- فاينانشال تايمز: عالم ترامب أشبه بـ "العجلة الدوارة" في مدن الملاهي حيث تمارس واشطن نمطًا من الهيمنة المسرحية وتتحول الفوضى إلى أرباح سياسية
رأى الكاتب والمفكر السياسي والمحرر المساهم في صحيفة "فاينانشال تايمز" ورئيس مركز الاستراتيجيات الليبرالية وزميل معهد العلوم الإنسانية في فيينا، إيفان كراستيف، أن العالم يعيش اليوم ما وصفه بـ "عصر الوسطاء"؛ حيث بات المبعوثون الخاصون هم صناع السلام الجدد، ليس بسبب خبرتهم الدبلوماسية، بل تحديدًا لأنهم لا يفقهون فيها شيئًا.
وأشار "كراستيف"، في مقال نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز"، إلى أن المفكر السياسي المتخصص في الشئون الدولية، روبرت كابلان ، كان قد قال يومًا "إن فهم الأحداث العالمية يبدأ بالخرائط وينتهي بـ ويليام شكسبير" - في إشارة إلى أن فهم السياسة الدولية لا يقتصر على الجغرافيا وحدود الدول، بل يمتد أيضًا إلى فهم الدوافع الإنسانية والصراعات الشخصية التي تحرك القادة وصناع القرار - غير أن الواقع العالمي الحالي - بحسب الكاتب - أقل سموًا بكثير، إذ يبدأ بمنشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، وينتهي بالمصالح التجارية لأصدقائه وأفراد عائلته.
وأشار إلى أن تقريرًا حديثًا صادرًا عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية خلص إلى أن اعتماد "ترامب" شبه الكامل على الأصدقاء وأفراد العائلة كمبعوثين لإبرام الصفقات وحل أزمات السياسة الخارجية المعقدة، يشكل مخاطر هيكلية على أوروبا.
وبحسب التقرير، فإن استخدام الرئيس الأمريكي للمبعوثين الخاصين يتبع نمطًا واضحًا يمكن تمييزه بسهولة ويتمثل في الضغط أولًا على الطرف الأضعف، وتأجيل القضايا الصعبة، وتنفيذ الاتفاقات عبر شبكات شخصية، ورأى التقرير أنه بينما ينبغي على أوروبا أن تخشى هذا النمط الجديد من "الدبلوماسية بلا دبلوماسيين"، فإن عليها أيضًا أن تسعى لفهمه.
وأوضح "كراستيف" أنه في عالم يفتقر إلى المبادئ المشتركة والمؤسسات الفاعلة، أصبح المبعوثون الخاصون ضرورة؛ فالعامل الوحيد الذي لا يزال يربط العالم ببعضه هو أن الأشخاص أنفسهم هم من يتفاوضون لإنهاء الحروب في أوكرانيا وغزة وإيران، وهم قادرون على التواصل مع الرئيس الأمريكي في أي وقت.
وأضاف أن "مجلس السلام" ليس بديلًا عن الأمم المتحدة، لكن ملعب الغولف قد يصبح أحيانًا مساويًا لطاولة المفاوضات، وأكد أن الدبلوماسية تتغير لأن طبيعة القوة الأميركية نفسها تتغير؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت الهيمنة الأمريكية توفر ما وصفه بـ "المنافع العامة" مثل حرية الملاحة البحرية، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي. أما اليوم، فلم تعد الولايات المتحدة راغبة أو قادرة على تقديم تلك المنافع، بل باتت تفضل لعب دور "المعطل العالمي".
ورأى أن على الدول الأخرى إدراك هذه الحقيقة والتصرف وفقًا لها، مع فهم أن الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية أصبح تذكير بقية العالم بحجم القوة الأمريكية. وأضاف أن واشنطن تمارس اليوم شكلًا من "الهيمنة المسرحية"؛ حيث تُقدَّم كل الحروب باعتبارها مجرد عمليات خاصة، بينما تتحول العمليات الخاصة الفاشلة - مثل ما حدث في إيران - إلى أزمات عالمية يُطلب من الآخرين حلها..
