لطالما كان الشريط السينمائي اللبناني يعرض كثيرا من المشاهد التي تنقل الحرب أو تعبر عنها، سماء لبنان التي لا ترى الراحة من غبار القصف، وأرضها التي لم تهدأ، شاهدتان على إنسانٍ أرهقته الحروب؛ وعن هذا الإنسان تدور أحداث فيلم "والأسماك تطير فوق رؤوسنا" للمخرجة ديمة الحر، التي اختارت أن يكون أبطالها ثلاثة رجال، صار الزمن برتابته والبحر بتقلباته رفيقا لحيواتهم.
وتحاول ديمة، في هذا الفيلم التسجيلي، خلق مساحة للتفكير العميق في الماضي والحاضر، وتشابهات الواقع؛ فرغم مرور الوقت لا شيء يتغير تقريبا، فالطائرات الإسرائيلية لا تزال تحلق وتقصف، والجرحى والشهداء يتوافدون على المستشفيات، وثقوب الرصاص تنظر لأبناء لبنان كأنها عيون جاحظة تخرج من الجدران.
وفي حوارها مع «الشروق»، تحدثت ديمة عن فيلمها وعلاقة السينما بالوطن والحرب.
ما الذي جذبك لتقديم حالة سينمائية عن ثلاثة رجال يعيشون على حافة البحر وكأنهم يقفون على حافة الزمن؟
من عشرين سنة صنعت فيلما قصيرا مع رضا - أجد الشخصيات في الفيلم - على نفس الشاطئ في بيروت، وبعض الرجال الذين يجلسون على الشاطئ، وكان عنوانه "البحر الأزرق في عينيك"، وطول هذه المدة كنت أصور أمورا تتعلق بالمرأة، لكن بالصدفة رجعت إلى نفس المكان بعد مرور سنوات والتقيت رضا بالصدفة، يذهب يوميا إلى الشاطئ مشيا على الأقدام من منزله إلى البحر، وعندما تحدثت معه فكرت في مفهوم الزمن والوقت، وقررت أتطرق لقصص الرجال الثلاثة، الذين لا ينتظرون شيء وتمر الحروب فوق رؤوسهم وهم لا يزالوا جالسين.
عندما صورتي الفيلم (2023 - 2024) هل كان لديك تصور أن يعود القصف فوق رؤوس اللبنانيين بهذه الوتيرة؟
لم أكن متصورة بالتأكيد، لكن الحرب ليست شيء بعيد عنا نحن اللبنانيين، لا يوجد وقت نشعر فيه أن الحرب بلبنان قد انتهت، نحن نعيش دوامة من الحرب، هي جزء من واقعنا، خلص الفيلم وبدأت حرب وانتهى والحرب لا تزال مستمرة.
ماذا يمثل البحر في فيلمك بالنسبة للشخصيات أو للبنانيين؟
رضا قال لي ذات يوم "لوما البحر كان انتحر من زمان"، البحر هو المخلص بالنسبة له، وقاسم وعادل، جميعهم البحر هو الذي يشعرهم أنهم لا يزالون أحياء، مكان يشعرهم بوجودهم، المنقذ الوحيد لنا في بيروت، يعطينا أملا، رغم مرورنا بحالة نفسية سيئة جميعا بسبب الأحداث.
في لحظات العنف الحالية، هل تشعرين أن السينما كفن لها تأثير حقيقي؟ وما علاقة السينما وفنها بالأفراد والحرب؟
لست متأكدة أن السينما من الممكن أن تنقذ شيء، لكنها تجعلنا نفكر ونشعر بأمور لن نشعر بها في أماكن أخرى، تحكي عن الحرب كمرآة للفرد، نشاهد عبرها حالنا، نفكر بطريقة مختلفة، ونحلم، ونزور أماكن لا يمكن في الواقع أن نذهب لها، منذ بداية عملي في السينما فكرت في تصوير أشياء عن الحرب، لكن ليس بشكل مباشر، لذلك أركز على الجسد بحالة الحرب، والفيلم يركز على أجساد رجال ينقلون بواسطة حالتهم الحاضر والماضي الخاص بنا.
إذا افترضنا أنكِ تعيدين تصوير الفيلم في الوقت الحالي بالتزامن مع القصف فما الذي يمكن أن يتغير فيه؟
لا أتصور أني سوف أغير شيء، لأني لا أحب الحكي عن الحرب بشكل مباشر، ولكن أفتش عنها في تفاصيل الأفراد.
هل الوضع الحالي يدفعك لصناعة فيلم جديد عن لبنان؟ وعن ماذا يمكن أن يكون؟
لدي فيلم وثائقي أعمل عليه ولكنه لا يزال في أول الطريق.
عنوان الفيلم كسر لقوانين الطبيعة.. هل كان العنوان محاولة للتعبير عن عالم فقد توازنه؟
اختيار العنوان كان صعبا، كنت أفكر بعنوان يبعدنا عن الواقع، نذهب معه إلى الخيال، أو الأحلام، ربما يُفسر وكأن القذائف تطير فوق رؤوسنا، لكن كان في مخيلتي أن أعبر عن شيء خيالي، ووصلت له بنهاية رحلة الفيلم.