مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية منذ 28 فبراير 2026، نموذجًا حيًا لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى فى توليد المحتوى المزيف لأغراض الدعاية السياسية والعسكرية؛ وهو ما يُمثل امتدادًا للدور ذاته فى حربى أوكرانيا وغزة، وجزءًا من مشهد أوسع يتزايد فيه التوظيف الممنهج للمحتوى المولد إبان الأزمات؛ من أجل بناء سرديات تشتت الرأى العام وتلوث مصادر المعلومات العامة، وتعوق القدرة على تقدير المواقف فى فترات مرتبكة بالأساس، لما تحمله من ضغوط تجعل المتلقين أقل قدرة على الفرز والتحقق وسط حالة من الغموض وعدم التأكد.
• • •
لم يعد الذكاء الاصطناعى فى الحروب مجرد أداة مساعدة لإنتاج المحتوى المضلل؛ لكنه يُعيد تصميم الحدث ذاته من أجل جعله أكثر إقناعًا وتأثيرًا؛ وهو ما يجيب على السؤال المُلح، إذا كانت الهجمات تقع بالفعل؛ لماذا تحتاج آلة الدعاية العسكرية لمحتوى اصطناعى يُحاكى واقعًا يوجد بالفعل ما يوثقه؟ لتتكشف الإجابة بأن الذكاء الاصطناعى لا يتعلق هنا بكونه زيفًا؛ لكنه مطلوب لتمثيل الواقع بطريقة أكثر درامية؛ ومن ثم أكثر تأثيرًا، ولإعادة تعريف كيف يجب أن نرى هذه الحرب.
وبالتطبيق على حالة حرب إيران الراهنة، ومن خلال تفنيد المقاطع المزيفة التى تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعى، ورصدتها خدمات التدقيق المعلوماتى بمؤسسات إعلامية دولية مثل إذاعة ألمانيا ووكالة الأنباء الفرنسية ووكالة أسوشيتد برس، ونيويورك تايمز؛ يمكن تفنيد الاصطناع البصرى الذى قدمته المقاطع الدعائية المولدة بالذكاء الاصطناعى والمستهدف منها، بالتركيز على المقاطع المحاكية للواقع وليست المولدة للتعبير الجرافيكى، وذلك كالتالى:
1- امتياز الرؤية الكاملة: تتضمن المقاطع المصطنعة زوايا التقاط مثالية، لتظهر لحظة الاصطدام بوضوح كامل، بل وتتابع الانفجار الهائل وآثاره التدميرية التى تبدو جلية وضخمة ومفعمة بالركام والدخان الكثيف. وهذا ما لا تحققه اللقطات الحقيقية التى غالبًا ما تكون من مسافات بعيدة، ملتقطة بواسطة أفراد عاديين من داخل ملاجئ أو أماكن آمنة، حيث تبدو الصواريخ كنقاط ضوء والانفجارات كوميض غير محدد. ويتعزز ذلك بإضافة أجواء مقصودة لرفع مستوى الدراما والإثارة البصرية وتعظيم الإحساس بالخطر، ولتعزيز المصداقية أيضًا، بأن تكون تلك المقاطع فى أجواء ليلية، حيث تتوهج السماء بألوان الانفجارات وسط الدخان الكثيف والخلفيات الداكنة، أو جعلها تبدو وكأنها ملتقطة من أقمار اصطناعية أو من كاميرات ليلية أو حرارية.
2- الحشد العاطفى: لا تقتصر البنية البصرية للمحتوى المولد على مشاهد القصف والانفجار، بل تمتد إلى مستوى أكثر تعقيدًا يتمثل فى إنتاج عاطفة جماعية مصممة تستدعى قيم التآزر والانحياز، مثل فبركة منشورات لمشاهير يشاركون فى حملات الدعم السياسى لطرف ضد آخر فى الحرب الراهنة. ويتكامل ذلك مع توليد مقاطع فيديو وصور لجنود باكين أو منهارين نفسيًا، تستحضر البكاء كعلامة بصرية على اختلال ميزان القوة ورمز لهزيمة الخصم، فى توجيه عاطفى لا يخلو من الاحتفاء ضمن ثنائية "نحن/ هم"؛ حيث يتحول الانهيار النفسى لـ"الآخر/ الخصم" إلى دليل رمزى على استحقاق الهزيمة، وهو المحتوى الذى يعيد تشكيل الإدراك العاطفى للحرب.
