نحو مدخل نظرى لفهم الحربين الإسرائيليتين على إيران فى 2025 و2026 - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
السبت 11 أبريل 2026 6:14 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

نحو مدخل نظرى لفهم الحربين الإسرائيليتين على إيران فى 2025 و2026

نشر فى : الأربعاء 8 أبريل 2026 - 8:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 أبريل 2026 - 8:45 م

منذ انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى 28 فبراير 2026، يحاول علماء السياسة وأساتذة العلاقات الدولية، ليس فقط فى منطقة الشرق الأوسط، بل على الصعيد العالمى، أن يبحثوا عن الإطار النظرى الملائم الذى يساعد على فهم تلك الحرب وبواعثها وأهدافها وتفسير مسارها حتى هذه اللحظة، ونحن فى الأسبوع السادس بعد اندلاعها، وذلك بعد أقل من تسعة أشهر على حرب الاثنى عشر يوما الإسرائيلية على إيران والتى دخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب إسرائيل فى يومها قبل الأخير.

ومن جانبنا، نرى أن أى نظرية واحدة من نظريات العلاقات الدولية لا تصلح وحدها للمساعدة على فهم وتفسير الحرب الجارية على إيران وتداعياتها وانعكاساتها أو حرب يونيو 2025، سواء على أطرافها المباشرة، أو على الصعيدين الإقليمى والعالمى فى سياق أوسع، ومن ثم فيتعين علينا أن نجمع ما بين أكثر من نظرية وتحقيق توليفة بينها لنخرج فى النهاية بإطار نظرى ملائم يسمح بالتوصل إلى رؤية أفضل للأحداث الجارية وخلفياتها.

والتوليفة الأفضل لمعالجة هذه الحرب من ناحية النظرية والمنهج، من وجهة نظرنا، هى الجمع ما بين نظرية الواقعية الكلاسيكية الجديدة من جهة والنظرية البنائية الاجتماعية من جهة أخرى.

فمن منظور تحليلى قائم على نظرية «البنائية الاجتماعية»، فإن المنظومة الأيديولوجية والفكرية وكذلك السرديات الدينية لا تكتفى فقط بتحديد صورة الذات لكل من دولة إسرائيل والجمهورية الإيرانية الإسلامية، بل إنها تقوم إلى حد كبير بتشكيل السياسة الخارجية لكل من الدولتين، بحيث يرى كل منهما الآخر ليس كطرف منافس أو حتى كخصم، بل يراه عدو عقائدى وأيديولوجى وتهديد لحياته ووجوده وفرص بقائه.

فالحكم الإيرانى الحالى يقدم نفسه للشعب الإيرانى ومجمل شعوب الأمة الإسلامية، سواء كانت من السنة أو الشيعة أو الإباضية أو غيرها من المذاهب الإسلامية، ومنذ انتصار الثورة الإيرانية فى فبراير 1979 وما تلاه من سيطرة الموالين لنهج آية الله الخمينى على مقاليد ومفاصل السلطة والحكم فى إيران وتأسيس دولة جديدة تقوم على أسس نظرية «ولاية الفقيه»، والتى تمثل الإسهام العقائدى والمذهبى والفكرى للخمينى، باعتباره حاملاً للواء الدفاع عن الأمة الإسلامية ويسعى لتحرير هذه الأمة وتحقيق وحدتها ومجدها وتقدمها.

وعلى الجانب الآخر، فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ إنشاء الدولة فى عام 1948 سعت بشكل مستمر إلى تكريس مفهوم تعريف إسرائيل لنفسها أمام المواطنين اليهود المقيمين فى داخلها، وكذلك ليهود العالم بأسره أيا كان مكان إقامتهم أو الجنسية التى يحملونها، باعتبارها دولة يهودية صرف، ولها جذور وأحلام تاريخية ودينية توراتية، ولها طموحات إقليمية، بما فى ذلك أطماع توسعية واستيطانية، وتسعى إلى جذب جميع اليهود فى العالم، سواء للإقامة بها أو تقديم الدعم اللا محدود واللا مشروط لها.

