يظل الغذاء الوجه الآخر للعملة إذا ما ذكرنا الدواء. وحينما يطال المرض أحد أعضاء الجسم المهمة وأكثرها تعقيدًا، وهو الكبد، فإن الاعتماد على الغذاء في التداوي إلى جانب الدواء يصبح أمرًا واجبًا يستحق عناية خاصة.
الكبد.. السهل الممتنع
يُعد الكبد المصنع الرئيسي لجسم الإنسان؛ ففيه تتم آلاف العمليات الكيميائية المعقدة في تناغم مذهل، حتى إن محاولة حصرها ما زالت تحيّر العلم الحديث.
يختزن الكبد الطاقة في الجسم على هيئة الجليكوجين، ويطلقها في صورة جلوكوز عند الحاجة، ثم يعيد تخزين الفائض مرة أخرى. وإذا أصيب الكبد بالتليف أو التلف، تتعطل هذه العملية، ما قد يعرّض الإنسان لحالات من الدوخة.
يفرز الكبد العصارة الصفراوية التي تساعد على هضم الطعام وامتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل فيتامينات أ، ك، د، هـ.
يصنع بروتين الألبيومين المسؤول عن بناء وتجديد خلايا الجسم.
يحول مركبات الأمونيا السامة الناتجة عن هضم البروتينات إلى بولينا تتخلص منها الكليتان، وأي خلل في هذه الوظيفة قد يؤدي إلى تراكم السموم وحدوث غيبوبة كبدية.
يفرز عناصر تجلط الدم، وأي فشل في ذلك قد يعرض المريض للنزيف المفاجئ.
يؤدي دورًا مهمًا في دعم المناعة ومقاومة الميكروبات.
يفرز نحو 80% من الكوليسترول في الدم، ويخزن الحديد اللازم لتكوين خلايا الدم.
يحافظ على التوازن الهرموني للجسم، وأي اضطراب فيه قد يؤدي إلى تغيرات خطيرة في وظائف الهرمونات.
يتعامل مع الأدوية بتنشيطها أو تعطيل مفعولها، ما يجعله خط الدفاع الأول ضد مضاعفاتها وآثارها الجانبية.
يقاوم السموم وملوثات البيئة والكحوليات، وهو ما يفسر خطورة تلف خلاياه.
ورغم هذه الوظائف المعقدة، فإن قدرة الكبد على التجدد مذهلة؛ إذ يمكن للجزء المتبقي منه أن يعيد بناء نفسه حتى بعد استئصال ثلاثة أرباعه.
* لماذا يحتاج مريض الكبد إلى نظام غذائي خاص؟
لا تقل أهمية الغذاء عن الدواء في علاج أمراض الكبد، بل إن بعض الحالات، مثل التهاب الكبد الفيروسي (أ) أو الكبد الدهني، قد تعتمد بدرجة كبيرة على النظام الغذائي، بينما تحتاج حالات الالتهاب المزمن المصحوب بالتليف إلى الجمع بين الدواء والغذاء معًا.
ويهدف النظام الغذائي لمريض الكبد إلى:
الوقاية من سوء التغذية المصاحب لتلف خلايا الكبد.
دعم قدرة خلايا الكبد على التجدد واستعادة وظائفها.
تعويض الفيتامينات والمعادن المفقودة، خاصة في حالات الإسهال الدهني.
توفير العناصر الغذائية الداعمة للكبد، وتجنب العناصر الضارة به مثل الكحوليات والدهون الرديئة والملح الزائد والأطعمة المحفوظة.
* النظام الغذائي لمريض التهاب الكبد الحاد
يُفضل أن يكون الطعام خفيفًا وموزعًا على أربع إلى ست وجبات صغيرة يوميًا، على أن يكون مطهوًا مسلوقًا أو مشويًا. ولا يجب الاعتماد فقط على السكريات البسيطة، بل ينبغي تنويع مصادر الغذاء والاهتمام بالماء والعصائر.
الدهون: يُنصح بتناول 40 إلى 50 جرامًا يوميًا من الدهون الجيدة مثل زيت الزيتون وزيت الذرة وزيت الكانولا، مع تجنب الدهون الحيوانية.
النشويات: يُفضل تناول النشويات المركبة مثل الأرز والبطاطس والخبز الكامل والمكرونة، على أن تمثل 50% إلى 55% من السعرات الحرارية اليومية.
البروتينات: يحتاج المريض إلى نحو 1.5 جرام بروتين لكل كيلوغرام من وزنه، من مصادر قليلة الدهون مثل اللحوم البيضاء والأسماك والبقوليات.
الخضراوات والفاكهة: يُنصح بالإكثار منها طازجة أو في صورة عصائر، خاصة مع فقدان الشهية أو الغثيان.
المياه: لا تقل عن 2 إلى 3 لترات يوميًا لتعويض الفاقد.
النظام الغذائي لمريض التهاب الكبد المزمن مع التليف
يعاني كثير من مرضى التليف من سوء التغذية، لذلك يحتاجون إلى نظام غذائي دقيق:
تجنب السكريات البسيطة والمشروبات المحلاة، لأنها تتحول إلى دهون تتراكم في الكبد.
تناول البروتينات بحذر، خاصة في حالات التليف غير المتكافئ أو الاستسقاء.
عند ظهور أعراض الغيبوبة الكبدية، يجب التوقف عن البروتينات الحيوانية والاعتماد على البروتينات النباتية.
تقليل الملح تمامًا في حالات الاستسقاء وتورم القدمين، وتجنب الأطعمة المحفوظة والوجبات السريعة.
تجنب الأطعمة الغنية بالحديد مثل اللحوم الحمراء والكبدة والسبانخ والعسل الأسود والفواكه المجففة.
ويظل الثابت في تغذية مريض الكبد أن تكون الوجبات صغيرة ومتعددة على مدار اليوم، مع وجبة خفيفة قبل النوم لتجنب هبوط السكر أثناء الليل، وأن يكون الطعام مطهوًا على البخار أو مسلوقًا أو مشويًا، مع الحفاظ على التوازن بين النشويات والبروتينات والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن وفقًا للحالة الصحية للمريض.