3- تصوير الجاهزية العسكرية: إلى جانب مشاهد الانفجارات الضخمة وتمثيلات الانهيار النفسى للخصوم، يكتمل البناء الدلالى لسردية "النصر" عبر التمثيلات البصرية للجاهزية والتفوق العسكرى التى تظهر الصواريخ العملاقة والمخابئ المحصنة التى يصعب عرضها فعليًا لأسباب استراتيجية. وتأتى هذه المقاطع المولدة لتقديمها فى صورة أكثر مثالية وبناء تصور ذهنى عن التفوق والاستعداد، وتشكيل الإدراك العام للقدرة العسكرية؛ حيث تُستخدم هذه المواد المصورة المولدة اصطناعيًا لإيصال رسائل تتصل بالردع أو إبراز الجاهزية.
• • •
فى خضم الارتباك الذى يسود فترات الأزمات والحروب، والتى تتضاءل فيها قدرات المتلقين على التمييز بين الحقيقى والمزيف؛ بل وقد يميلون بفعل الاستقطاب والصراع إلى مهاجمة تقارير التدقيق والتصحيح، واتهامها بالانحياز لطرف ضد آخر؛ تتجلى التداعيات الخطرة للتضليل المعلوماتى باستخدام الذكاء الاصطناعى ليس فقط على مستوى الحرب أو الأزمة ذاتها، ولكن على مستوى بناء علاقة صحية بين المستخدمين والبيئة المعلوماتية، وإعادة تشكيل مفهوم الحقيقة ذاته. فالمشكلة لا تقتصر على وجود محتوى مزيف، ولكن انهيار القدرة على التمييز بين الحقيقى والمزيف.
كما تفتح تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى إمكانات غير مسبوقة فى إعادة ترتيب الأحداث زمنيًا داخل المحتوى البصرى، بحيث يمكن عرض مشاهد مزيفة أو معدلة كما لو وقعت فى لحظة محددة مرتبطة بالأزمة أو الصراع، وهو التلاعب الذى لا يقتصر على خلق مشاهد غير حقيقية؛ بل يمتد إلى تغيير الإحساس بتسلسل الأحداث؛ ما يعزز قدرة الجهات الفاعلة على السيطرة على الانطباع العام وتوجيه الانفعالات.
وتتعزز تلك التداعيات الخطرة فى فترات الحروب، بالنظر إلى استراتيجية التشكيك المتبادل التى تتبناها الأطراف المتصارعة؛ حيث يعمد كل طرف للتكتم على خسائره، وتضخيم خسائر الآخر؛ ما يخلق حالة من الفراغ المعلوماتى وبيئة من عدم اليقين، تعزز انتشار الفيديوهات المولدة ليس كأكاذيب، وإنما كتفسيرات محتملة لا يمكن التحقق منها.
• • •
لا يمكن قراءة تلك الممارسات كظواهر عابرة؛ لكنها تحمل مؤشرات واضحة على تحولات فى الاستراتيجيات الاتصالية لا سيّما فى فترات الحروب والأزمات، حيث لا يكون الذكاء الاصطناعى مجرد أداة جديدة فى ترسانة الصراع؛ بل إنه يعيد تعريف دائرته الأساسية، منتقلًا بها من الميدان إلى الإدراك العام، وما يُكونه الجمهور من تصورات لا تتطابق بالضرورة مع ما يحدث بالفعل. ويأتى ذلك فى إطار حرب لإدارة المعنى، ليس فقط وفق آليات الانتفاء الإعلامى التقليدية، ولكن بتقنيات بناء واقع بديل لا أصل له؛ تعيد الحقيقة ذاتها فى عالم لم تعد فيه الرؤية دليلًا كافيًا على التصديق.
