.


بدون اتفاق أو ترتيب، وكيفما كان الأمر، اكتشفت أن أعمال نجيب محفوظ (المصري)، وكازانتزاكيس (اليوناني)، وكاداريه (الألباني)، ودينو بوتزاتى (الإيطالي)، وأورهان باموق (التركي).. وهذه مجرد أمثلة، فهناك غيرهم الكثير؛ اكتشفتُ أننى أتصل «يوميًا» ببعض ما كتبوا، أجدِّد النشاط الذهنى والتلقى الجمالى بقراءة نصوصهم العالية التى لم تعد بالنسبة لى مجرد نصوص أدبية أو روايات أتباهى بأننى قرأتها ذات يوم، وأتحدث عنها حديث العالم الخبير والناقد الأريب.. لم يعد الأمر كذلك أبدًا!


إن متعة قراءة هذه النصوص، واستشفاف رؤاها العميقة، والإمساك بجذور اتصالها الإنسانى العابر للأزمان والأماكن وحدود اللغات، تتضاعف وتتجدد مع كل قراءة.. هكذا هى الأعمال الأدبية العظيمة أو كما كان يطلق عليها أستاذنا الراحل عبدالمنعم تليمة «الخوالد من الفن».


(2)
«زوربا» الذى يعرفه الملايين من الفيلم ذائع الصيت، من بطولة النجم الأشهر أنتونى كوين، صاحب الحضور الباذخ فى عالمنا العربى، أتصور أن قليلًا من هؤلاء الملايين (ربما آلافًا معدودة أو بضع عشرات من المئات) هم الذين قرأوا النص الروائى المأخوذ عنه الفيلم؛ وأقصد هنا رواية زوربا للكاتب اليونانى العظيم كازانتزاكيس، الذى أطلقتُ عليه ذات مرة «كاتب بمذاق الإنسانية».


قرابة سبعين عامًا على صدور رواية زوربا للكاتب والروائى والمسرحى اليونانى العظيم نيقوس كازانتزاكيس، ورغم ذلك فإنها ما زالت إحدى خوالد الفن والرواية فى تاريخ الآداب الإنسانية، وما زالت محتفظة بطزاجتها ورونقها ونضارة شخصيتها المحورية.


ذلك العجوز المدهش، «المعلِّم» (ويمكن أن تضع فتحة على التشديد أو كسرة، والمعنيان معًا دقيقان وصائبان)، دون أن يلتحق بالمدارس أو الجامعات، والمتأمل المتفلسف دون أن يدّعى أنه فيلسوف، «زوربا» ذلك الذى يمتلك «رقة متوحشة» بدائية وهمجية لا تحدها قيود، يبكى كطفل، ويحارب كمقاتل أسطورى، ذلك الذى عرف سر الحياة وبهجتها وآلامها، فواجه الموت بابتسامة ساخرة و«رقصة» متحررة صارت أيقونة إنسانية عالمية حينما تجسدت على شاشة السينما!


(3)
الرواية التى تحولت إلى فيلم شهير، من بطولة الممثل العالمى أنتونى كوين، والممثلة اليونانية المعروفة إيرين باباس، ومن إخراج كاكويانيس عام 1964 (أى بعد صدور الرواية بنحو ثمانى عشرة سنة)، تُرجمت إلى أغلب لغات الدنيا، ومن بينها اللغة العربية؛ فصدرت الترجمة الأولى لها عن الفرنسية عام 1965 لجورج طرابيشى، عن دار الآداب ببيروت، ثم صدرت ترجمة أخرى عن الإنجليزية لخالد جبيلى، صدرت عن منشورات الجمل ببيروت أيضًا، وهما الترجمتان ذائعتا الصيت اللتان تعرّف من خلالهما القارئ العربى على رائعة كازانتزاكيس «زوربا»، هذا عدا الترجمات الأخرى التى لم تقع تحت أيدينا ولا نعلم عنها شيئًا!


ولكن من المهم، فى هذا السياق، التنويه بالترجمة التى اضطلع بها خالد رءوف، وصدرت عن المركز القومى للترجمة بالقاهرة قبل عشر سنوات، ربما أو يزيد، خصوصًا أنها عن اليونانية مباشرة، وليست عن لغة وسيطة، وجاءت تحت عنوان «أليكسيس زوربا.. سيرته وحياته»، واغتنت هذه الترجمة بتفصيلات وإشارات مهمة خلت منها الترجمات السابقة عن الفرنسية أو الإنجليزية، بحسب ما أكد المترجم فى صدر الكتاب.


«زوربا»، بطل الرواية ومحور أحداثها ووقائعها، شخصية حقيقية التقاها كازانتزاكيس فى جزيرة كريت، وكان عاملًا عجوزًا تعرّف إليه واقترب منه، وقرر أن يسجل سيرة حياته فى عمل روائى تخليدًا لذكراه، ولما تركه من أثر بالغ العمق فى نفس ووجدان وعقل كازانتزاكيس.


(4)
يقول كازانتزاكيس عن بطله الأثير: «علّمنى زوربا أن أحب الحياة، وألا أخاف الموت»، ووصفه أيضًا فى صدر الرواية بقوله: «هذا الرجل لديه كل ما يحتاجه أى شخص مثقف لكى ينجو: العين البرية التى ترصد غذاءها بحدة، والإبداع، والبساطة المتجددة كل صباح بأن يرى كل شىء لأول مرة، ويمنح العناصر اليومية الأبدية عذرية خاصة: الهواء، والبحر، والمرأة، والنور، والخبز، يقين الكف وطزاجة القلب، الشجاعة فى أن يسخر من ذاته وروحه، كانت لديه قوة أخرى أقوى وأرقى من الروح، وأخيرًا ضحك صاخب يأتى من نبع عميق، أعمق من أحشاء الإنسان، ضحك ينفجر فى صدر زوربا العجوز فى اللحظات الحرجة، فيشفى ويحرّر كل الآلام».


أثّر «زوربا» الحقيقى فى حياة كازانتزاكيس تأثيرًا يعادل كبار الأدباء والفلاسفة، فخلّده فى هذه الرواية التى لا تبلى جدّتها، ولا طرافتها، ولا روحها الساخرة.. رواية تنضح بالسؤال والدهشة والبحث عن جوهر الإنسان، الذى تمزق بين ما اعتبره «ثقافة ومعرفة» وبين حالته البدائية وسعيه إلى امتلاك العالم.


وما زال البحث عن «زوربا» مستمرًا!