بدأ موسم الحج، الذي تشتاق فيه قلوب المسلمين وعيونهم إلى الكعبة المشرفة بيت الله في أرضه، التي يوجه إليها المصلون وجوههم ويطوف بها الحجاج في مناسكهم، فللبيت العتيق حكاية طويلة منذ رفع نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعده بوحي من الله، إلى آلاف السنين بقيت فيها الكعبة شعيرة دينية للمسلمين يسافرون لها من كل مكان.
وتسرد "الشروق"، أهم الأحداث حول الكعبة المشرفة عبر تاريخها، وذلك وفق ما ورد في كتب: "أخبار مكة للواقدي، وأخبار مكة للأزرقي، وإخبار الكرام بأخبار المسجد الحرام للأزدي، والتاريخ الكامل لابن الأثير".
الملائكة أول من بناه
يرجح كثير من العلماء، أن الكعبة كانت مبنية من قبل عصر نبي الله إبراهيم عليه السلام، مستدلين بقول الله تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" سورة البقرة؛ ما يشير إلى أن الكعبة كانت مبنية من قبل؛ ليختلف العلماء حول من بناها، إذ ذهب فريق إلى أن الملائكة أول من بناها، لكن الآخر يقول إن نبي الله آدم أول من بنى الكعبة.
البناء بأيدي نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام
ذهب نبي الله إبراهيم بابنه إسماعيل وزوجته هاجر ليقيموا عند بيت الله الحرام، حيث نشأ نبي الله إسماعيل، وعندما بلغ شبابه أوحى الله لنبي الله إبراهيم ببناء الكعبة، ومكان قواعدها التي كانت مردومة تحت الأرض، ليرفع النبيان عليهما السلام القواعد، ويقيما بناء الكعبة؛ ليشهد على ذلك موقع مقام إبراهيم عليه السلام، وحجر إسماعيل عليه السلام، ولا تزال آثارهما باقية يشاهدها الحجاج.
وكان بناء نبي الله إبراهيم للكعبة مختلفًا عن شكلها الحالي، إذ كان لها بابان على مستوى الأرض، وكانت أوسع وأقل ارتفاعًا من شكل الكعبة الحالي، ولم يكن لها سقف من الأعلى.
الكعبة وحادثة الفيل
ظل العرب يحجون للكعبة منذ أذن نبي الله إبراهيم بالحج؛ لتصبح قبلة العرب عندما كانوا موحدين، وحتى بعد عبادتهم للأصنام، لكن تصادف بإحدى السنين أن بنى أبرهة الحبشي حاكم اليمن آنذاك، مبنى سماه القليس، وأجبر العرب على الحج إليه وترك الكعبة؛ ليرد العرب بالسخرية وتدنيس القليس بالقاذورات، ما أغضب أبرهة وجعله يسير بجيش عظيم يتقدمه فيل مخصص لهدم الكعبة، ثم ليلتقي أبرهة بعبد المطلب سيد قريش وجد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال عبد المطلب مقولته الشهيرة: "للبيت رب يحميه".
وأصبح جيش أبرهة في اليوم التالي متوجهًا نحو الكعبة لهدمها، فكانت أول علامة أن برك الفيل رافضًا التحرك نحو الكعبة، وبينما يحاول الجنود توجيهه حجبت السماء موجات من الطير الأبابيل تشبه الطيور البحرية برؤوس سوداء ومناقير حمراء، و٣ حجارة صغيرة لكل طير يقذفها على خوذة الجندي فتخترق جسده حتى تصل الأرض، لتكون نهاية الجيش المعتدي على الكعبة.
ثالث بناء للكعبة بمشاركة النبي محمد
شهدت الكعبة حريقًا قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعدة سنوات، حين أرادت سيدة تبخيرها فنشبت بها النار، وسقطت جدرانها، لتقرر قريش إعادة بنائها ولكن بشرط أن يكون بأموال شريفة ليس فيها أجر زنى أو بقية ربًا أو مال مغصوب؛ ما تسبب في تقليل مساحة الكعبة لقلة النقود اللازمة، بينما أضافت قريش تفصيلة على التصميم الأساسي بجعل باب واحد فقط للكعبة يرتفع لأمتار عن الأرض لتنظيم دخول من توافق عليه قريش فقط إلى الكعبة.
وشهدت عملية البناء خلافًا شديدًا بين قبائل قريش على من يضع الحجر الأسود؛ لدرجة جعلت قريش على شفا الحرب، حتى اتفقوا على أول شخص يدخل مجلسهم ليحكم بينهم، وكان أول من دخل هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ليحكم بأن يوضع الحجر في ثوب يحمله جميع سادة القبائل، ثم ليضع الرسول محمد الحجر بيديه الشريفتين في مكانه بالكعبة.
الكعبة من ظلام الجاهلية لنور الإسلام
احتفظ مشركو العرب بشعيرة الطواف حول الكعبة رغم عبادتهم للأصنام، ليقيموا ٣٦٠ صنمًا حول الكعبة، أما في بداية البعثة النبوية فكان المسلمون ممنوعين من الصلاة عند الكعبة، ليتغير كل ذلك مع فتح مكة حين طاف الرسول صلى الله عليه وسلم حول الكعبة وبيده عصًا يشير بها إلى الأصنام فتسقط تباعًا، حتى فرغ مطاف الكعبة من جميع الأوثان.
هدمت مرتين في 9 سنين
وتأثرت الكعبة المشرفة بأحداث الفتنة، إذ دارت معركتان بين الأمويين وعبد الله بن الزبير خليفة الحجاز رضي الله عنه، حيث صد الزبير الغزو الأموي الأول والذي تسبب في تدمير الكعبة بكرة نارية من منجنيق، ليبنيها عبد الله بن الزبير على شكلها الأول وفق حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لتكون الكعبة بمساحة أكبر من بناء قريش ولها بابان منخفضان، ولكن سرعان ما عادت الجيوش الأموية بقيادة الحجاج الثقفي ليهدم الكعبة مجددًا بضربة منجنيق خلال القتال، ثم ليعيد الحجاج بناءها على طريقة قريش بباب واحد مرتفع ومساحة أصغر لا تشمل حجر إسماعيل بين جدرانها.
بمشاركة مصرية آخر بناء للكعبة
واستمرت الكعبة منذ عهد عبد الملك بن مروان الأموي دون أن تتعرض لأي حادث هدم حتى سقطت جدرانها بفعل السيل سنة ١٦٣٠ ميلاديًا خلال خلافة السلطان العثماني مراد الرابع، والذي كلف مهندسين مصريين ليشرفوا على إعادة بناء الكعبة وعدم الاكتفاء بالترميم، ليتم بناؤها في العام التالي في غرة شهر رمضان سنة ١٠٤٠ هجريًا، بينما اقتصرت أي تجديدات لاحقة للكعبة على الترميم والإضافات فقط، وكان بناؤها الأخير على طريقة قريش بباب واحد مرتفع ومساحة لا تشمل حجر إسماعيل.