ومع حتمية استخدام المحتوى المولد، بدوافع الاقتصاد والتكنولوجيا والتطور، وشرعنة استخدامه فى ضوء سوابق التوظيف عبر المؤسسات والفواعل الدوليين الأكبر والأكثر نفوذًا، وشواهد الاستخدام فى الوقائع والأزمات الدولية الأكثر تأثيرًا؛ لن تكون المواد المولدة نصوصًا منفصلة يمكن رصدها وتفنيدها؛ بل ستندمج تدريجيًا داخل البيئة المعلوماتية، سواء فى سياقات الحروب أو الكوارث أو الأزمات السياسية، بحيث يصبح كل محتوى بما فى ذلك الحقيقى قابلًا لإعادة التشكيل، ومجالًا للنقاش وتبادل التُّهم والتشكيك، وفق عوامل متشابكة لا تخلو من دوافع الاستقطاب والتوجيه؛ الأمر الذى يصيب المجال المعلوماتى بالسيولة التى تفتقد إلى المرجع وتصبح قابلة للتأويل المستمر.
وينعكس هذا التحول فى إعادة صياغة استراتيجيات الدعاية وإدارة الأزمات، وبدلًا من السعى لإقناع الجمهور برواية واحدة متماسكة؛ تتجه الجهات الفاعلة إلى إغراق المجال العام بروايات متعددة؛ بل وقد تكون متناقضة، بحيث يصبح الهدف ليس الإقناع، بل الإرباك والتشتيت، فى بيئة تتراجع فيها قيمة التفنيد أمام المكاسب الفورية التى يحققها المحتوى المضلل بمجرد نشره، حيث تتلقفه المجتمعات الرقمية وتسهم فى تداوله وانتشاره وتضخيم تأثيره حتى وإن تم نفيه وتكذيبه.
وأمام هذه التطورات الخطرة فى إدارة الإدراك خلال فترات الصراع، تزداد أهمية تعزيز مفهوم «الأمن المعرفى» وتوطيد بنيته وركائزه، وهو المفهوم الذى ناقشه معهد آلان تورينج (The Alan Turing Institute) البريطانى فى تقرير له عام 2020، كمصطلح شامل يركز على العمليات التى تنتج من خلالها المجتمعات المعلومات وتوزعها وتقيمها وتستوعبها، وكذلك على التهديدات التى تحد من الوصول إلى المعلومات أو تقوض القدرة على تقييم صحة المعلومات أو موثوقية مصادرها؛ بما يحمله ذلك من تداعيات على قدرة المجتمع على اتخاذ قرارات مستنيرة وفى الوقت المناسب، وعلى تنسيق الإجراءات استجابة للأزمات.
ويتطلب ذلك صياغة استراتيجيات للإدارة المعرفية الجمعية، تتكاتف فيها الحكومات والمؤسسات الإعلامية والمنظمات الأكاديمية، للعمل على تطوير آليات تعزز قدرة المجتمعات على تحديد مصداقية المعلومات. ويكون ذلك عبر أطر تنظيمية وبنيوية، تشمل تنمية الوعى المعرفى، وتحسين التعليم والوعى الإعلامى والفكر النقدى، وتطوير أدوات فنية وتقنية للتحقق من مصادر المحتوى وتقييمه بطريقة شفافة وموثوقة، دونما الاقتصار على منصات تدقيق المحتوى الرقمية ومهاراتها، لكن عبر استراتيجيات متكاملة لإدارة الإدراك العام توازن بين حرية التعبير ومكافحة التضليل، وتعمل على استعادة الثقة فى الأنظمة المعلوماتية ككل. وهذا ما يمكن أن يكون أحد أهم استراتيجيات التصدى لتداعيات الذكاء الاصطناعى التوليدى فى الحروب والأزمات.
فاطمة الزهراء عبدالفتاح
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى: