قال المهندس إبراهيم المعلم إن معركة حماية الملكية الفكرية في العالم العربي تُعد من أصعب المعارك التي خاضها، قائلاً: «في حياة الإنسان معارك كبيرة وخطيرة، وساعات بيحقق نجاح جزئي وساعات بيفشل، ومن أكبر المعارك اللي أنا بعترف بالفشل الرهيب فيها هي معركة الملكية الفكرية في العالم العربي».
وأضاف، خلال اللقاء الذي نظمته مكتبة مصر العامة مساء السبت، تحت عنوان «الملكية الفكرية والابتكار كأدوات هامة للتنمية في الوطن العربي»، وتحدث خلالها السفير وليد عبدالناصر، المدير السابق للمكتب الإقليمي للدول العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو"، وأدراها السفير رضا الطايفي، أن التقدم في هذا الملف كان يتعرض دائماً للتراجع، قائلاً: «كنا أحياناً نحقق خطوات للأمام ثم نرجع عشرة للخلف»، مؤكداً أن المشكلة لا ترتبط فقط بالقوانين، وإنما تمتد أيضاً إلى ضعف الوعي والإرادة بأهمية حماية الحقوق الفكرية.
وأشاد المعلم بالدور الذي يقوم به الدكتور وليد عبد الناصر في هذا الملف، لافتاً إلى خبرته وتأثيره داخل المنظمة العالمية للملكية الفكرية «الوايبو»، مشيراً إلى أنه تعامل معها سابقاً بصفته نائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي.
وكشف عن وجود مواقف وصفها بـ«المؤسفة» من بعض المسؤولين العرب داخل اجتماعات دولية معنية بحقوق الملكية الفكرية، موضحاً أن بعضهم كان يتبنى مواقف ضد تشديد حماية الحقوق الفكرية، بل وصل الأمر ـ بحسب قوله ـ إلى المطالبة بأن تكون مدة حماية حقوق المؤلف خمس سنوات فقط من تاريخ صدور الكتاب.
وأضاف أن هذه الطروحات كانت تُفهم أحياناً باعتبارها تمثل الموقف المصري الرسمي، ما دفعه إلى التواصل مع مسؤولين وسفراء ووزير الخارجية المصري آنذاك، للتأكيد على أن مصر دولة منتجة للثقافة والفن والكتاب والسينما والموسيقى، وأن مصلحتها الحقيقية تكمن في حماية حقوق الملكية الفكرية لا إضعافها.
وقال إبراهيم المعلم: «إحنا في مصر بلد منتجة للثقافة، مش منتجين للأدوية، لكن في الثقافة إحنا بلد لو عايزين نبقى بلد عظمى، إحنا بلد منتجين للكتب والأفلام والموسيقى والفن، وما نتعرض له من اعتداء على حقوق الملكية الفكرية أكبر بكثير مما تتعرض له الصناعات الثقافية المماثلة عالميًا».
وتحدث «المعلم» عن أزمة تشكيل اللجان الوطنية المعنية بالملكية الفكرية، موضحاً أن بعضها يضم موظفين إداريين من وزارات مختلفة، بينما يغيب عنها ممثلو اتحادات الناشرين والسينمائيين والصناعات الإبداعية وأصحاب الحقوق الحقيقيين.
وأضاف المعلم أن وزير الخارجية المصري آنذاك طلب بوضوح ضرورة إشراك أصحاب الحقوق في هذه اللجان، إلا أن الأمر ـ بحسب قوله ـ لم يُنفذ بالشكل المطلوب حتى الآن.
وأكد المعلم أن العالم العربي يعاني أزمة حقيقية في احترام حقوق الملكية الفكرية، مضيفاً: «مش عارف أقول مفيش وعي ولا مفيش إدراك ولا مفيش إرادة».
وأشار المعلم إلى أن اتحاد الناشرين المصري والعربي نظم العديد من المؤتمرات بالتعاون مع منظمة «الوايبو» (WIPO)، في العقود الماضية بمشاركة مسؤولين ووزراء وممثلين عن جهات مختلفة، من بينهم وزير الخارجية ووزير العدل، وبحضور السيدة سوزان مبارك، إلى جانب عدد من الجهات والمؤسسات المعنية.
وأوضح أنه على الرغم من تعدد الجهود المبذولة على مدار السنوات الطويلة الماضية، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة ولم يتم التوصل إلى حلول حاسمة لها حتى الآن.
وروى «المعلم» واقعة أثارت استياءه، عندما تفاخر أحد السفراء بقراءته كتاباً للدكتور زكي نجيب محمود عبر موقع إلكتروني مزور، رغم توافر الكتاب بشكل قانوني ورقياً ورقمياً عبر منصة «هنداوي» المجانية.
وأضاف المعلم أن السفير برر الأمر آنذاك بارتفاع أسعار الكتب، ليرد عليه مؤكداً أن الاتفاقيات الدولية التي وقعتها مصر لحماية الملكية الفكرية يجب احترامها وتطبيقها، موضحاً أن بعض المسؤولين أنفسهم كانوا أطرافاً أثناء توقيع هذه الاتفاقيات، ومع ذلك لا يتعاملون مع ملف حماية حقوق الملكية الفكرية بالجدية الكافية.
وأكد أن مصر تخسر كثيراً بسبب الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي، موضحاً أن حصول المؤلف والمبدع والعالم على حقوقه الأدبية والمادية يضمن استمرار الإنتاج الثقافي وتطوره.
وأشار إلى أن مصر تُعد من أهم الدول المصدرة للثقافة في المنطقة، لافتاً إلى حديث دار بينه وبين مسؤول في مكتبة الكونجرس الأمريكية، أكد خلاله أن مصر ضمن الدول العشر الأكثر تأثيراً في تصدير الثقافة، وأن تأثيرها الثقافي يفوق أحياناً دولاً صناعية كبرى مثل ألمانيا واليابان.
وأضاف أن الأفلام المصرية كانت تُزوّر في بعض الولايات الأمريكية، مع تقديرات بخسائر تصل إلى نحو 50 مليون دولار، لكن المشكلة ـ بحسب قوله ـ أن الجهات المصرية كثيراً ما تتأخر في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوقها.
وشدد «المعلم» على ضرورة حماية حقوق مصر الثقافية والفنية، سواء في الكتب أو السينما أو الموسيقى أو الفنون، مؤكداً أن العالم بات يتحدث اليوم عن «الصناعات الإبداعية» باعتبارها قطاعاً اقتصادياً ضخماً قائماً على المحتوى الثقافي والمعرفي، موضحا أن الصناعات الإبداعية تشمل النشر والبرمجيات.