وقد دفعت تصورات التهديد لدى كل من البلدين وحكومتيهما كلا منهما إلى السعى لبناء وإقامة شبكات من التحالفات ذات الطابع الاستراتيجى، سواء على الصعيد الإقليمى أو على الصعيد العالمى، بهدف تعزيز قدرات كل منهما على الصمود ودعم مكانتها الإقليمية وقيمتها الدولية بالإضافة إلى العمل من أجل مواجهة أو احتواء، أو على أقل تقدير التقليل والتخفيف من التهديدات المفترضة أو المحتملة التى تهدد وجودها.

وعلى هذه الخلفية ومن هذا المنظور، اعتبرت إسرائيل تطوير إيران لبرنامجها النووى، وربما حتى قبل قيام وانتصار الثورة الإيرانية، ومنذ بدء اتخاذ خطوات تنفيذية لبلورة وتطوير الشاه الراحل محمد رضا بهلوى لبرنامج نووى إيرانى فى عام 1967، قد يشكل عنصر تهديد محتمل، ولكن من المؤكد أن هذا الإدراك والوعى تضاعف بشكل متسارع منذ انتصار الثورة الإيرانية فى عام 1979، وساعد على ذلك تصاعد لغة الخطاب الإيرانى المعادى لإسرائيل، وهو تصعيد كان له دوره، ضمن أمور وعوامل واعتبارات أخرى، فى حشد وتعبئة الاصطفاف الشعبى والدعم والتأييد لآية الله الخمينى، سواء داخل إيران أو بين صفوف شعوب البلدان الإسلامية الأخرى أو بين المسلمين المقيمين فى المهجر أو فى المنفى، ولكن على الجانب الآخر نجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة فى توظيف هذا الخطاب عالى النبرة الموجه ضدها والمستهدف وجودها من جانب إيران لتعبئة الشعب الإسرائيلى ويهود العالم، والحصول على تأييد العالم الخارجي، خاصة الدول الغربية، وفى المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية، وتحريضهم وتجييشهم ضد إيران وبناء الاستعداد لديهم لمواجهة قادمة مع إيران فى أى وقت، كما صرح رئيس الوزراء الإسرائيلى خلال حرب 28 فبراير الأمريكية الإسرائيلية الحالية ضد إيران بأنه كان يتطلع إلى شن الحرب ضد إيران منذ أربعة عقود.

كما ساعد على بلورة وتطوير الرؤية الإسرائيلية للتهديد الوجودى الإيرانى لها والترويج لها شعور إسرائيل بالخطر من تحالف إيران مع تنظيمات معادية لإسرائيل وقريبة منها جغرافياً وتشكل تهديدا لها ولبقائها، وفى مقدمتها حزب الله فى لبنان وحركة حماس وغيرها من الجماعات والتنظيمات المسلحة ذات التوجهات الأصولية والجهادية الإسلامية فى فلسطين بشكل عام وفى قطاع غزة على وجه الخصوص، وجماعة «أنصار الله» المعروفة سياسيا وإعلاميا باسم جماعة الحوثيين فى اليمن وعدد من التنظيمات الشيعية العراقية المؤيدة لإيران مثل «الحشد الشعبى» و«كتائب حزب الله»، وتعتبر إسرائيل أن هذا التحالف، والذى كان يضم فى السابق أيضا كجزء منه النظام الحاكم فى سوريا فى عهد الرئيس السابق بشار الأسد قبل سقوطه فى ديسمبر 2024، يشكل خطرا جسيما على بقائها ووجودها.

