يتجول في شوارع الإسكندرية، رافعا صوته بنداءٍ مألوف، بينما تصدر الصاجات النحاسية رنات مميزة تلفت الانتباه وتستدعي ذاكرة المدينة القديمة، "شفا وخميرة يا عرقسوس"، عبارة تتردد على لسان بائع ارتبط حضوره بالصيف، بملابسه التقليدية من "السديري" والعمة، وحزامه الجلدي العريض الذي تتدلى منه الأكواب، ويحمل إبريقه الكبير، كأنه يحمل حكاية زمنٍ لم يغب تماما، ويواصل رحلته في مواجهة الاندثار، كأحد أبرز رموز المهن التراثية التي لا تزال تقاوم البقاء في شوارع المدينة.
يقول دياب عبدالحفيظ، بائع العرقسوس لـ"الشروق"، إنه يعمل في المهنة منذ 25 عاما، يبدأ يومه مع السادسة صباحا بتخمير العرقسوس، ثم تصفيته وتجهيزه بالثلج قبل أن ينطلق إلى الشارع، بحثا عن رزقه.
وأضاف دياب، أن مهنة بائع العرقسوس كانت منتشرة في جميع شوارع الإسكندرية، خاصة مع بداية فصل الصيف، حيث كانت تمثل مشهدا يوميا مألوفا للمواطنين، إلا أن الأمر لم يعد كما كان؛ إذ تراجعت أعداد البائعين بشكل ملحوظ، وأصبحت قليلة جدا في الوقت الحالي.
وأوضح أن أغلب المهن اليدوية باتت تواجه خطر الاندثار، في ظل تغير أنماط الحياة وتراجع الإقبال عليها، إلى جانب ظهور بدائل عصرية سريعة، مشيرا إلى أن العمل في هذه المهنة شاق ويتطلب مجهودا بدنيا كبيرا، إذ يحمل إبريقا نحاسيا يتجاوز وزنه 50 كيلو جراما، ويتجول به لساعات طويلة في الشوارع وتحت أشعة الشمس، بحثا عن الزبائن، مستمرا في عمله حتى ما بعد المغرب من أجل تحقيق دخل يومي بسيط.
وأشار دياب، إلى أن العرقسوس من المشروبات المفيدة لجسم الإنسان، لما يتمتع به من فوائد متعددة، إلا أنه حذر من الإفراط في تناوله، مؤكدا أن مرضى ارتفاع ضغط الدم يجب أن يتجنبوا الإكثار منه.
ولفت إلى أن المشروبات التي ظهرت في الآونة الأخيرة، والتي تعتمد على خلط أكثر من نوع معا فيما يُعرف بـ"الميكس"، تفتقد الطعم الحقيقي للمشروبات التقليدية وتفقدها جزءا من قيمتها وفائدتها، مؤكدا أن لكل مشروب نكهته الخاصة التي لا تُدرك إلا عند تناوله بمفرده.