وقال إنه في سياسة "ترامب" الخارجية، أصبحت السرعة أكثر أهمية من الاتجاه، إذ تؤدي حالة عدم التوقع المحمومة إلى إبقاء الجميع في حالة ارتباك دائم؛ فالحلفاء لا يستطيعون التخطيط، والخصوم لا يستطيعون ضبط حساباتهم، والمؤسسات لا تتمكن من التكيف. وقبل أن يستوعب العالم صدمة ما، تكون صدمة أخرى قد وقعت بالفعل.
ووصف الكاتب هذا النهج الفوضوي بأنه ما يسميه السياسي الأمريكي، ستيفن هولمز، "الهرمية بلا نظام"، مضيفًا أنه يمكن أيضًا تسميته بـ "عقيدة أجاممنون"، حيث يصبح الانتقام من الأعداء والحلفاء غير المخلصين أمرًا حتميًا، وأوضح أن هذه الرؤية تقوم على افتراض أن الدول غير متساوية، وأن حتى القوى الكبرى ليست متساوية في قوتها، وأن هذه القوى ينبغي أن تتمتع بامتيازاتها وتحافظ على مكاسبها، لكن بشرط الاعتراف بتفوق الولايات المتحدة. ولفت إلى أن هذا لا يمثل نسخة حديثة من سياسة مناطق النفوذ، لأن القوة المهيمنة - وفق هذا التصور - لا تتحرك وفق المصالح، بل بدافع الكبرياء والغضب.
واعتبر "كراستيف" أن العمل كدبلوماسي محترف في عهد "ترامب" يشبه العمل كسائق عربة في عصر السيارات، إذ لم تعد هناك حاجة إلى هذا الدور، بل إن الخبرة نفسها أصبحت سببًا في انعدام الجدوى، وأضاف أن المبعوثين الخاصين أصبحوا صناع السلام الجدد لأنهم غير مقيدين بالخبرة أو بالإجراءات البيروقراطية، معتبرًا أن تورط وسطاء "ترامب"، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في تضارب مصالح تجارية خاصة يُعد - من وجهة نظره الساخرة - ميزة، إذ من دون تضارب مصالح لن يكون هناك حافز لحل النزاعات العسكرية، كما أن حديثهم المستمر عن الأعمال التجارية قد يدفع العالم إلى تصديق أنهم يسعون فعلًا إلى السلام.
وشبّه الكاتب العيش في عالم "ترامب" بركوب عجلة دوارة في متنزه براتر التاريخي في فيينا، حيث يتحول الدوار إلى أرباح، معتبرًا أنه عالم تصنعه فئة الوسطاء أكثر من القوى المتوسطة، لافتًا إلى أن القوى المتوسطة - مثل تركيا، ودول الخليج، وباكستان - باتت تحلم بأن تصبح وسطاء.
واختتم "كراستيف" مقاله بالقول إن الولايات المتحدة تتصرف على عجل، ولم يعد لديها وقت لصناعة "أفلام كاملة"، بل تكتفي بإنتاج إعلانات دعائية قصيرة؛ في إشارة إلى أن واشنطن باتت تميل إلى التحركات السريعة ذات الأثر الإعلامي والسياسي الفوري، بدل تبني استراتيجيات طويلة الأمد لمعالجة الأزمات الدولية.
وأوضح أن بعض هذه التحركات قد ينجح، كما في حالة فنزويلا، بينما قد ينقلب بعضها الآخر ضدها، كما حدث مع إيران، وأكد أن العامل الحاسم بالنسبة لترامب هو الوقت؛ فالصراعات يجب أن تكون قصيرة، وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة من إنهائها، فإنها ستترك الآخرين يتولون المهمة. وخلص إلى أن هذا هو المعنى الحقيقي للقوة بالنسبة لترامب؛ ليس فرض الإرادة على الآخرين، بل إجبارهم على حل مشكلات الولايات المتحدة، فيما يتمثل دور المبعوثين الخاصين في إقناع الجميع بهذه الحقيقة.