وفى المقابل، ومنذ تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران فى عام 1979، ترى القيادة الدينية والسياسية الإيرانية فى إسرائيل قوة إمبريالية وتوسعية قائمة على الاستيطان على الصعيد الإقليمى، كما ترى فيها امتدادا للنفوذ الغربى وللحضارة الغربية، وبصفة خاصة امتدادا للهيمنة العالمية الأمريكية، ومن ثم ترى مجرد وجودها خطرا على بقاء ووجود واستمرار نظام «ولاية الفقيه» والمنظومة التى أفرزها، وترى فى تعزيز قوتها ومكانتها الإقليمية والدولية خصماً من رصيد القوة والمكانة الدولية والإقليمية لإيران. 

أما من منظور نظرية «الواقعية الكلاسيكية الجديدة» فى العلاقات الدولية، فإن كلا من إيران وإسرائيل يعطى الأولوية للبقاء والوجود، والأمن القومى، والنفوذ الإقليمى. فبالنسبة لإسرائيل، يعنى ما تقدم الحفاظ على الذات وحماية الأمن القومى مواجهة الطموحات النووية الإيرانية ودعمها للفاعلين المتحالفين معها من غير الدول فى المنطقة، وخاصة حماس فى فلسطين وحزب الله فى لبنان والحوثيين فى اليمن وعدد من التنظيمات الشيعية العراقية المسلحة الموالية لإيران، أما إيران، فترتبط معارضتها لإسرائيل بدورها الذى تعلنه فى الداخل والخارج عن نفسها دائماً كمدافع عن الأمة الإسلامية وتحريرها ووحدتها وتقدمها، ومعارضتها لخطط الهيمنة الإسرائيلية فى المنطقة، فضلًا عن قلقها الدائم من تفوق إسرائيل العسكرى، بما فى ذلك ترسانتها النووية.

ويرى كل طرف قدرات وتحالفات الطرف الآخر كتهديد لوجوده وبقائه. ويتمثل الصراع الحقيقى بينهما فى السعى للعب دور القوة الإقليمية المسيطرة فى الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وبناءً على تفوقها العسكرى، اعتمدت إسرائيل استراتيجية الضربات الاستباقية ضد التهديدات المتصورة أو المفترضة أو المحتملة، بينما اعتمدت إيران منذ ما قبل حرب الاثنى عشر يوما فى يونيو 2025 على استخدام حلفائها الإقليميين، وخاصة الأقرب جغرافيا إلى إسرائيل، لمهاجمتها مع السعى قدر الإمكان لتجنب الصدام العسكرى المباشر مع إسرائيل. كما نجحت إيران خلال الفترة السابقة على  حرب يونيو، ثم مجددا ما بين حرب يونيو 2025 وحرب فبراير 2026، ولو بشكل نسبي، فى تحسين، أو مواصلة تحسين، علاقاتها مع بعض الدول العربية.

وترتبط الشرعية الداخلية للنظامين السياسيين فى تل أبيب وطهران أيضا بهذا الصراع بينهما. ففى حالة إيران، يعزز الخطاب المعادى لإسرائيل، ومعارضة الخطط الإسرائيلية والغربية فى المنطقة، ودعم الشعب الفلسطينى وغيره من الشعوب الإسلامية المقهورة أو المظلومة أو المضطهدة، مثل الشعب اللبنانى، من الشرعية الداخلية للحكم القائم فى طهران. أما فى حالة إسرائيل، فقد أدى تصاعد شعبية اليمين الشعبوى على مدار الربع قرن الأخير على نحو خاص إلى نجاح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التى غلب عليها المكون اليمينى على مدى العقود الأخيرة فى إبراز وإعطاء الأولوية ومرتبة الصدارة لقضايا الحياة والوجود والبقاء والأمن والسلامة بهدف حشد وتعبئة الدعم الشعبى الداخلى لتبنى استراتيجيات وسياسات خارجية أكثر عدوانية وتدخلية فى شئون الغير، خاصة من بين صفوف دول وشعوب المنطقة الأخرى، وهى جميعاً شعوب إسلامية وأغلبها شعوب عربية.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات