‎هل يسقط لبنان فى فخ «التطبيع القسرى»؟ - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأربعاء 15 أبريل 2026 3:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

‎هل يسقط لبنان فى فخ «التطبيع القسرى»؟

نشر فى : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:35 م | آخر تحديث : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:35 م

لم يكن إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو «بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان» سوى محاولة لفرض «تطبيع قسرى» على الدولة اللبنانية، بعدما كشفت الجولة الأخيرة من الحرب أن حزب الله لا يزال يمتلك قدرات عسكرية تمكنه من إلحاق الضرر بمستوطنات شمال إسرائيل، وفق تقديرات قيادة المنطقة الشمالية بجيش الاحتلال.

مبادرة نتنياهو، التى أعلنها فى «ضوء المطالبات  المتكررة»، والتى تهدف حسب بيان مكتب رئيس حكومة الاحتلال إلى «نزع سلاح حزب الله، وإقامة علاقات مع بيروت»، جاءت عقب محادثات مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، دعا خلالها الأخير إلى تهدئة الضربات وبدء محادثات هدفها الرئيسى فصل الجبهة اللبنانية عن جبهة إيران فى جولة المفاوضات التى انتهت دون اتفاق فى إسلام أباد.

المناورة الإسرائيلية، تستهدف أيضا إخراج المواجهة مع حزب الله من أى مسار تفاوضى يجمع بين تل أبيب وبيروت، ما يعنى استمرار الهجمات على المدن اللبنانية رغم بدء المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وهو ما قد يزيد من منسوب الاحتقان الداخلى، إذ يرى الحزب أن التفاوض مع العدو «خرق فاضح للدستور وتلاعب بمصير البلد»، فى الوقت الذى تحمله الحكومة مسئولية جر البلاد إلى «مغامرة غير محسوبة».

قبل عام تقريبا، كشف المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف عن ملامح الرؤية الإسرائيلية للمنطقة، معتبرًا أن تل أبيب تفرض بالفعل سيطرة ميدانية على لبنان وسوريا، وأن هذه الهيمنة تمثل مدخلًا لفرض مسار تطبيع يبدأ بالقضاء على الجماعات المرتبطة بإيران، ويمتد إلى إدماج البلدين فى علاقات مع إسرائيل، وصولا إلى إعادة تشكيل المنطقة حسب هذه الرؤية.

وفق هذه المعادلة، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تتلخص فى أنه «إذا تعثر التطبيع الطوعى، يفرض التطبيع القسرى على الدول التى نستبيح أجواءها وأراضيها، ونملك القدرة على هندسة نظمها السياسية».

إنه «سلام القوة» الذى بشر به نتنياهو منذ عقود، سلام الإخضاع وإجبار «الأغيار» على الاستسلام والإذعان وكسر الإرادة، وهى ذات الرؤية التى يتبناها ترامب وكشف عنها قبل شهور فى خطابه بالكنيست عندما تحدث عن «السلام الأبدى» الذى تحقق بعد هزيمة من وصفهم بـ«قوى الفوضى فى الأقليم»، ما ساعد على «بزوغ فجر تاريخى فى شرق أوسط جديد».

لا تؤمن إسرائيل يومًا بما كان يُطلق عليه البعض «السلام العادل»، فهذه المقاربة، بما تحمله من دلالات، «مجرد وهم»، حسبما أكد توم براك، المبعوث الأمريكى للمنطقة، إذ يرى أن «جوهر الصراع هو الإخضاع، الذى يتركز على الهيمنة لا على ترسيم الحدود».

غير أن الوهم الحقيقى هو الاعتقاد بإمكانية إخضاع شعوب هذه المنطقة؛ فما فشلت فيه إسرائيل على مدار ثمانية عقود، لن تنجح فى تحقيقه اليوم، والدليل أن من أدعى ترامب أنه قضى عليهم قبل 6 شهور فقط، عادوا وخاضوا معركة جديدة بثبات وصمود، وهو ما يثبت أن فجر الشرق الأوسط الجديد لن يبزغ إلا بعد انتصار شعوبه على قوى الشر.

فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى، اجتاحت إسرائيل بيروت بعد حصار دام نحو ثلاثة أشهر، فى عملية «سلامة الجليل»، التى رُوج لها باعتبارها محاولة لـ«تأمين شمال إسرائيل وفرض سلام مع لبنان».

لكن الوقائع، كما يوضح المؤرخ الإسرائيلى يغآل كيبنيتس فى كتابه «الطريق إلى حرب لبنان»، تشير إلى أهداف أعمق وتتمثل فى؛ القضاء على منظمة التحرير، وإخراج القوات السورية، وفرض قيادة لبنانية موالية، ثم توقيع اتفاق سلام.

سعت إسرائيل من خلال تلك العملية التى قُتل فيها نحو 20 ألف لبنانى وفلسطينى، إلى إنشاء منطقة عازلة تمتد 40 كيلومترًا داخل الأراضى اللبنانية، وإعادة تشكيل المعادلة السياسية فى لبنان.

وكان من نتائجها المباشرة خروج ياسر عرفات وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، واغتيال بشير الجميل، زعيم حزب الكتائب، الذى دعمت إسرائيل انتخابه رئيسا للجمهورية، وارتكاب القوات الموالية للاحتلال مجزرة صبرا وشاتيلا التى سقط فيها آلاف الشهداء والمصابين.

ورغم بحر الدماء الذى سال، إلا أن محاولة فرض معاهدة سلام على لبنان فشلت وسقطت الاتفاقية لاحقا، والأهم أنه خرج من تحت ركام تلك المعركة حزب الله الذى شكل خلال 4 عقود التهديد الأبرز لأمن إسرائيل.

اليوم، تعيد إسرائيل المحاولة، وتتجاوب معها بعض القوى اللبنانية، التى لا تدرك خطورة قبول  فرض السلام بالقوة وإخضاع المقاومة. 

الفارق أن حكومة الاحتلال تسير فى هذا الطريق وهى تدرك أهدافها جيدًا، بينما تبدو تلك القوى كمن يمضى إلى الفخ  دون رؤية واضحة، ودون حتى أن تعيد قراءة التاريخ لاستخلاص دروسه.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات