مارادونا يفتتح «كارلوفى فارى».. مباراة صنعت التاريخ تعود إلى الشاشة - بوابة الشروق
السبت 4 يوليه 2026 10:02 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

مارادونا يفتتح «كارلوفى فارى».. مباراة صنعت التاريخ تعود إلى الشاشة

خالد محمود
نشر في: السبت 4 يوليه 2026 - 8:26 م | آخر تحديث: السبت 4 يوليه 2026 - 8:26 م

• المهرجان يحتفل بعامه الستين.. و40 فيلمًا تُعرض عالميًا لأول مرة

يواصل مهرجان كارلوفى فارى السينمائى الدولى تأكيد مكانته كأحد أهم المهرجانات الأوروبية التى تراهن على اكتشاف الأصوات الجديدة ومتابعة التحولات الكبرى فى العالم. وفى دورته الستين، التى انطلقت أمس وتستمر حتى11 يوليو، لا يكتفى المهرجان بالاحتفاء بتاريخه الطويل، بل يقدم برنامجا يعكس صورة عالم يعيش حالة من القلق والتغير المستمر، حيث تتقاطع السياسة مع الحياة اليومية، وتتجاور الذاكرة مع الحاضر، وتتحول السينما إلى أداة لفهم ما يجرى حولنا. وكأنه يوجه رسالة واضحة مفادها أن السينما لا تزال قادرة على قراءة التحولات الكبرى التى يعيشها الإنسان المعاصر، سواء جاءت من ملاعب كرة القدم أو من صراعات الهوية والانتماء والذاكرة.

تجىء الدورة الجديدة حافلة بما يزيد على أربعين فيلمًا يُعرض معظمها للمرة الأولى عالميًا، إلى جانب برنامج احتفالى يتضمن عرضًا بصريًا ضخمًا يعتمد على 1300 طائرة مسيّرة بدلًا من الألعاب النارية التقليدية، فى إشارة إلى رغبة المهرجان فى الجمع بين التقاليد والحداثة.

كرة القدم تدخل السجادة الحمراء

فى مفارقة لافتة، اختار المهرجان أن يفتتح دورته الستين بفيلم وثائقى عن واحدة من أشهر مباريات كرة القدم فى التاريخ، وهو فيلم «المباراة (The Match) للمخرجين خوان كابرال وسانتياجو فرانكو الذى يعود بنا إلى المواجهة التاريخية بين الأرجنتين وإنجلترا فى كأس العالم 1986، المباراة التى شهدت هدفى دييجو مارادونا الأشهر؛ «يد الله» و«هدف القرن»

ولا يبدو الاختيار عابرا أو مرتبطا فقط بالشعبية الجارفة لكرة القدم، بل يعكس إدراكا متزايدًا لدى المهرجانات الكبرى والسينما بأن بعض اللحظات الرياضية، وخصوصًا فى كرة القدم تتجاوز حدود الملعب لتتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية للشعوب. فالمباراة التى يستعيدها الفيلم لم تكن حدثا رياضيا فحسب، بل حملت أبعادا سياسية وتاريخية وإنسانية معقدة، وعكست المشاعر الجماعية.

فالمباراة التى شهدت هدفى دييغو مارادونا الشهيرين لم تكن حدثًا رياضيًا فحسب، بل جاءت بعد سنوات قليلة من حرب جزر فوكلاند، ما منحها أبعادا رمزية جعلتها تعيش فى الذاكرة العالمية حتى اليوم.

وهو ما جعلها مادة مثالية لفيلم افتتاح دورة احتفالية تسعى إلى مخاطبة جمهور واسع دون التخلى عن عمقها الفكرى.

فالافتتاح بهذا الفيلم إشارة ذكية إلى أن الحكايات الكبرى لم تعد حكرًا على السياسة أو التاريخ أو الأدب، بل يمكن العثور عليها أيضًا فى لحظة رياضية قادرة على اختزال مشاعر أمة كاملة.

عالم مضطرب على الشاشة

إذا كان فيلم الافتتاح يستعيد لحظة من الماضى، فإن معظم أفلام المسابقة تنظر مباشرة إلى أزمات الحاضر.

ففى الفيلم الصربى «3 أسابيع بعد»، يأخذنا المخرج ميروسلاف تيرزيتش إلى عالم المراهقين حيث يتحول انتحار أحد الطلاب إلى مرآة تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية وآليات التنمر والعزلة والعنف الصامت داخل المجتمعات الحديثة.

أما الفيلم البلغارى «أموال سوداء مقابل أظافر بيضاء»، فيتناول بطريقة تجمع بين التراجيديا والكوميديا تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على حياة زوجين عاديين تنهار أحلامهما الشخصية بسبب تداعيات سياسية لا يملكان السيطرة عليها.

ويبدو واضحا أن كثيرا من أفلام الدورة تنطلق من فكرة بسيطة مفادها أن الأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بنتائجها السياسية، بل بما تتركه من أثر على البشر العاديين الذين يجدون أنفسهم فجأة فى قلب التحولات التاريخية.

المرأة فى قلب الحكاية

من الملاحظ أيضًا أن عددًا كبيرًا من أفلام المسابقة يمنح البطولة للمرأة، ليس بوصفها رمزًا أو ضحية فقط، بل باعتبارها فاعلًا رئيسيًا فى مواجهة العالم.
فى الفيلم الكولومبى «خمس سنوات وأربعة أشهر» تتحول رحلة أم تبحث عن ابنها المفقود إلى شهادة مؤثرة عن الألم والصبر والمقاومة.

وفى الفيلم التشيلى «خلف المطر»، تعود المخرجة فاليريا سارمينتو إلى موضوعاتها المفضلة المتعلقة بالذاكرة والكبت النفسى، من خلال بطلة تضطر إلى مواجهة جراح طفولتها بعد جريمة تهز مدينتها.

أما الفيلم السويسرى «عائلة سعيدة» فيقدم نموذجًا مختلفًا للبطولة النسائية عبر أم تكافح لاستعادة طفليها بعد أن فصلتهما السلطات عنها، فى عمل يطرح أسئلة معقدة حول العدالة الاجتماعية وحدود سلطة الدولة.

هذه الأعمال وغيرها تكشف أن السينما العالمية ما زالت تجد فى التجربة النسائية مساحة خصبة لاستكشاف قضايا أوسع تتعلق بالسلطة والهوية والذاكرة والعدالة.

الهوية والهجرة وأسئلة التعايش

من أبرز ملامح الدورة أيضا الحضور القوى لقضايا الهوية والانتماء الثقافى.

ويتجلى ذلك بوضوح فى فيلم «حُجة» للمخرج نادر سيفار، الذى يروى قصة رجل يجد نفسه ممزقًا بين رغبته فى دعم شقيقه وبين ضغوط أسرته المحافظة. ومن خلال هذه الحكاية العائلية، يناقش الفيلم قضايا أوسع تتعلق بالهجرة والتسامح والحوار داخل المجتمعات متعددة الثقافات.

كما يعود الفيلم السلوفاكى «برامين – أشياء جميلة فقط للنظر إليها» إلى حقبة الثمانينيات ليفتح ملفات التمييز ضد نساء الروما، ويطرح تساؤلات حول علاقة السلطة بجسد الإنسان وحقه فى اتخاذ قراراته الخاصة.

وفى «ثى ثى خو – جمع الفاكهة» يرصد المخرج أونغ فيو الحياة اليومية لشابتين فى ميانمار، حيث تتحول الرغبة فى الحب والحرية إلى فعل مقاومة فى مواجهة واقع اقتصادى واجتماعى قاسٍ.

ما يميز كارلوفى فارى دائمًا عن كثير من المهرجانات الأخرى هو اهتمامه بالأفلام القادمة من خارج المراكز السينمائية التقليدية.

فبينما تتجه الأضواء غالبًا إلى الإنتاجات الأمريكية أو الأوروبية الكبرى، يمنح المهرجان مساحة واسعة لأفلام من صربيا وبلغاريا وكولومبيا وميانمار وسلوفاكيا وتشيلى وغيرها.

هذه السياسة لا تمنح الجمهور فرصة لاكتشاف سينمات جديدة فحسب، بل تسمح أيضًا بسماع أصوات مختلفة تروى العالم من زوايا غير مألوفة. ولهذا السبب كثيرًا ما تحولت أفلام انطلقت من كارلوفى فارى إلى أسماء مهمة لاحقًا فى خريطة السينما الدولية.

وقد أشار المدير الفنى كاريل أوخ إلى هذه السمة عندما أكد أن أفلام البرنامج الرئيسى تسعى إلى فهم تعقيدات العالم من خلال المواجهة المباشرة مع الواقع، ومن خلال البحث المستمر عن العلاقة بين الفنى والسياسى، وبين الفردى والجماعى.

نجوم العالم فى كارلوفى فارى

إلى جانب الأفلام، تشهد الدورة حضور عدد من أبرز نجوم السينما العالمية، من بينهم داستين هوفمان وجولييت بينوش وجيفرى رايت والذين يكرمهم المهرجان، فضلًا عن جلسات حوارية يشارك فيها Jesse Eisenberg ومدير التصوير الشهير Robert Richardson.

ويمنح هذا الحضور المهرجان توازنًا مهمًا بين الاحتفاء بالأسماء اللامعة ودعم المواهب الجديدة، وهى المعادلة التى ساهمت فى ترسيخ مكانته خلال العقود الماضية.

ستة عقود من البحث عن الإنسان

فى النهاية، تبدو الدورة الستون من مهرجان كارلوفى فارى أكثر من مجرد احتفال بذكرى تأسيس مهرجان عريق. إنها مناسبة للتأمل فى الدور الذى ما زالت السينما قادرة على لعبه فى عالم مضطرب ومتغير.

فمن مباراة كرة قدم تحولت إلى أسطورة إلى قصص عن الفقدان والهوية والهجرة والذاكرة والحب والعدالة، تكشف أفلام الدورة أن الإنسان ما زال هو البطل الحقيقى لكل الحكايات. وربما لهذا السبب تحديدًا استطاع كارلوفى فارى أن يصل إلى عامه الستين محتفظًا بروحه الأولى: الإيمان بأن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل نافذة لفهم العالم، ومحاولة دائمة للعثور على المعنى وسط ضجيج الحياة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك