تراجع القوة الناعمة الأمريكية وصعود سياسة القوة الصلبة في عهد ترامب.. كيف تفقد الولايات المتحدة أحد أهم مصادر نفوذها العالمي؟ - بوابة الشروق
الأحد 10 مايو 2026 1:14 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

تراجع القوة الناعمة الأمريكية وصعود سياسة القوة الصلبة في عهد ترامب.. كيف تفقد الولايات المتحدة أحد أهم مصادر نفوذها العالمي؟

منى غنيم
نشر في: السبت 9 مايو 2026 - 8:40 م | آخر تحديث: السبت 9 مايو 2026 - 8:40 م

- "فورين بوليسي" تحذر: "الفجوة تتسع بين صورة أمريكا وتأثيرها التعليمي والثقافي العالمي وبين سياساتها الخارجية بسبب نهج إدارة "ترامب" التي لا تعرف سوى الترهيب وإطلاق التهديدات"

- التعريفات الجمركية والقوة العسكرية وممارسات الهجرة العنيفة والهجوم على رؤساء الدول والجامعات..ترسانة "ترامب" في إدارة السياسة الداخلية والخارجية

نشر الأكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد والمتخصص في كتابة المقالات والتحليلات السياسية، ستيفن م. والت، مقال عبر مجلة "فورين بوليسي" تناول من خلاله تحوّل السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد إدارة دونالد ترامب نحو الاعتماد شبه الكامل على القوة الصلبة، مقابل تراجع واضح في استخدام ما يُعرف بـ "القوة الناعمة" التي تقوم على الجاذبية الثقافية والدبلوماسية وبناء النفوذ عبر الإقناع.

ورصد الكاتب تداعيات هذا التحول على صورة الولايات المتحدة عالميًا، وعلى قدرتها على التأثير والتعاون مع الدول الأخرى، في ظل تفكيك مؤسسات تقليدية وتفضيل الحلول السريعة والصفقات المؤقتة على الاستراتيجيات طويلة المدى، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الدور الأمريكي في النظام الدولي.

في البداية، قال "والت" إن من أبرز السمات اللافتة لنهج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السياسة الخارجية - ليس من حيث الأهداف، بل من حيث الوسائل- هو ثقتها المطلقة في القوة الصلبة الأمريكية، وازدراؤها شبه الكامل لما كان الأكاديمي والمفكر السياسي الأمريكي الراحل في مجال العلاقات الدولية، جوزيف ناي، يصفه بـ"القوة الناعمة".

وقد عرّف "ناي" القوة الناعمة بأنها "قوة الجذب"، أي قدرة الدولة على دفع الآخرين إلى فعل ما تريد ليس بالقسر، بل لأنهم يرغبون في الاقتداء بها، أو الارتباط بها، أو اتباع نهجها؛ فالدول التي تمتلك قوة صلبة كبيرة تستطيع فرض إرادتها عبر القوة أو التهديد أو تقديم المساعدات والحماية، بينما تتمتع الدول ذات القوة الناعمة الواسعة بنفوذ أكبر لأن الآخرين يرغبون في أن يكونوا مثلها أو يتبنون قيمها أو يرونها نموذجًا ناجحًا وجاذبًا.

ورأى الكاتب، وهو من أنصار المدرسة الواقعية، أن القوة الصلبة تظل أساسية ولا يمكن التقليل من أهميتها، إذ من الصعب امتلاك قوة ناعمة واسعة دون سند من القوة الصلبة. لكن في المقابل يمكن امتلاك قوة صلبة كبيرة دون أي قوة ناعمة تُذكر، كما يظهر في حالة روسيا بقيادة فلاديمير بوتين.

وأشار إلى أن جوزيف ناي كان يعتقد أن امتلاك الولايات المتحدة مزيجًا من القوتين منحها ميزة هائلة في النظام الدولي، وكان أحد أسباب تفاؤله بمستقبلها، غير أنه في نهاية حياته المهنية بدأ يشعر بالقلق من تراجع جاذبية الولايات المتحدة عالميًا.

وأكد الكاتب أن الاعتقاد بأن القوة الصلبة وحدها كافية بات أمرًا واضحًا خلال ولاية "ترامب" الثانية؛ إذ استخدمت الإدارة تهديدات الرسوم الجمركية لإجبار الشركاء التجاريين على اتفاقات غير متكافئة، كما لجأت إلى القوة العسكرية في أكثر من ٦ دول، واستمرت في استهداف من يُشتبه في أنهم مهرّبو مخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، رغم عدم القدرة على التأكد من هوياتهم أو إثبات تورطهم، مع الاعتراف بأن هذه العمليات لن تؤثر فعليًا على تجارة المخدرات غير المشروعة.

كما أشار إلى أن الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب ، هاجم قادة دول آخرين واعتبرهم ضعفاء، وقال للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه "لا يملك أوراقًا" - في إشارة إلى أن موقفه ضعيف - وأنه يجب عليه أن يبرم اتفاقًا مع روسيا، وفرض حصارًا على كوبا بهدف زيادة معاناة سكانها وإجبار نظامها على الاستسلام، إلى جانب اتخاذ قرارات عسكرية اعتبرها الكاتب غير ضرورية ضد إيران على افتراض انهيار نظامها سريعًا.

وأفاد الكاتب أن الأبرز في هذا التوجه هو غياب أي محاولة لإخفاء أو تبرير استخدام القوة، إذ إن معظم الدول - حتى القوى الكبرى - تحاول عادة تغليف القوة بخطاب أخلاقي أو قانوني، لكن إدارة "ترامب" تبدو مستمتعة بانتهاك المعايير الدولية وإلحاق الضرر بالآخرين، مع خطاب يقوم على الترهيب لا الإقناع.

وأوضح أن هذا التمجيد للقوة الصلبة ترافق مع تفكيك مؤسسات وسياسات كانت تعزز الجاذبية الأمريكية، مثل حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ومحاولات إغلاق شبكة "صوت أمريكا" - وهي شبكة إعلامية دولية حكومية تابعة للولايات المتحدة تبث الأخبار والبرامج بعدة لغات إلى جمهور خارج البلاد بهدف نقل الرؤية الأمريكية للأحداث وتعزيز حضورها الإعلامي عالميًا - وانسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية، وإخلاء عدد كبير من المناصب الدبلوماسية، إضافة إلى ممارسات الهجرة العنيفة والهجمات على الجامعات، التي كانت تمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة الأمريكية عبر جذب الطلاب الأجانب.

وأضاف أن هذه السياسات أدت إلى تراجع صورة الولايات المتحدة عالميًا، في الوقت الذي تتحسن فيه صورة الصين دوليًا، وتساءل الكاتب عن سبب عدم إدراك الإدارة الأمريكية لما يحدث، وهل لا يفهمون أن الإفراط في استخدام القوة الصلبة سيجعل الدول الأخرى أقل استعدادًا للتعاون مع أمريكا؟

وقال "والت" إن رؤية إدارة "ترامب" للعالم تقوم على تقسيمه إلى "منتصرين" و"خاسرين"، وأنها لا ترى في التسويات مع الأطراف الأضعف إلا علامة فشل، كما ذكر أن الخطاب السياسي داخل الإدارة يعكس تمجيدًا للقوة والهيمنة، وهو ما يظهر في حديث وزير الدفاع ، بيت هيجسيث، عن "روح المحارب" و"اللذة في الفتك"، وكذلك تصريحات مستشار البيت الأبيض، ستيفن ميلر ، التي تبرر سيطرة الأقوياء.

وبيّن "والت" أن "ترامب" وأنصاره، رغم ادعاءاتهم الوطنية، لا يظهرون تقديرًا كبيرًا للبلد الذي يقودونه، إذ يهاجمون الإعلام، ويحتقرون الفنانين، ويعادون المعارضة، ويشككون في المؤسسات العلمية والأكاديمية، ويؤمنون بوجود "دولة عميقة" داخل أجهزة الدولة.

وخلص الكاتب إلى أن هذا النهج يقوم على تفضيل الحلول السريعة والصفقات المؤقتة بدل بناء علاقات دولية طويلة الأمد، ما يؤدي إلى تراجع الاستثمار في القوة الناعمة مثل التعليم والتبادل الثقافي، وهي الأدوات التي كانت تاريخيًا مصدرًا رئيسيًا لنفوذ الولايات المتحدة.

وقال إن الولايات المتحدة حققت نجاحات تاريخية كبرى عبر التعاون وبناء التحالفات مثل خطة مارشال، وحلف شمال الأطلسي(الناتو)، وحركة الحقوق المدنية، والتجارة الدولية، والمفاوضات التي أنهت الحرب الباردة، بينما جاءت أبرز الإخفاقات من الاعتماد المفرط على القوة العسكرية وحدها مثل فيتنام والعراق وأفغانستان وليبيا.

وفي الختام، حذر الكاتب من أن استمرار تآكل القوة الناعمة وتسييس القوة الصلبة بشكل مفرط سيجعل الفصل بين صورة أمريكا كمثال عالمي وبين سياساتها الفعلية أكثر صعوبة في المستقبل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك